ظاهرة التصحر في العالم

 

أولاً – تداعيات ظاهرة التصحر على دول العالم :

تشكل مساحة الصحاري ما قدره 12% من مساحة الأرض. إن الزحف الصحراوي الذي يجتاح الأحزمة الخضراء من العالم، يعد من المشاكل الكبرى خاصة أنه اصبح يلتهم مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية ويهدد حياة ما بين ( 1.100- 1.200 ) مليار نسمة من سكان العالم. وجاء في دراسة لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة عن حالة التصحر في العالم، أن 30% من المساحات المروية في الأراضي الجافة و 47% من الأراضي المحصولية المطرية و 73% من أراضي المراعي قد تأثرت سلباً. كما تأثر نحو 43 مليون هكتار من الأراضي المروية في المناطق الجافة بسبب الملوحة والقلوية وكل سنة تفقد نحو 1.5 مليون هكتار من الأراضي المروية ويتأثر نحو 216 مليون هكتار من الأراضي المحصولية المطرية في العالم من جراء الحت وانجراف بواسطة المياه والرياح واستنفاذ المغذيات والتدهور المادي. ويفقد بين ( 7- 8 ) ملايين هكتار من الأراضي المحصولية المطرية كل سنة منها ( 3- 4 ) ملايين هكتار في المناطق الجافة ويتأثر 3.333 مليار هكتار من المراعي بدرجات مختلفة من التصحر. وسجلت ظاهرة تدهور الأراضي الزراعية بنسبة 70% في المناطق الجافة من العالم.

ويقدر عدد الدول في العالم التي يجتاحها التصحر بحدود 99 دولة، نصفها في القارة الأفريقية وجراء ذلك يتأثر سلباً بحدود 99 مليون شخص. وتعتبر الأمم المتحدة أن مشكلة التصحر واحدة من أكبر التحديات التي تواجه العالم، فالمساحات التي تعرضت للتصحر في العام 2000 قدرت بنحو 4800 مليون هكتار أي ما يعادل 45% من إجمالي مساحة الأرضي الصالحة للزراعة وبلغت خسائر التصحر بحدود 42 مليار دولار.

 لم يقتصر تأثير زحف الصحراء وإزالة الغابات على الإنسان فقط وأنما أصبح يهدد حياة الحيوانات، فلقد أكد علماء البيولوجيا أن حوالي 10 آلاف نوع من الكائنات الحية يفقد كل عام مع اختفاء أجزاء من الغابة الاستوائية. وتبلغ مساحة الغابة الاستوائية نحو 15 مليون كم2 أو جزءاً من عشرة أجزاء من مساحة سطح الكرة الأرضية على شكل حزام يمثل نصف مجموع مساحة الغابات الموجودة على اليابس. وتشير صور الأقمار الصناعية إلى أن مساحة الغابات قد اختزلت بمقدار الثلث وإلى خسارة 2% منها سنوياً، وأظهرت الصور أن 80 ألف كم2 من الغابات العذراء قد تم إحراقها في سنة 1987 في البرازيل وحدها لتعرية الأرض لاستخدامها في الزراعة والبناء.

وفي إثيوبيا كانت الغابات في الخمسينيات تغطي ثلث مساحة البلاد، لكن في العام 1978 لم تعد الغابات تشكل أكثر من 4% من مساحتها الإجمالية وانخفضت هذه النسبة انحو 1% عام 1990. أما في الهند، فكانت مساحة الغابات حتى بداية القرن العشرين تغطي أكثر من نصف إجمالي مساحتها، وأصبحت في العام 1990 لا تزيد على 14% فقط من مساحتها. ويؤكد معهد الرقابة الدولية : " أن مساحة الأراضي التي يصيبها التصحر سنوياً تزيد على 6 ملايين هكتار ".

وكشفت صور الأقمار الصناعية عام 1990 بأن المساحة التي تم إزالتها من غابات الأمازون قد بلغت 13818 كم2 وهذا ما أوصل رقم التصحير الكلي خلال العقود الأربعة الأخيرة إلى 410421 كم2. وقد أدى تراجع مساحة الغابات في العالم إلى تناقص في كمية الهطول في المناطق المدارية وشبه المدارية. في حين أن مناطق أخرى من العالم : " شهدت تدهوراً في حجم الهطول المطري في الربع الأول من هذا القرن. وهذا التدهور كان نتيجة قصر فصل الرطوبة وانحسار موسم الأمطار، وبلغ تناقص الأمطار الموسمية بحدود 50% في الخط الممتد من شمال أفريقيا إلى شمال غرب الهند ".

ثانياً -أسباب التصحر :

1- سوء استغلال الموارد المائية :

 تهطل سنوياً مليارات الأمتار المكعبة من الأمطار على الرقع الغابية في العالم، بعضها يجري إلى الأنهار أو البحيرات السطحية وبعضها الأخر يتسرب نحو جوف الأرض ليستقر في الخزانات المائية الأرضية. ونتيجة التطور ( الحضاري ) والصناعي الذي حدث منذ القرن الثامن عشر وما أفرزه من نتائج ( سلبية ) على البيئة كان السبب في تلوث بعض من المياه السطحية والجوفية وبالتالي خروجها من حيز الاستخدام، وساهمت في موت أعداد كبيرة من الأشجار ( ونفوق الحيوانات ) بسبب المخلفات السامة التي تطرحها المصانع نحو المجاري المائية. فسوء استخدام الموارد المائية، ساهم في موت الغابات وبالتالي تكشفت مساحات واسعة من أرض الغابة وتعرضها للانجراف وبالتالي للتصحر.

2- سوء استغلال الغطاء النباتي بسبب :

q    الرعي الجائر في المراعي الطبيعية : إن سوء التخطيط وعدم مراعاة الشروط العلمية اللازمة بشأن المحافظة على الغطاء النباتي للمراعي، وبوجود عوامل أخرى منها موجات الجفاف المتلاحقة أدت إلى التركيز على مناطق محددة في الرعي لسنوات متتالية من دون مراعاة شروط النمو الطبيعي للمراعي مما أدى إلى تدهور كبير في بيئة المراعي. إن التخطيط السليم لإدارة شؤون المراعي، وتناوب عمليات الرعي يمنع من سيادة النباتات الرعوية الأقل مرتبة في سلم النباتات الرعوية، وزراعة النباتات الرعوية في البادية الأعلى مرتبة في سلم النباتات الرعوي والمحافظة عليها لعدة سنوات دون رعي سيؤدي إلى سيادة النباتات الرعوية الأعلى مرتبة. تلعب إدارة شؤون المراعي في البادية دوراً كبيراً في إعادة التوازن وبالتالي مكافحة التصحر. فالتصحر يهدد ( في الوقت الحاضر ) نحو أكثر من ثلث مساحة اليابس من العالم ( 480 مليون كم2 ) كما يهدد المتطلبات الغذائية لنحو 850 مليون نسمة. ويعتبر التصحر أحد العوامل الرئيسية التي أدت إلى فشل أفريقيا في المواءمة بين النمو السكاني وإنتاج الغذاء.

q    الاستثمار الجائر للغابات والتحطيب العشوائي : إذ نجد أن شركات استثمار الغابات في كندا أزالت " مساحة قدرها 2693 كم2 من غاباتها وهي مساحة تزيد على مساحة بعض البلدان الصغيرة الحجم. فسنوياً يتم قطع ما مساحته 1900 كم2 ولا يتم تحريج سوى مساحة 700 كم2 ونسبة نجاح هذه الغراس متفاوتة ولقد ألحقت الحرائق والحشرات الأضرار بمساحة تزيد على 3000 كم2 وبعض هذه الحرائق يعود لأسباب طبيعية ولكن معظمها متعمد. ومن هذه المساحات المذكورة هناك نحو 3100 كم2 سنوياً يستعيد نموه بشكل طبيعي، فتكون درجة تناقص مساحة الغابات سنوياً نحو 10000 كم2 وأن تدهور حالة الغابة بشكل عام أشد وقعاً، حيث بلغت مساحتها الكلية نحو 213000 كم2 ".

وساهمت شركات الأخشاب في العالم مساهمة سلبية في المحافظة على الغابات في العالم خاصة في إطار عملها في دول العالم النامي، فنجد في القارة الأفريقية وأبان العهد الاستعماري عملت تلك الشركات على القطع الجائر للغابات الأفريقية كما هو الحال في إثيوبيا. يضاف إلى ذلك، موجات الجفاف المتعاقبة. أما عمل تلك الشركات في بلدانها فيتأطر بقوانين سُنت للحفاظ على الغابات وإعادة تحريجها. وبخصوص التحطيب العشوائي في البلدان النامية، يمكن الإشارة إلى أنه ساهم مساهمة فعالة في تدهور الغابات خاصة أن سكانها يعانون من نقص وسائل الطاقة اللازمة لعملية التدفئة في الشتاء أو من ارتفاع كلفتها وبالتالي أصبحت الغابة وأخشابها المنقذ الوحيد لهؤلاء البائسين من برد الشتاء. كما وأن لحرائق الغابات تأثيراتها السلبية على البيئة كـ :

       ¨         تزايد غاز الـ CO2 في الجو.

       ¨         تقلص الغطاء الأخضر للأرض، يؤدي إلى خلل بكميات الأوكسجين اللازمة للكائنات الحية.

       ¨         يقلل من النظم البيئية على امتصاص الـ CO2.

       ¨         اختلال النظم البيئية، يؤدي إلى ارتفاع بدرجة حرارة الأرض.

3- تغيرات المناخ وموجات الجفاف المستمرة :

إن التغيرات المناخية التي طرأت على الكرة الأرضية خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين، كانت لها تأثيراتها ( السلبية ) على مجمل عناصر المناخ. سجلت المقاييس المناخية ارتفاعاً بدرجة حرارة الأرض يتراوح بين ( 1 - 1.5 ) درجة مئوية خلال المائة سنة الأخيرة من القرن الماضي، وبدأت تلك التأثيرات تترجم على صعيد الواقع. فنجد دولة مثل السويد تقع في الدائرة القطبية الشمالية، وتتصف بشتاء قاسٍ ( تتراوح درجة الحرارة بين [ 10- ( -32 ) ] درجة مئوية، ولكن في العشرين سنة الأخيرة اختلفت تلك المعدلات الحرارية، فلم يتجاوز في كانون الأول عام 2000 مثلاً  معدل درجات الحرارة في الشتاء عن [ 10-(-15 ) ] درجة مئوية في عموم السويد. تعتبر تلك التأثيرات الحرارية في السويد، ذات منحى إيجابي في بلد شتاؤه يستمر 9 أشهر من السنة، ولكن تلك التغيرات المناخية في البلدان الأفريقية والشرق الأوسط كان لها تأثيراتها السلبية بإرتفاع درجات الحرارة وبالتالي تزايد فترات الجفاف في المنطقة. 

4- ظاهرة العواصف الرملية :

نتيجة عملية انزياح الغطاء النباتي عن الأرض وهبوب الرياح بفعل انخفاض مستويات الضغوط في العالم، تحدث عملية حتَّ للتربة وتعمل الرياح على نقل حبيباتها من منطقة لأخرى. وبما أن أراضي الصحراء منكشفة من غطائها النباتي فمن السهولة نقل حبيبات الرمال بواسطة الرياح إلى مناطق أخرى أو قد تكون المناطق زراعية خالية من الغطاء النباتي مما يسبب مع الزمن حتَّ التربة السطحية للأرض الزراعية وبالتالي تصحرها مع الزمن وخروجها من حيز الإنتاج. ومن المظاهر المرصودة في العالم خاصة في المناطق القريبة من البادية والخالية من الأحزمة الحراجية، تدهور الأراضي الزراعية بفعل كساء طبقتها السطحية بالرمال أو بفعل عملية الحت التي تؤدي إلى نقل معظم تربتها السطحية إلى مناطق أخرى. ولم تقتصر تلك الأسباب على التصحر، وإنما على عوامل أخرى ساهمت بذلك، نذكر منها :

       ¨         التوسع بالأراضي الزراعية وعلى حساب المساحات الغابية.

       ¨         الاستثمار الجائر للغابات للاستفادة من أخشابها أو ثمارها.

       ¨         الحرائق التي تنشب بفعل الإنسان أو الطبيعة.

       ¨          التوسع في المناطق العمرانية على حساب الغابات.

       ¨          العواصف والرياح التي تسبب قلع الأشجار وتضرر الغابة.

       ¨         تعمل الحروب على إزالة الغطاء الحراجي لكشف ساحة العدو.

عقد في حزيران عام 1994 مؤتمر لمكافحة التصحر والجفاف في العالم تحت إشراف الأمم المتحدة،  للمصادقة على معاهدة دولية لمكافحة التصحر والجفاف. وقد صادق عليها نحو 162 بلداً وطالبت المعاهدة بـ :

1- " مشاركة السكان المحليين ( النساء؛ الشباب؛ مالكي الأراضي ) والمنظمات غير الحكومية في مكافحة التصحر وتخفيف آثار الجفاف.

2- المشاركة الفعلية للسكان المعنيين في الأراضي الجافة في القرارات التي تؤثر على حياتهم.

3- تطوير برامج مكافحة التصحر على المستويات الوطنية والإقليمية.

ووضعت الأمم المتحدة برنامجاً إنمائياً لتطبيق تلك المعاهدة الخاصة بمكافحة التصحر والجفاف تتركز على :

¨         دمج تنمية الأراضي الجافة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسات الزراعية الوطنية وتضمينها في أُطر التعاون الوطنية.

¨          بناء قدرات الكادرات الوطنية التنفيذية والنقاط البؤرية لتطوير برامج العمل الوطنية وتطبيقها.

¨          المساعدة على تطوير ستراتيجيات لتجنيد الموارد وتحديد آليات لتوجيه الموارد إلى المستويات المحلية.

¨          تعزيز دور منظمات المجتمع المدني في تطبيق المعاهدة.

ثالثاً - الأمطار الحمضية :

تتكون الأمطار الحمضية، نتيجة تفاعل بين غاز SO2 وذرة أوكسجين وبوجود عامل مساعد ( الأشعة فوق البنفسجية الصادرة عن الشمس ) يتحول غاز ثاني أوكسيد الكبريت إلى ثالث أوكسيد الكبريت ثم يتحد الأخير مع بخار الماء مكوناً حمض الكبريتيك. تعمل الأمطار الحمضية على الإضرار بالغابات بمناطق واسعة من أوربا الشمالية الشرقية وجزء كبير من شرق الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك ومناطق حراجية أخرى في أفريقيا إلى جنوب الصحراء وجزء من القارة الهندية وقسم من الصين. وتتكون الأمطار الحمضية بفعل تزايد انبعاثات أكاسيد الكبريت والنتروجين والهيدروجين الصادرة من مداخن المعامل وعوادم السيارات أو نتيجة بعض العوامل الطبيعية مثل الغازات الحمضية الناتجة من جوف البراكين أو من حرائق الغابات أو من تحلل بعض النباتات والحيوانات.. وغيرها.

تنتقل الأمطار الحمضية بواسطة الرياح عبر القارات وتعمل على إتلاف مساحات كبيرة من الغابات والأراضي الزراعية والبحيرات، وعبر دراسة أجرتها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية الدولية وجد أن معدلات انطلاق عناصر الكبريت من النرويج والسويد وبريطانيا والاتحاد السوفيتي السابق بلغ ( 210؛ 302 ؛ 636؛ 3210 ) ألف طن لعام 1988. وإن ما يتم تصديره من تلك الدول بفعل الرياح إلى الدول المجاورة يقدر بنحو ( 76؛ 69؛ 71؛ 61 ) ألف طن سنوياً، أما ما تستورده تلك الدول من عناصر الكبريت فتقدر بنحو ( 96؛ 89؛ 15؛ 38 ) ألف طن سنوياً. ومن المعطيات السابقة، نجد حجم الأضرار التي تسببها الأمطار الحمضية ليس فقط على الدول التي تنتجها وإنما على الدول المجاورة الذي أطلق عليه (( التلوث العابر  للحدود )).

 ولتبيان خطورة التلوث العابر للحدود، نورد ما جاء في إحدى الدراسات البيئية التي أجريت في الولايات المتحدة الأمريكية لقياس نسبة التلوث العابر للحدود حيث : أخذت عينات من جبل (( موسيلوكي )) ومن غابات (( هربارد بروك )) التجريبية وكلاهما يقع على بُعد 125 ميلاً غربي بوسطن. فوجدت كميات من مادة مبيد الحشرات D.D.T وكيماويات صناعية تدعى C.C.B وكلاهما حظر استعماله داخل الولايات المتحدة الأمريكية منذ السبعينيات. وتبين أن سبب ذلك، يعود إلى التلوث العابر للحدود. فتلك المادتان تستخدمان بكثرة في المكسيك وأمريكا الوسطى والهند وأوربا الشرقية، وبسبب حركة الكتل الهوائية العالية التي تنقل معها تلك الملوثات إلى مناطق مختلفة من العالم.

ونشرت إحدى الدراسات معطيات عن أسباب تضرر الغابات الصنوبرية في أوربا، حيث تبين أن نسبة تضرر أشجار الغابات الصنوبرية بلغت في كل من : هولندا 59% ؛ وألمانيا 53%؛ وسويسرا 52%؛ وتشيكوسلوفاكيا 49%؛ وفرنسا 38% وفي السويد 17% . وأن التلوث الصناعي هو السبب في موت الغابات.

أهم الآثار المترتبة على تساقط الأمطار الحمضية :

1- أثرها على مياه البحيرات والمحاصيل الزراعية، والتي تسبب ارتفاعاً بحموضة مياهها وبالتالي التأثير السلبي على الثروة السمكية والكائنات الحية الأخرى.

2- سقوط الأمطار الحمضية على الأراضي الزراعية، يعمل على غسل مركبات الكالسيوم في التربة وبالتالي أذابتها وتكوين كبريتات الكالسيوم التي تنساب بدورها نحو مجاري الأنهار والبحيرات. ولكبريتات الكالسيوم تأثيرات ضارة على الإنسان والكائنات الحية الأخرى.

3- تتسرب كبريتات الكالسيوم الناتجة عن تفاعلات الأمطار الحمضية مع التربة إلى المياه الجوفية وبالتالي تعمل على الإساءة لنوعية المياه.

4- تساهم مركبات الكبريت التي تحملها الأمطار الحمضية مساهمة كبير في الإضرار بالنموات الحديثة للصنوبريات في الغابات.

5- تأثيرها على المنشآت العمرانية، فقد بدأت مسلة (( كليوباترا )) في لندن بالتآكل وكذلك تاج محل في الهند.. وغيرها من المعالم الحضاري في العالم.

6- تسبب تآكل بعض القنوات والمجاري والمعدات المعدنية.

مما سبق، يمكننا الاستنتاج، بأن الأمطار الحمضية تلعب دوراً سلبياً في تلوث المياه العذبة في العالم سواءً منها في المجاري المائية أو البحيرات أو المياه الجوفية. وخطورتها لا تقتصر على الإنسان أو الحيوان وإنما تشمل سائر الكائنات الحية الأخرى، بالإضافة إلى تسببها في تآكل المنشآت العمرانية وتدمير الغابات وتحديداً الصنوبرية منها. وهناك طرق عديدة للحد من الأمطار الحمضية منها: الحد من نواتج الكبريت التي تتقيؤها مداخن المصانع، وذلك عبر تركيب مصافٍ خاصة على هذه المداخن تعمل على تنقية الغازات من أكاسيد الكبريت والنتروجين والهيدروجين؛ والحد من استخدامات الوقود الأحفوري ذي النواتج العضوية، كأن يستعاض عنه بالطاقة الكهربائية أو طاقة الرياح أو الطاقة النووية ( رغم تحفظنا على استخدامات الأخيرة نتيجة الكوارث التي قد تسببها ) أما العوامل الطبيعية التي تلعب دوراً في زيادة أكاسيد الكبريت والنتروجين في الجو فأن السيطرة عليها تبدو شبه مستحيلة خاصة إذا تعلق الأمر بالبراكين أو حرائق الغابات الطبيعية.

ثالثاً – تداعيات  ظاهرة التصحر على الوطن العربي :

يقع  الوطن العربي في النطاق المداري الحار، وأن معظم أراضيه تشغلها الصحاري ( 600 مليون هكتار ) أي بنسبة 43% من إجمالي مساحته الكلية ( مساحته 1394 مليون هكتار ). أما النسبة المتبقية 57% والبالغة ( 794 مليون هكتار )  فتحتوي فقط ( بحدود 200 مليون هكتار لغاية عام 2000 ) كمساحة صالحة للزراعة بما نسبته 14.3% من المساحة الإجمالية ( منها: 10.4 مليون هكتار أراضي مروية أي ما نسبته 22% ونسبة الأراضي الديمية تصل إلى 78% ). في حين، تبلغ المساحة المستغلة فعلياً بالزراعة 76 مليون هكتار أي 3.8% وهو ما يعادل 40.2% من الرقعة الصالحة للزراعة. وتحتل أعلى النسب منها : السودان بنسبة 16.5% والمغرب 15.5% والجزائر 13.4% والعراق 12% .

إن مشكلة التصحر، لا تقتصر على الوطن العربي وإنما تُعد من أهم المشاكل البيئية في العالم. وتبدو المشكلة أكثر ( خطورةً ) في الوطن العربي كون الصحراء تشكل 43% من إجمالي مساحته، بالإضافة إلى أن الأراضي المُستغَلة في الزراعة فعلياً لا تتجاوز 40.2% مساحتها الزراعية. وعليه، فإن الاهتمام المتزايد بهذه المشكلة ( في الآونة الأخيرة ) مرده التحذيرات المتزايد التي تطلقها المنظمات الإقليمية والدولية بشأن الزحف المتزايد للصحراء تجاه الأحزمة الخضراء. تعاني المنطقة العربية شكلين من أشكال التصحر هما: تملح الأراضي وهذه الظاهرة تؤشر بوضوح في كل من العراق والجزيرة السورية وبعض مناطق حوض النيل. ويمكن إيجاز أهم أسبابه بـ : أساليب الري التقليدية المعتمدة؛ والهدر بكميات المياه المستخدمة في الري؛ وعدم وجود شبكات صرف مناسبة لغسل الأملاح المتراكمة في التربة عبر السنين؛ وعدم وجود صيانة لشبكات الري الزراعية، مما يؤدي إلى فياض المياه على ضفتي النهر أو بُطء جريان المياه ويزيد من سرعة التبخر وبالتالي تراكم الأملاح في التربة؛ العوامل المناخية كإرتفاع درجات الحرارة التي تزيد من معدلات التبخر ( تصل خلال شهر تموز  إلى أكثر من 50 درجة مئوية ) في العراق؛ وعدم أتباع الدورة الزراعية الملائمة في الأراضي الزراعية، مما يزيد من تراكم الأملاح خاصة في الزراعات المتكررة لنباتات مجهدة للتربة.

 أما الشكل الثاني فيتعلق بالقطع ( أو التحطيب ) الجائر لأشجار الغابات، ويمكن أن يؤشر هذا الشكل في كل من سوريا والسودان ولبنان والعراق.. وغيرها. وهناك شكل أخر من التصحر تم رصده على ضفاف الأنهار الكبرى في الوطن العربي هو الحتَّ الميكانيكي، الذي ينتج عن اختلاف مناسيب المياه ( بشكل كبير ) في مجرى الأنهار. ويعود سببه إلى عدة عوامل منها : موجات الجفاف المتكررة على المنطقة وبالتالي انخفاض موارد المياه؛ إنشاء السدود لخزن المياه وبالتالي انخفاض كمية المياه عبر المجرى؛ والفيضانات المفاجئة التي تسبب انجراف الضفاف خاصة بعد فترات متعاقبة من الجفاف وانخفاض المنسوب.

بالإضافة إلى أشكال التصحر ومسبباتها، هناك عوامل أخرى منها : تدهور الغطاء النباتي؛ وتدهور التوازن البيئي؛ وقلة الوعي البيئي لدى السكان؛ والرعي الجائر في البادية. إن ظاهرة قلة الوعي الشعبي في المنطقة العربية بالبيئة بسبب عدم وجود برامج توعية بيئية تثقف العامة من الناس بأهمية الحفاظ على الغابات للحد من التصحر. والرعي الجائر يؤثر على الغطاء النباتي في البادية فتعمل الرياح على انجراف التربة، لذا يجب العمل على وضع خطة مدروسة لتنظيم الرعي في البادية وزراعة نباتات متعاقبة تحافظ على المراعي وبالتالي تعمل على تثبيت التربة.

تلك المسببات لظاهرة التصحر، لها نتائج سلبية على الأرض والسكان نوجزها بالنقاط التالية : تدهور خصوبة التربة؛ الهجرات السكانية من الريف؛ انخفاض موارد المياه الجوفية؛ تدهور عناصر التوازن البيئي. تتدهور خصوبة التربة بسبب ظاهرة انجراف التربة، والهجرات السكانية من الريف ستتبعها بالضرورة ترك الأرض وبالتالي تعرضها للتملح. لقد طُرحت معالجات عديدة لظاهرة التصحر التي اجتاحت الوطن العربي في العقود الأخيرة من القرن العشرين والتي ما زالت ماثلة لحد الآن. تلك المعالجات جاءت إما على شكل توصيات من المؤتمرات والمنتديات البيئية في العالم، وإما على شكل مقترحات عامة لمواجهة مشكلة التصحر في العالم. نورد بعضاً من أهم المقترحات لمكافحة التصحر في الوطن العربي :

1- " وضع خطة استثمارية بعيدة المدى للموارد الطبيعية وأهمها الموارد المائية والأراضي والغابات والمراعي والثروة الحيوانية.

2- سن القوانين والتشريعات الريفية للحفاظ على الموارد الطبيعية والسهر على حُسن تطبيقها.

3- إيجاد الحلول البديلة والعملية للتحطيب الجائر.

4- توعية المزارعين ومربي المواشي وسكان الأرياف للحد من سوء استعمال المراعي الطبيعية للحفاظ عليها.

5- تشجيع العمل الجماعي الريفي وإقامة التعاونيات الزراعية.

6- تنشيط العمل العربي المشترك والتكامل الزراعي بين الدول العربية.

بالإضافة إلى تلك النقاط السالفة، فأن فكرة إنشاء مركز علمي ورصدي لتبادل المعلومات مع الدول العربية والتعاون مع المعاهد والمراكز المماثلة في العالم للحد من هذه الظاهرة التي بدأت تستفحل وعلى حساب الأراضي الصالحة للزراعة مما له أثر بشكل مباشر على الأمن الغذائي للمواطن العربي. مع التأكيد على ضرورة، العمل والتعاون العربي بشأن إعادة تحريج الغابات والأراضي التي أصابها التدهور النباتي ومن ثم القضاء على مشكلة التصحر مستقبلاً. كما يجب إيلاء الاهتمام لإعادة العمل بالحزام الأخضر الذي بوشر به العمل في بداية السبعينيات من القرن المنصرم في الوطن العربي لتثبيت التربة وإيقاف زحف الرمال، لكن ( للأسف ) هذا المشروع الحيوي تم إهماله وعدم استكمال خططه التي وضعت لإيقاف الزحف الصحراوي.

ملاحظة : للمزيد من المعلومات والاطلاع على المصادر راجع كتابنا ( المتغيرات المناخية العالمية وتأثيرها على المياه العذبة )

الباحث والخبير بشؤون المياه في الشرق الأوسط

صاحب الربيعي

 الموقع الشخصي للكاتب : http://www.watersexpert.se/