صدر في دمشق كتاب جديد للكاتب صاحب الربيعي

 بعنوان (( تقنيات وآليات الإبداع الأدبي ))

 

وجاء في مدخل الكتاب :

تشكل اللغة سلسلة من المفردات والتعابير والألفاظ المعبرة عن ثقافة شعب ما، وتعدّ أسلوباً للتواصل بين البشر. وتتطور اللغة على نحو موازٍ لتطور حضارة الأمة لتكون مطية رفدها المعرفي عبر الأجيال، فكلما كانت حية وغنية بمفرداتها عبرت على نحو  دقيق عن واقع الأمة الحضاري. لكنها بحاجة إلى أداة وتقنيات وآليات للعمل، توظف لإنتاج كائن إبداعي يجسد الواقع تجسيداً حقيقياً. والكاتب يعد أداة التوظيف لقدرته على المزاوجة بين المكتسبات المعرفية والموهبة لإنتاج معرفة إبداعية جديدة، لذلك لا يجوز عدّ كل نتاج أدبي نتاجاً إبداعياً، فهناك نتاج أدبي يحتكم إلى شروط اللغة وقواعدها، لكنه غير إبداعي.

 وهناك نتاج معرفي يحتكم إلى شروط اللغة وقواعدها ويمتاز بالموهبة والملكة ويعتمد آليات منظومة اللاوعي ومنظومة الوعي لمزاوجة المكتسبات المعرفية لإنتاج إبداع معرفي ذات خصائص كونية وأرضية في آن واحد. ويختلف فعل المزاوجة بين منظومتي اللاوعي والوعي للمبدع، باختلاف أنماط الثقافة ذاتها، فهناك أنماط أدبية تحتكم إلى أحد المنظومتين من دون الأخرى، وهناك أنماط معرفية تشترط تحكم المنظومتين لإنتاج المعرفة الإبداعية الجديدة.

فمثلاً النمط الشعري يحتكم في أكثر الأحيان إلى منظومة اللاوعي في الوصف والتشبيه والمديح والذم ولا يظهر بالضرورة الحقيقة الكاملة، فتكون الرؤى غير صادقة وتخضع لهوى الشاعر ومواقفه من الآخر. وهناك نمط النقد الأدبي ذو الآليات والتقنيات المحتكمة إلى منظومة الوعي وحدها لإصدار الأحكام وإغفال سمات منظومة اللاوعي ومدلولاته فتأتي أحكامه قاسية في رأي الكُتاب لخضوعها لقواعد النقد وشروطه وتقنياته وأساليبه على نحو صارم. ولا يُتهم الناقد بالامتثال للقواعد الصارمة في إصدار أحكامه الجائرة على العمل الأدبي وحسب، بل لأحكامه الشخصية في العداء والمحاباة للكاتب وكذلك للاعتبارات الشللية التي تحكمها علاقات تبادل المصالح فيبتعد الناقد عن مهامه ويسيء إلى العمل النقدي !.

ليس هناك معنى محدد للثقافة يصلح لجميع المراحل والأزمان، فالمعنى يتغير تبعاً لتغير نمط العلاقات الاجتماعية وتطورها. وهذا التغيير لا يطرأ على كل المجتمعات في آن واحد، فتطور نمط العلاقات الاجتماعية مرتبط بمجمل النشاطات الثقافية لصفوات الأمة، فالمجتمعات التي تعاني ندرة في صفواتها الثقافية والعلمية يتأخر تطورها، وتعيش نمط العلاقات الاجتماعية التقليدية، والتي تتوافر على صفوات كثيرة يسودها نمط العلاقات الاجتماعية المتطورة.

إن معنى الثقافة في المجتمعات المتخلفة يعني بنمطه المبسط جملة النشاطات الاجتماعية كالزواج والملكية واللغة والأعراف والسلع الاستهلاكية والمعتقدات...... على حين تجاوز معنى الثقافة في المجتمعات المتطورة نمطه المبسط ليمثل جملة النشاطات المعرفية لصفوات الأمة وتأثيرها في نمط العلاقات الاجتماعية السائدة والمحددة للأدوار الذي يمكن أن تؤديه الأمة على مستوى العالم، بعدّها منتجة للمعارف العلمية والإنسانية.

ويظهر المعنى المحدد للثقافة في معنى المثقف بدلالته الثنائية المثقف ومنتج الثقافة، فالأول صفة للمتعلم الذي يعرف شيئاً عن كل شيء في الثقافة والعلوم بعدّه مستهلكاً للثقافة. والثاني منتج الثقافة الذي يمثل إحدى صفوات المجتمع، ويساهم في جملة النشاطات الفوقية للسلطات العليا في المجتمع. إن التغيرات التي طرأت على معنى الثقافة والمثقف عبر التاريخ لم تكن مدلولات مثالية لمنح مكانة خاصة للمثقف في المجتمع بقدر ما هي عمل مؤسسي يسعى لفصل السلطات على مستوى الدولة والمجتمع كونها سلطات متداخلة يقبض السياسي وحده عليها ويفرض خلالها توجهاته المتعارضة في أكثر الأحيان مع توجهات المجتمع.

هذا التداخل للسلطات في الأنظمة الشمولية والمجتمعات المتخلفة تحديداً منح السياسي الجاهل الفسحة للتحكم بمقدرات البلاد والعباد فتعمقت الهوة أكثر بين الدولة والمجتمع. إن أكثر ما تخشاه سلطة الاستبداد أن يمارس مثقف مهامه في تحريض المجتمع على المطالبة بمصالحه، وأصبح شغلها الشاغل تحجيم دور المثقف باستخدام العنف والاضطهاد لاحتوائه وتجنيده في أجهزتها للدفاع عن توجهاتها ملوحةً تارة بالمال لشراء صمته أو بالمنصب الوظيفي لتجنيده طواعية ضد أقرانه من المثقفين.

 وشمل الأمر قيادات الكيانات الحزبية المعارضة التي وجدت في المثقف عنصراً يهدد مصالحها  لسعيه الكشف عن جهلها بشؤون الدولة والمجتمع !. فأكثر القيادات الحزبية مارست أساليب غير حضارية مع المثقفين الرافضين للتدجين التهميش والإقصاء وتشويه السمعة.... لقسرهم على الخضوع لتوجهاتها فقد نجحت في تجنيد عدد من أشباه المثقفين في صفوفها واستخدامهم ككلاب مسعورة في مواجهة المثقفين الرافضين!. ولم تدخر العناصر الظلامية جهداً في التصدي للمثقف الذي كشف تخلفها وزيف ادعائها. تعترض سبيل المثقف للنهوض بمهامه جملة من المعوقات منها السلطات المستبدة، وقيادات الكيانات الحزبية، والقوى الظلامية، وتخلف المجتمع، وجميعها يلجأ إلى العنف والاستبداد، فيقف المثقف عاجزاً عن المواجهة كونه لا يجيد سوى استخدام قلمه في تعرية التوجهات المضادة. تناول الكتاب مناقشة : اللغة والرفد المعرفي، وتقنيات الشعر وأساليبه، ودور الإبداع الأدبي في التواصل الحضاري، والفنون الإبداعية والنقد، والثقافة والمثقف، وأخيراً دور النخب الثقافية.

المؤلف : صاحب الربيعي

اسم الكتاب : تقنيات وآليات الإبداع الأدبي

عدد الصفحات : 144 من القطع المتوسط

دار النشر : صفحات، دمشق 2011.