الإدارة اللا مركزية لمؤسسات المياه المناطقية

 

واجهت الإدارات المركزية للمياه جملة من المعوقات بسبب الاجراءات الروتينية والبيروقراطية الصارمة التي حجمت المبادرات على المستوى المناطقي، ومع الزمن أدى لتراكم المشاكل وفشل الحلول الفوقية غير المنسجمة مع الواقع وتعطلت القدرات المحلية عن وضع الحلول المناسبة والآنية للتخلص من المشاكل القائمة.

إن اللا مركزية في إدارة الموارد المائية تعتبر من أهم تدابير الإصلاح في القطاع المائي خاصة أنها تسعى لإعادة بناء الهياكل والمراكز الوظيفية للمؤسسات القائمة، وتجري تعديلات على آليات عملها وتشرك عناصر جديدة في صناعة القرار المائي. تعني الإدارة اللا مركزية للموارد المائية مناقلة للصلاحيات بين المركز والأطراف لتخفيف العبء عن المركز وإشراك الأطراف في اتخاذ القرار، وبذلك تتحمل المؤسسات المناطقية مهاماً إضافية كـ :

1 – " التنسيق والتعاون بين الإدارات الحكومية المختلفة ومؤسسات المجتمع المدني.

2 – تحديد المستويات الأنسب لإتخاذ أفضل القرارات.

3 – تطوير منهجيات وأساليب عمل جديدة تفيد خبراء المياه لوضع خطط مستقبلية لتنمية مصادر المياه بالتعاون مع مستخدمي المياه المحليين.

4 – تمكين المنظمات على مستوى المنطقة ( المحافظة ) والمجتمع المحلي من تولي مسؤوليات أكبر في إدارة مصادر المياه المحلية.

5 – اعتماد مبدأ الالتزام والمساءلة على المستوى المحلي لإدارة مصادر المياه لتحقيق المنافع العامة.

6 – التحكم المشترك بالموارد المائية يضمن حقوق الجميع في الحصول على الماء.

7 – الإدارة المتكاملة للموارد المائية تعمل على تقاسم مسؤوليات الدوائر الحكومية مع مستخدمي المياه من الجماعات المحلية.

8 – سلطات مناطقية تنفيذية ذات صلاحيات حصرية.

9 – مهامها الإدارية الأساس توزيع المياه، صيانة الحقوق، واستحصال رسوم المياه.

10 – تعد هيئات استشارية للهيئة العليا للمياه على المستوى الوطني.

11 – توفير امدادت مائية كافية ونظيفة للمستهلك.

12 – المراقبة والإشراف على كفاءة الخدمة ونوعية ماء الشرب للمستهلك.

13 – التقييد والعمل على رفع مستوى الكفاءة لإدارة الموارد المائية بعيداً عن التدخلات السياسية، إسناد مراقبة الأداء والتنظيم والتخطيط بهيئة عليا ذات كفاءة عالية ومستقلة، ضرورة الالتزام بمراعاة حقوق سكان أسفل النهر النهر للحصول على حصص عادلة ومنصفة وخالية من التلوث، ايجاد آليات تعاون وتنسيق مع كافة الجهات ذات الصلة لتأمين متطلبات المستهلك من المياه، اتخاذ إجراءات لدمج البلديات الصغيرة أو الوحدات الخدمية للمياه للتقليل من النفقات المالية على الوحدة المائية وتحقيق الجدوى الاقتصادية للخدمات المائية، وضرورة ايجاد نوع من التوازن بين حصص المياه المقررة والتوسع في الأراضي الزراعية ومتطلبات التنمية والمجتمع من المياه تلافياً للتجاوز على الحصص المائية ". 

إن فك الارتباطات الصارمة مع المركز لصالح اللا مركزية تتطلب إدخال إصلاحات على النظام الإداري وإعداد الكادر للنهوض بالمهام المركزية خاصة أن المهام الجديدة المناطة بالمؤسسات المناطقية ذات تخصصات متباينة لإختلاف موقعها الجغرافي ضمن الحوض المائي، وبالتالي إختلاف المهام وطبيعة المشاكل ونوعية وكفاءة الكادر. وينطبق الأمر كذلك على مهام المؤسسة المائية، فقد تكون مهامها مقتصرة على الحدود الإدارية لمنطقة الحوض المائي وقد تتوسع مهامها لتشمل كامل مساحة الحوض المائي ( السطحي أو الجوفي ) على المستوى الوطني أو الإقليمي، لذلك وضعت نماذج متعددة للنظام اللا مركزي في إدارة المياه لكل منها مهام وصلاحيات ومسؤوليات محددة كـ :

1 –  " النموذج الهيدرولوجي : تتولى منظمة مشتركة مسؤولية الإدارة الكاملة للنهر الدولي، تضطلع بمهام استدامة مصادر المياه وتنبثق عنها لجان متعددة التخصصات على مستوى مناطق الحوض المائي الأخرى.

2 – النموذج الإداري : تكون الإدارة المائية من مسؤوليات منظمة محددة غير مقيدة بالحدود الهيدرولوجية.

3 – نموذج التنظيم والتنسيق : تنسيق النشاطات التخطيطية والإدارية لتوحيد الجهود والأهداف، ويتسم هذا النموذج بعدم حاجته لتغيير مؤسسي كبير في المؤسسات القائمة لكنه يحجب المراكز الوظيفية المماثلة لضغط النفقات المالية مما يهدد مصالح أصحاب النفوذ فيسعون لإضعاف النموذج حفاظاً على مراكزهم. وقد تواجه الآليات التنسيقية مشاكل في تنفيذ القرارات لأنها تعتمد على مؤسسات قائمة في مواقع العمل، لذلك يتطلب دعم العلاقات بين المؤسسات القائمة والمستحدثة لتحسين أدائها خاصة في الحالات التي تقوم مؤسسات حكومية بفرض وصايتها على المعينين من مجالس الإدارة واللجان المناطقية لمنظمات المجتمع المدني ". 

إن التطبيقات العملية للنماذج السابقة الذكر للإدارة اللا مركزية للموارد المائية على مستوى العالم أفرزت نماذج جديدة لتجارب محلية ناجحة طالها التحديث والتطوير على مدى عقود زمنية عديدة، مما أدى للاستفادة من منهجية وهيكلية عملها الإداري في تحديث النماذج العامة على مستوى العالم خاصة أن اللا مركزية في إدارة الموارد المائية مازالت في طور التجربة والتدقيق والمراجعة في معظم دول العالم النامي. إن النموذج الفرنسي في الإدارة اللا مركزية للموارد المائية جدير في البحث والإطلاع على عناصره ومهامه التي تتلخص بـ :  

أ – " اللجان الأساسية للمنظمة المناطقية : لجنة الضمير مسؤولة عن جمع وتدقيق البيانات عن الموارد المائية في منطقة الحوض، تسهيل التعاون والحوار مع المساهمين، وإعداد الخطط وتقديم المقترحات للتنمية والاستثمار لمدة 5 سنوات. ولجنة المنبر : تضمن حقوق المشاركة للمساهمين في مناقشة وصناعة القرار المائي بإعتبارهم ( برلمان مائي مؤلف من 60 عضواً ) لحوض النهر، الحق في تعديل الخطط والبرامج والإشراف على تصديقها، التصديق على ميزانية منظمة حوض النهر وبمشاركة ورقابة مركزية، إطلاع البرلمان الوطني على نشاطات منظمة حوض النهر لتكون منسجمة مع السياسات على الصعيد الوطني.

 ولجنة الميزانية : الحصول على دعم وتمويل المشاريع الضرورية والاستثمارات في البنية التحتية ذات الصلة بالماء، رفد الميزانية بالموارد المالية من استحصال تكاليف المياه من المستهلكين ورسوم التخلص من مخلفاتها السائلة في المجاري العامة. ومن صلاحيتها توزيع السلف والمنح المالية للمدن والمصانع أو الأفراد المستعدين للاستثمار في قطاع المياه لتحقيق أهداف الإدارة المتكاملة للموارد المائية لمنطقة الحوض.

ب – المهام الأساسية للمنظمة المناطقية :

1 – توزيع الماء بشكل عادل والإشراف على التخلص من الفضلات السائلة.

2 – استرداد التكلفة الحقيقية للماء من المستهلكين.

3 – الالتزام بالضوابط العامة لمنح تراخيص استخدام المياه.

4 – تقييم وتنمية الموارد المائية.

5 – فض النزاعات بين مستخدمي المياه.

6 – التخطيط والتعاون بشأن التوسع بالأراضي الزراعية.

7 – وجوب خضوع البلديات والمنظمات ذات الصلة للمقاييس والتشريعات المائية.

8 – التقييد بالحصص المائية المقررة من المركز إلى الولايات والأقاليم والمناطق والأقضية والبلديات ".  

   إن التجارب الناجحة على مستوى بعض الدول المتحضرة في الإدارة اللا مركزية للموارد المائية، لا يمكن تعميمها على الدول المتخلفة التي تفتقد لأبسط البنى التحتية للإدارة المائية. بالإضافة لجملة من المعوقات الاجتماعية والسياسية التي تحول دون نجاح الإدارة اللا مركزية للموارد المائية، مما يتطلب تشخيصاً دقيقاً للمعوقات ليصار لحلها قبل الشروع بالتطبيقات العملية للإدارة اللا مركزية للموارد المائية. ويمكن إيجاز أهم المعوقات للإدارة اللا مركزية للموارد المائية في الدول المتخلفة بـ :  

1 –  " لا يوجد نموذج موحد يصلح لكافة المجتمعات، مما يتطلب تطوير منهجيات النماذج لتراعي الخصائص الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لكل بيئة محلية. ولا يجوز إدخال نماذج مستوردة من خارج البلدة والمنطقة، كما لا يجوز تـنفيذ إصـلاحات فورية ( شاملة ومتكاملة ) دون مراعاة الجانب العملي لضمان عدم فشلها.

2 – عدم وجود التمويل المالي اللازم لإدارة ذاتية مما يتطلب تشجيع الاستثمار في الخدمات المائية وتقديم الحوافز لضمان الأرباح المعقولة للمستثمر.

3 – تطوير القدرات يتطلب فترة زمنية طويلة لتدريب الأفراد والمؤسسات لتحسين الأداء في الإدارة الفعالة عبر إكتساب مهارات جديدة.

4 – ضعف آليات الحوار بين الجهات ذات الصلة وعلى كافة المستويات، لضمان مشاركة ممثلي الفئات المهمشة من النساء والمجموعات الفقيرة في صناعة القرار المائي.

5 – ضعف التمثيل الفعال للفئات المهمشة في الإدارة المائية.

6 – ضعف التكامل والمشاركة لكافة المعنيين بالإدارة المائية يولد حالة من تغييب الآراء والمقترحات بالمشاريع المائية المقترحة والتخطيط المائي. ويحتاج التكامل لقيادة سياسية ومسؤولية قوية تتحملها المؤسسات من مختلف المستويات عند تخطيط وتنفيذ المشاريع والبرامج شرط تحقيق مصالح مستخدمي المياه.

7 – ضعف الإرادة التكيفية مع المنهجيات والنماذج الحديثة والميل نحو اتباع المسارات التقليدية مما يضعف المعالجات المقترحة في تعديل القرارات الخاطئة.

8 – ضعف التخطيط البعيد المدى لتطوير الموارد المائية والحفاظ على النظم الإيكولوجية ووضع برامج لدرأ الأخطار المحتملة للتغيرات المناخية على مستوى الأحواض المائية.

9 – ضعف التمويل المالي لتحديث أجهزة الرصد والمراقبة لجمع البيانات والمعلومات عن الموارد المائية المتاحة مما يؤثر سلباً على دقة النتائج المتوخاة ". 

ولا بد من الإشارة إلى أن الإدارة اللا مركزية للموارد المائية ( السطحية تحديداً ) أثبتت نجاعتها في بعض دول العالم، وفشل ذات النهج اللا مركزي في إدارة الخزانات الجوفية لأن معظمها يتجاوز الحدود الإدارية للمقاطعة أو الولاية الواحدة، وقد يشمل عدداً من المقاطعات والولايات لذلك يتطلب إدارة مركزية على كامل الحوض الجوفي لضمان الاستخدام الآمن للمياه ومنع التلوث.

عليه عند البحث في الإدارة المتكاملة للخزانات الجوفية على المستوى الوطني، يتوجب مراعاة : عدم الاعتراف بالحدود الإدارية للولاية أو الإقليم كأساس للإدارة اللا مركزية للمياه، خضوع كامل الحوض الجوفي لإدارة موحدة ومشتركة وبتعاون وتنسيق من المؤسسات المناطقية، لا يجوز إنفراد أية مؤسسة مائية مناطقية بإتخاذ قرارات منفردة، وأخيراً لا يجوز لأية مؤسسة مناطقية التخطيط المنفرد للمشاريع المائية المختلفة دون التشاور مع قرينتها لتحديد جدواها الاقتصادية وحجم النفع العام.     

 

ملاحظة : للمزيد من المعلومات والاطلاع على المصادر راجع كتابنا ( الإدارة المتكاملة للموارد المائية ) قيد الطبع ويعد الكتاب رقم 19 عن المياه في الشرق الأوسط.

الباحث والخبير بشؤون المياه في الشرق الأوسط

صاحب الربيعي

 الموقع الشخصي للكاتب : http://www.watersexpert.se/