صدر في دمشق عام 2010

كتاب بعنوان (( المرأة والموروث في مجتمعات العيب ))

 

وجاء في مدخل الكتاب :

تشكل منظومة الوعي الاجتماعي جملة الأعراف وقيم الموروث التاريخي والديني التي تنسج شبكة العلاقات والأواصر بين أفرد المجتمع، ويرتبط تغيرها النسبي بحجم الأمية والجهل والفقر والاستبداد. وتعد السمة الشخصية للمجتمع لا يصح التجاوز عليها أو نبذها كلياً بحجة تعارضها مع متطلبات العصر، وإنما توظيف الجيد منها لإعادة تشكيل منظومة الوعي الجديد، كونها تنهل من منظومة قيم الخير والشر أحكامها الناظمة لسلوكيات البشر وتصرفاتهم ومن ثم فإنها تعد نظاماً ذاتياً رادعاً، فعله يفوق فعل القانون الوضعي.

ولا يتعارض ذلك مع التوجهات المطالبة بإسقاط بعضها الآخر، لأنها تعيق سُبل التقدم والتطور الاجتماعي، خاصة النظرة الدونية إلى المرأة منها. فالمرأة كائن إنساني لا يقل أهمية عن الرجل بفعل الحياة وديمومتها للجنس البشري، وليس هناك مسوغ عقلاني  لتعطيل نصف المجتمع عن أداء دوره المفترض في الحياة.

إن الاختلافات البيولوجية والنفسية وما فرضته الطبيعة على الجنسين لم تعد مسوغات  مقنعة للحط من قدر المرأة وشأنها، فالمجتمع الذكوري بفعل التربية الاجتماعية الخاطئة كرس قيم الموروث التاريخي وأعرافه في ذهن المجتمع. وانسحب في اللاوعي على منتجي الثقافة ونتاجهم، ليشكل في المحصلة منظومة وعي جديد تُفعل أعراف الموروث التاريخي وقيمه في ذهن الجيل الجديد !.

ويؤشر ذلك بوضوح في مجتمعات العيب الأسيرة لأعراف الموروث وقيمه، وما ينال من قدر المرأة وشأنها وعدّها آلة لإطفاء حرائق الغرائز الجنسية للرجل، ومركز ضعفه الاجتماعي لما تمثله من الشرف والعرض عند خروجها على أعراف المجتمع وقيمه. وتسلل هذا الفهم في لغة الشتيمة والسباب للتعريض بالرجل، والحط من قدره وشأنه الاجتماعي بذكر مفردة فرج الأم أو الأخت أو نعتهما بالزنى عند حدوث أي مشادة كلامية بين الرجال ذاتهم. لتأخذ دلالاتها العرفية والعشائرية بعد ذلك ولا تصيب  الشاتم ذاته، وإنما تنسحب لتصيب عائلته وعشيرته لما تحمله مفردة الشتيمة والاتهام بالزنى في الموروث من دلالة لمعاني الشرف والعرض للرجل.

تعاني مجتمعات العيب المأسورة لأعراف الموروث وقيمه حالة الكبت الجنسي الناخر لذاتها نتيجة حالة الانفصام في اللاوعي الذي يعيشه الفرد، فمن جهة يسعى لتفريغ نزعاته الغريزية لفعل التحرش الجنسي بالمرأة أو التغزل بها شعرياً أو التعامل معها عاطفياً أو مقايضة جسدها بالمال.... ومن جهة أخرى يحط من قدرها وشأنها الاجتماعي.

اتبعت المرأة في مجتمعات العيب أساليب متعددة للمطالبة بحقوقها أسوة بالرجل، فاتخذت الكيانات الحزبية سبيلاً لنضالها. لكنها في الأكثر أخفقت في تبوؤ المراكز القيادية وإن نالتها فإنها تكون منزوعة القرار والإرادة لشعورها في اللاوعي بالدونية في المجتمع الذكوري، ولجوءها إلى طلب المساعدة من الرجال في أبسط الأعمال الحزبية الموكلة يدل على عدم الثقة بالنفس ومحاولة في اللاوعي لانتزاع اعتراف ذكوري بعملها.

واستغلت الكيانات الحزبية حالة عدم الثقة بالنفس وما تعاني المرأة في مجتمعات العيب، وحولت الخطاب النسوي المطالب بالحقوق المتساوية مع الرجل إلى خطاب شعاراتي فارغ المحتوى خدمةً لأغراضها الحزبية ليس إلا !.

وارتضت الكثير من النساء الناشطات في المجال النسوي بهذه الشعارات الفارغة وبالأدوار الهامشية، فتحول الخطاب من خطاب ساع لمعالجة أزمة اجتماعية تنخر ذات المجتمع إلى خطاب من الشعارات السياسية الفارغة تتبناه الكيانات الحزبية لتضفي صفة التحضر على ذاتها، ولتستر عريها في الهيمنة الذكورية على القيادة الحزبية !. إن قضية المرأة وحقوقها قضية اجتماعية أكثر من سياسية لارتباطها بأعراف الموروث الاجتماعي والديني وقيمه، فمن دون إعداد برامج تربوية تغرس مبادئ العدالة والمساواة في ذهنية الجيل الفتي وإسقاط دلالات الموروث من أعراف وقيم بالية تحط من قدر وشأن المرأة في المجتمع لا يمكن تفكيك مسببات الأزمة وتفعيل نصف طاقات المجتمع لتساهم في تقدمه وتطوره الاجتماعي.

تعد المشاعر والأحاسيس من خاصة القلب منذ الأزل ولم يطرأ تغيير جوهري عليها، لأنها فطرية تنساب عبر قنوات غير مرئية، قنوات حسية تمد جسورها في منظومة اللاوعي لتنقل ذبذباتها المتعاكسة مع الآخر من دون مرشحات أو عوائق اشتراطيه انتقائية تقبل مكونات معينة دون غيرها أو ترفضها. وعلى العكس فإن منظومة الوعي تكون اشتراطيه انتقائية تخضع لمرشحات تحكم العقل في قبول أو رفض الآخر تبعاً لتحقيق المصالح.

الحب مكاشفة بين شخصين غير خاضع لمنظومة الوعي، ويعد بمنزلة النار التي توقد في القلب لتؤجج المشاعر والأحاسيس فتتحرر منظومة القلب من أسر منظومة العقل لعقد علاقة الحب. لكنها تعود إلى أسرها من جديد لانتزاع الاعتراف الاجتماعي به، وبذلك فإنها تخضعه ثانية لمرشحات العقل المتعارضة ومعاييره وشروط عقدها الفطري.

 إن سعير نار الحب في منظومة القلب يوقظ براكين العشق التي تقذف بحممها في كل مساحة الروح والجسد ليصاب العاشق بداء جنون العشق الذي يصبح خبلاً عند الفراق، فتهذي الروح شعراً ونثراً مستجديةً لقاء المعشوق. فالحب والعشق والعاطفة والأحاسيس والمشاعر..... تعد بمنزلة عواصف تهب من الروح على مساحة الجسد، فتعصف بكل السواتر والمواقع الاجتماعية التي جاهدت منظومة العقل لبنائها لتدجن الكائن الإنساني في المجتمع. فمنظومة القلب تكتم أسرارها الخفية عن العقل، وحين تفصح عنها يحدث شرخ بين منظومتي الجسد والروح، لتفرض الروح أحكامها على الشاعر الذي ينحت الكلمات بمطارق حسية، تنهل نغم ضرباتها من موسيقى كونية لتطرب المنتمين إلى عالمها الكوني.

فالقصيدة الشعرية ليست بحوراً لغوية، تبحر بها سفن الكلمات والمعاني، وإنما حروف حسية تشكل الكلمات وتصوغ المعاني لتعبر عن مشاعر كائنات وأحاسيسهم أصابها جنون العشق، لا يمكن أن تصفها سوى كلمات ( مجنونة ) خاضت كل مراحل عسر الولادة !. إن صياغة الكلمات ونحتها في الشعر تختلف من زمن لآخر، لكنها لم تخرج على سياقها الفطري ومدلولها الحسي إلا بمقدار تطور اللغة ذاتها عبر الزمن.

تناول الكتاب مناقشة دور التربية في ترسيخ  الموروث ونبذه، ودور الموروث والتشريعات في الحط من قدر المرأة، وآراء في التحليل النفسي للمرأة، والموروث والثقافة، والمرأة والمجتمع، والحب والعشق من رؤية فلسفية، الحب والعشق من رؤية  شعرية، وأخيراً رؤى في الحب والعشق في مجتمعات العيب.

 

المؤلف : صاحب الربيعي

اسم الكتاب : المرأة والموروث في مجتمعات العيب

عدد الصفحات : 144 من القطع الكبير

دار النشر : صفحات، دمشق 2010.