مشروع تحويل مياه نهر الكونغو عبر مجرى نهر النيل إلى مصر

 

يعتبر نهر النيل أطول الأنهار في العالم، يبلغ طوله 6694 كم، يقطع عشرة دول أفريقيا ويعد الشريان المياه الرئيس لنحو 220 مليون نسمة. إن أكثر الدول الأفريقية استثماراً لمياه نهر النيل هما السودان ومصر وتبلغ حصتهما المائية ( 19 و 55 ) مليار م3 سنويا على التوالي، وتعاني مصر عجزاً مائياً نتيجة التزايد السكاني والتوسع في المساحات الزراعية وسترتفع متطلباتها المائية لتصل نحو 103.25 مليار م3 سنويا عام 2025، وبما أن موارد نهر النيل ثابتة ، وأن مخاطر إقدام بعض دول الحوض على إقامة منشاءات مائية خاصة إثيوبيا التي تنبع من أراضيها 84% من مياه نهر النيل، ستختل الموازنة المائية لكل من السودان ومصر. وهذا يعني مساساً بجريان نهر النيل الذي سيحتم على المؤسسة العسكرية المصرية التدخل على حد تعبير" أبو غزالة " وزير الدفاع المصري الأسبق.

لذلك البحث عن مصادر مياه أخرى أصبح من أولويات السودان ومصر فعلى المستوى الداخلي يجب: إعادة استخدام مياه الصرف الصحي بعد المعالجة الأولية؛ واستثمار المياه الجوفية البالغة 3422 مليون م3 وتحلية المياه المالحة لكنها ليست كافية على المدى البعيد بسبب محدوديتها. أما على المستوى الخارجي: توجهت الأنظار نحو مياه نهر الكونغو، وجرى دراسة إمكان نقل مياه نهر الكونغو عبر نهر النيل إلى السودان ومنه إلى مصر.

هيدروجيا نهر الكونغو:

يعدّ ثاني أكبر الأنهار في أفريقيا بعد نهر النيل، وذو غزارة أكبر، ويبلغ طوله 4700 كم ( مساحة حوضه 3.457 مليون كم2 ) ويتشكل من التقاء نهري " لوالايا " منابعه قرب منابع الزميبري، و " لوابولا " ويشكل الأخير امتداداً " لنهر شامبيزي " بعد أختراقه منطقة المستنقعات جنوبي " بحيرة مويرو " في زامبيا الذي يعدّ خط الحدود بين زامبيا وزائير. ينبع نهر " لوالابا "من جنوب شرقي زائير ويتجه صوب الشمال ليلتقي بنهر " لوابولا " ومن نقطة التقاءهما وحتى شلالات ستانلي " شلالات بويوما " يعرف بنهر الكونغو ثم ينحرف نحو الشمال الغربي ليلتقي روافد عديدة منها: " أروديمى " و " لندى وإتمبيري " من الشمال و " لومامي " من الجنوب، ويجري نحو الجنوب الغربي يلتقي برافده " مونجالا " من الشمال وعند انحراف مجراه نحو الجنوب يصب فيه رافدان كبيران هما " البوميو " و " أوبنجي " ومن الأخير ولمسافة 320 كم يصب في المحيط الأطلسي ( يغطي طمي النهر مساحة 100 ميل من مياه المحيط ) حيث يشكل الحدود السياسية بين دولتي زائير والكونغو ليلتقي برافده " كاساي " من جهة الشرق. لا يستثمر مياه نهر الكونغو سوى بنسبة 20% من قبل الدولتين ونسبة 80% من المياه تذهب هباءً إلى مياه المحيط الأطلسي [1].

يتصف المصب الخليجي لنهر لكونغو بالاتساع والعمق، إذ يبلغ عرضه أكثر من 11 كم بين نقطة " بانانا " في الشمال ونقطة " شاركس " في الجنوب وعمق مياهه تزيد على 61 م ما يسمح للسفن الكبيرة التوغل داخل النهر حتى ميناء " متاوي ".

فكرة تحويل مياه نهر الكونغو:

تقع منابع النيل الأبيض بالقرب من روافد " بحر العرب " جنوبي السودان وتفصلهما مسافة 50 كم عن رافدي نهر الكونغو " الاوبنجي " و " البوميو " ويمكن شق عدد من القنوات المائية لرفع منسوب روافد نهر الكونغو لتصب في مجرى روافد بحر العرب ومنها تصب في مجرى نهر النيل الرئيس جنوبي السودان حتى مصبه في دلتا مصر على البحر المتوسط خلاله تحصل مصر على 50 مليار م3 سنويا من المياه الفائضة التي تهدر في المحيط الأطلسي ما يزيد مساحة أراضيها الزراعية نحو 5 ملايين فدان ويمكن أن تستفيد ليبيا من مياه نهر الكونغو في حال شق قناة ثانية من غرب السودان بإتجاه الشمال وإلى جنوبي الصحراء المصرية إلى جنوبي غرب الحدود الليبية وبذلك تستفيد منه ثلاثة دول عربية، وتوجد إمكانية أخرى لإقامة سد على " بحيرة موبوتو " لرفع منسوب المياه فيها لزيادة حصة أوغندة والسودان ومصر [2].

وفي حال جرى تنفيذ الإجراءات السابقة فإن فكرة إحياء مشروع نقل المياه إلى السعودية من السودان بأنابيب عبر البحر الأحمر ستكون واردة لوفرة المياه وعدم اعتراض دول الحوض الأخرى على هذا الإجراء كونه يدخل ضمن السيادة السودانية ولا يؤثر على حصص المياه لدول الحوض.

مشروع محطات الطاقة الكهربائية:

في حال تنفيذ مشروع نقل مياه نهر الكونغو إلى مجرى نهر النيل، يمكن أن يتبعه تنفيذ مشروع استثمار مساقط " شلالات ستانلي فيل وليفنجستون " على نهر الكونغو لتوليد الطاقة الكهرومائية المقدرة نحو 50 ألف ميغا وات وهي تساوي عشرات أضعاف الطاقة المنتجة من السد العالي ليجري ربط شبكات الكهرباء في كل من زائير، والكونغو، وأوغندا، والسودان، ومصر وفي مرحلة لاحقة بقية الدول الأفريقية ومن مصر المشتركة بمشروع شبكات الكهرباء، الشرق أوسطي، الذي تعرقل تنفيذ مراحله النهائية مع كل من الأردن؛ وسوريا؛ ولبنان؛ والعراق وتركيا، منشآت الطاقة في مشروع ال GAP " ومن الأخيرة سيربط بالشبكة الكهربائية الأوربية [3].

إمكانات تنفيذ مشروع نقل مياه نهر الكونغو إلى مجرى نهر النيل:

يتطلب تنفيذ المشروع موافقة كل من الكونغو وزائير باعتبارهما دول حوض نهر الكونغو الذي تنطبق عليه مواصفات النهر الدولي كونه يقطع حدود أكثر من دولة، للحصول على قرض مالي لتنفيذ المشروع من المنظمات الدولية يجب موافقة دول الحوض.

من الناحية النظرية فكرة المشروع قابلة للتنفيذ بتكاليف ليست باهضة خاصة أن طول القناة الراد حفرها لا تتجاوز 50 كم وسيحقق المشروع فوائد كبيرة لجميع الدول المشاركة، مياه وكهرباء، خاصة الكونغو وزائير من خلال بيعهما المياه المهدرة إلى المحيط وكذلك الطاقة الكهرومائية. فضلاً على تدني خطورة بناء أثيوبيا، بمساعدة إسرائيل، السدود على نهر النيل الأزرق ما يخفض حصة السودان ومصر من مياه نهر النيل حال حصول مصر على مياه من نهر الكونغو تزيد على حصتها من مياه نهر النيل.

تساؤلات مشروعة:

إذا تمكنت مصر من إقناع كل من الكونغو وزائير بتنفيذ فكرة المشروع. يبقى السؤال المطروح منذ عام 1903 عن عزم إسرائيل الحصول على المياه من نهر النيل خاصة بعد أن جرى تنفيذ مشروع قناة نقل مياه نهر النيل تحت قناة السويس إلى شبه جزيرة سيناء الذي بدأ العمل به في 27/ 10/ 1979 وتم افتتاحه عام 2000 وحينه رفضت مصر مطالبة إسرائيل الاستفادة من مياه النيل بحجة أنها تعاني عجزاً مائياً فإن حصلت مصر على مياه مضاعفة من نهر الكونغو هل ستلتزم إسرائيل الصمت؟ أم أن تنفيذ المشروع سيكون مشروطاً بمد إسرائيل بالمياه من نهر النيل عبر سيناء؟!.

التأثيرات البيئية المحتملة لتحويل مجرى نهر الكونغو:

يتطلب المشروع دراسة بيئية مستفيضة لبيان :

      تأثير انخفاض تدفق مياه نهر الكونغو باتجاه المحيط الأطلسي على الأحياء البحرية.

ارتفاع نسب التبخر المائي في المنطقة نتيجة تغيير مجرى نهر الكونغو واتجاهه خاصة عند مروره في جنوبي السودان" منطقة السدود " وتأثيره على البيئة المحلية.

      نوعية المياه في كلا النهرين وتأثيرها على الحياة النهرية.

زيادة كميات الغرين في مياه نهر النيل على نحو مضاعف، في حال تنفيذ المشروع، وتأثيره على طاقة السدود التخزينية في السودان ومصر مستقبلا.

تأثير الفيضانات العالية على غرق الأراضي الزراعية حال كانت فوائض المياه تزيد على طاقة تخرين سدود نهر النيل وتحكمها.

 

للمزيد راجع كتابنا " صراع المياه وأزمة الحقوق بين دول حوض النيل " دار الحصاد، دمشق 2001.

 

الباحث والخبير بشؤون المياه في الشرق الأوسط

صاحب الربيعي

الموقع الشخصي للكاتب : http://www.watersexpert.se/

 

 



[1] زائير ( مساحتها 2.3 مليون كم2 وعدد نفوسها 36 مليون نسمة ) وجمهورية الكونغو ( مساحتها 432 ألف كم2 وعددنفوسها 3.5 مليون نسمة) ويبلغ تصريف نهر الكونغو 41 ألف م3/ ثا قياساً بتصريف نهر النيل الذي لم يتجاوز 3 آلاف م3 / ثا.

[2] يعتقد أن نهر النيل كان يجري في جنوب غربي ليبيا، وقد وجد بقايا أودية للنهر. حسب تصور هيرودوت: غير" مينا " مجرى النيل جنوب منف بنحو 20 كم، فقد كان النيل يجري قبل ذلك قرب الصحراء الغربية اللبيبة، فأغلق " مينا " ذلك المجرى وجعله يسير في الوسط بين الصحراوين. اقتباس من جمال حمدان - مصدر سابق، مجلد أول ص 186.

[3] هناك مشروع زائيري- مصري لربط شبكة الكهرباء بين سد أنجا والسد العالي عبر أفريقيا الوسطى والسودان ومن ثم ربط شبكة كهرباء جنوب أفريقيا بسد أنجا والمشاريع الإثيوبية على نهر النيل الأزرق لإنتاج الكهرباء.