القدرات المهنية والتقنية

 في مؤسسات المياه

 

لايمكن رسم سياسة مائية ناجحة على المستوى الوطني دون إعداد البرامج والخطط الآنية والمستقبلية لتنمية وإدارة الموارد المائية التي تتطلب بالدرجة الأولى بيانات ومعطيات مائية دقيقة، مستقاة من أرض الواقع عبر أجهزة رصد حديثة وبرامج وتقنيات متطورة قادرة على تحليلها وتوظيفها بصورة علمية في إعداد البرامج والخطط التنموية المختلفة. ويتطلب ذلك تضافر جهود الكادر المهني وقدرته على التعاطي مع التقنيات الحديثة بصورة صحية، بالإضافة إلى وجود أُطر مؤسسية متعددة مهمتها الأساس توظيف البيانات والمعطيات المائية وخبرات وقدرات الكادر المهني، على أن يترافق ذلك مع وجوب تنسيق وتعاون مع كافة مؤسسات الدولة ذات الصلة، ووجود قرار سياسي يولي الاهتمام الكافي بقطاع المياه ويمنحه مخصصات مالية سخية للنهوض بالواقع المائي على المستوى الوطني. وللبحث في الأُطر المؤسسية اللازمة للنهوض بالواقع المائي، نطرق المحاور أدناه.

أولاً- بناء القدرات الفنية والمهنية :

تستند مؤسسات المياه الحديثة على آليات وتقنيات عمل حديثة قادرة على توظيف الإمكانات المتاحة والمستحدثة في إعداد البرامج والخطط التنموية. ولا ينحصر هذا التوظيف على الطاقة الذاتية للكادر المهني وإنما على مزاوجتها مع التقنيات الحديثة المستخدمة للحصول على البيانات والمعطيات الدقيقة عن الواقع المائي وإخضاعها للتحليل العلمي عبر برامج متطورة تبحث في أدق التفاصيل لطرح الحلول الممكنة، لاعتمادها في بناء السياسة المائية الآنية والبعيدة المدى على المستوى الوطني.

عليه فإن بناء مؤسسات المياه الحديثة مهنيا يستند لمبدأين : المبدأ الأول اعتماد كافة الوسائل والتقنيات الحديثة في استقراء الواقع المائي، والمبدأ الثاني إعداد الكادر المهني الكفوء القادر على التعامل مع الوسائل والتقنيات الحديثة لمزاوجتها مع قدراته الذاتية لاستخلاص البيانات والمعطيات الدقيقة من الواقع وتوظيفها. إن التوظيف المهني للمبدأين السابقين لبناء مؤسسات مياه حديثة، يتطلب سياسة متكاملة من التنسيق والتعاون مع جهات ومؤسسات متعددة في الدولة، لأن مؤسسات المياه تحديداً ثنائية التخصص ( إنتاجية وخدمية ) ولا يقتصر عملها على تحقيق المهام والأهداف للمؤسسة ذاتها، وإنما تسهم بحجم خدماتها في نجاح أو فشل المؤسسات الآخرى التي تعتمد مشاريعها بصورة أساسية على حصص المياه المحددة لها.

تفرض المهام الكبيرة الملقاة على عاتق مؤسسات المياه إتباع سُبل التعاون والتنسيق مع المؤسسات الآخرى في الدولة لتوظيف قدراتها في دعم البرامج والخطط التنموية للإدارة المائية المتكاملة على المستوى الوطني. وليس بمقدور أية مؤسسة مائية، إنجاز مهامها المتعددة بالاعتماد على قدراتها الذاتية ( المهنية والمالية ) فقط.

إن حجم المهام الموكلة لمؤسسة المياه بقدر ما هي مسؤولية ذاتية، فإنها عمل تعاوني وتنسيقي مع مؤسسات الدولة والمجتمع ( الزراعة، التعليم، الصحة، الخارجية، البيئة، العدل، الإعلام، منظمات المجتمع المدني، ومنظمات مستخدمي المياه... ) ويمكن تلخيص المهام الرئيسية وأوجه التنسيق والتعاون لمؤسسة المياه بـ :

1- " خلق مناخ عمل كفء، تدعمه سياسة ملائمة وأطر عمل قانونية.

2- مؤسسات قوية ومتطورة تدعمها المشاركة المجتمعية.

3- تنمية الموارد البشرية وتعزيز الأنظمة الإدارية واستقطاب اهتمامات مستخدمي المياه.

4- نشر الوعي المائي في كافة الأوساط الاجتماعية ".

5- التنسيق مع المؤسسات التعليمية والجامعات والتعليم العالي لفتح فروع ومعاهد متخصصة في الجانب المائي لرفد مؤسسات المياه بالكادر اللازم.

6- رفع كفاءة العاملين من خلال إقامة ورشات عمل ودورات مهنية تعرف بالأساليب والتقنيات الحديثة ومناهج التحديث والبحوث المائية.

7- التنسيق مع مؤسسات الزراعة لتداخل مهامها وتخصصاتها مع مؤسسات المياه خاصة في مجالات ( الهيدرولوجيا، الهيدروجيولوجيا، البيئة، الإحصاء، التحاليل البيولوجية، ومراكز البحوث الزراعية ).

8- تشجيع البحوث المائية ورصد الموازنة المالية اللازمة لتغطية نفقات البحوث والتجارب لتطوير تقنيات المياه.

9- التنسيق والتعاون مع المنظمات الدولية ذات الصلة للاستفادة من خبراتها في مجالات التحديث وإعداد البرامج والخطط التنموية على المستوى الوطني.

تعتمد معظم اقتصاديات دول العالم النامي على الزراعة والنسبة العظمى من سكانها تمتهن العمل الزراعي الذي يستند نجاحه بالدرجة الأولى على توفر المياه واعتماد سياسة مائية ناجحة، وما الفقر والجوع الذي يجتاح معظم الشرائح الممتهنة للعمل الزراعي إلا بسبب السياسات الزراعية والمائية الفاشلة التي اعتمدت لعقود من الزمن وعدم إيلاءها الاهتمام الكافي وتخصيص المبالغ المالية اللازمة للنهوض بها. وقد فشلت معظم برامج المساعدات المالية والتقنية التي قدمتها المنظمات الدولية ذات الصلة في إيجاد الحلول اللازمة للأزمات المستعصية التي تعاني منها مؤسسات المياه في دول العالم النامي، مما دفعها لوضع اشتراطات مسبقة على حكوماتها لرفد مؤسساتها المائية والزراعية بالمساعدات المالية والتقنية. تتطلب المهام الرئيسية وأوجه التنسيق والتعاون لمؤسسات المياه السابقة الذكر عوامل مساعدة أخرى لاتقل أهمية عنها، وهي بمثابة حلقة الوصل وآلية التفعيل للمهام الرئيسية، من أهمها :

1- " إيلاء الأولوية لقطاع المياه.

2- وجود سياسة حكومية ملتزمة بقطاع المياه على المستوى الوطني.

3- وجود قوانين وتشريعات مائية، وجهة رقابية لتنفيذها.

4- وجوب مشاركة منظمات المجتمع المدني في السياسة المائية.

5- توفر الفرص الوظيفية، ورصد المكافئات المالية لتشجيع المنافسة بين العاملين.

6- وجود دعم مالي وفني من الوكالات الدولية ذات الصلة بشؤون المياه ".

يتطلب تفعيل العوامل الرئيسية والثانوية للنهوض بواقع المؤسسات المائية بالدرجة الأولى موازنة مالية ( سخية ) قادرة على تغطية النفقات اللازمة لشراء الأجهزة والتقنيات المائية الحديثة لاستنباط البيانات والمعطيات عن الواقع المائي في إعداد البرامج والخطط التنموية الآنية والمستقبلية. بالإضافة إلى نفقات إعداد الكادر المهني الكفوء القادر على التعاطي الإيجابي مع الأجهزة والتقنيات الحديثة لإنجاز المهام الموكلة.

ومع حالة الإهمال والسياسات الخاطئة التي طالت مؤسسات المياه في دول العالم النامي، تضاعفت النفقات المالية اللازمة لإصلاح الخلل والتحديثات اللازمة، ومع الزمن لم تعد الموازنات الوطنية قادرة على رصد المبالغ المالية اللازمة للنهوض بواقع المياه. لذلك فإن المبالغ المالية المرصودة ( في ظل الصحوة المائية لحكومات دول العالم النامي ) لم يعد بمقدورها النهوض بالواقع المزري لمؤسسات المياه الوطنية، مما يتطلب البحث عن مساعدات مالية وتقنية من المنظمات الدولية ذات الصلة لإيقاف حالة التدهور بمؤسسات المياه.

إن التجارب السابقة للمنظمات الدولية ذات الصلة بشؤون المياه والزراعة مع حكومات البلدان النامية معظمها باءت بالفشل نتيجة فشل المؤسسات الوطنية في التعاطي الإيجابي مع برامج المساعدات الدولية ولتفشي مظاهر الفساد الإداري والمالي وتخلف إطارها المؤسسي. مما دفعها لتغيير نهجها بمنح المساعدات المالية والتقنية المباشرة للدول النامية، والتركيز على إعادة تقييم أداء مؤسسات المياه الوطنية وتحديثها بما ينسجم وبرامج المساعدات المالية والتقنية ويحقق الأهداف المتوخاة منها خاصة بشأن مساعدة الشرائح الفقيرة من الفلاحين ورفع مستواهم المعيشي.

ثانياً- موجبات العمل المؤسساتي للمياه :

لا يتوقف العمل المؤسسي للمياه على النظام الإداري والتشريعي لتحديد المهام والصلاحيات وحسب، بل على النظام التقني والمعلوماتي الذي يوفر البيانات والمعطيات اللازمة لإعداد البرامج والخطط التنموية الآنية والمستقبلية. فنجاح المؤسسة المائية يرتكز بشكل أساسي على مدى قدرتها على استنباط البيانات والمعطيات المحددة من الواقع التي تقتضيها برامج التحليل الحديثة لرسم صورة أدق عن الحاجات الفعلية لتطوير المشاريع المائية القائمة أو الشروع بإقامة مشاريع مائية حديثة، تؤمن المتطلبات المائية للقطاعات الإنتاجية والخدمية لمنطقة المشروع المائي أو المساهمة في إدارة الموارد المائية على المستوى الوطني.

كما أن نجاح العمل المؤسسي في جمع البيانات والمعطيات لا يتوقف على الأجهزة والتقنيات الحديثة المستخدمة بقدر ما يتوقف على الكادر المهني القادر على التعاطي الإيجابي معها وكفاءته في الحصول على البيانات والمعطيات الدقيقة، وتوظيفها في التحليل للحصول على النتائج المتوخاة التي يمكن اعتمادها في إعداد البرامج والخطط التنموية. تعتبر أهم وظائف العمل المؤسساتي للمياه : جمع البيانات والمعطيات المائية الدقيقة وتوظيفها بصورة علمية في برامج التحليل الحديثة للخروج بتصورات أقرب للواقع، بالإضافة لجمع ومعالجة البيانات الفيزوغرافية عن الموارد المائية الجوفية لرسم الخرائط للخزانات الجوفية.

 وتحديد حجم مياهها، ونوعيتها، وصلاحيتها للاستخدام، وتحديد طاقة الاستخدام الآمن للمساهمة في رسم السياسة المائية، مع ضرورة توفر برامج حديثة لإعداد الكادر المهني وتشجيع الأبحاث والدراسات المائية لخدمة كافة أنشطة الإدارة المائية الحديثة. وعليه لايمكن الحكم على نجاح العمل المؤسساتي للمياه دون النظر بعين فاحصة لنظامه المعلوماتي الشامل ( الأجهزة والتقنيات الحديثة، القدرة على استنباط البيانات والمعطيات الدقيقة، مهنية الكادر، القدرة على التحليل، وتخزين وتوظيف البيانات في إعداد البرامج والخطط... ) الذي يستند إلى :

1- " بيانات عن الدورة المائية وتشمل :

أ- بيانات حول التغيير الزماني والمكاني للموارد المائية وخصائصها الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية.

ب- أنظمة مراقبة للدورة المائية وتشمل : بيانات تاريخية، بيانات آنية، مسوحات ميدانية، بنية فوقية.

ج- عناصر التقييم ومستويات النشاط.

د- كفاية المستويات المرجعية ( محطات المراقبة، أجهزة حديثة، وكادر مؤهل ).

2- بيانات حول مشاريع موارد المياه واستخداماتها وتشمل :

أ- المتطلبات : إعادة تقييم مكونات الموازنة المائية وبياناتها، تحديد عناصر التغيير في الخصائص النوعية والكمية للموارد المائية.

ب- استخدامات الموارد المائية : بيانات ومعطيات الاستخدام الفعلي للمياه.

ج- كفاية البيانات لاستخدام الموارد المائية والمشاريع المرتبطة بها، ومراقبة المشاريع المائية الكبرى ومواصفاتها.

3- بيانات فيزوغرافية وتشمل :

أ- الحاجة إلى البيانات : بيانات هيدرولوجية، وبيانات الأرصاد الجوية.

ب- أنظمة البيانات : أنظمة قياس لرسم خرائط للخزانات الجوفية، طبوغرافيا المجاري المائية لتقدير تكاليف تنمية الموارد المائية، بيانات طوبوغرافية، بيانات جيولوجية ومورفولوجية، بيانات التربة، وبيانات الغطاء النباتي في منطقة الحوض.

4- خزن البيانات وتشمل :

أ- المتطلبات ( بيانات الدورة المائية، والبيانات المساعدة ) لاستخدامها في برنامج أنظمة المعلومات الجغرافية ( GIS ).

ب- خزن البيانات على شكل سجلات مراقبة، بطاقات تسجيل.

ج- المعالجة الأولية : وضع فهرس، بنك المعلومات، بيانات موجهة للمستخدم، وبيانات تقليدية.

5- تقنيات التقييم وتشمل :

أ- تقنيات تقليدية : الكتب، الوثائق، وسجلات البيانات.

ب- خطط إدارة المياه : مشاريع التنمية لأعالي النهر واستخداماتها المائية وتأثيرها على حجم التدفق المائي للنهر الدولي.

ج- نماذج حاسوبية : بيانات عن حجم الاستخدام المائي، وبيانات عن حجم الاحتياط المائي.

6- القياسات والدقة المعلوماتية : القياسات الهيدرولوجية وأساليب المراقبة، مراقبة دقة وجودة المعلومات وصلاحية استخدامها، اكتشاف الأخطاء في البيانات وتدقيقها، واعتماد مختبرات التحليل للتحقق من صلاحية استخدام المياه.

7- استخراج مؤشر القدرة : جمع البيانات ( البيانات الأساسية، بيانات مشاريع المياه، وبيانات فيزوغرافية )، ومعالجة البيانات، استرجاع البيانات، القياس ومراقبة الدقة، ومؤشر القدرة ".

يتطلب النظام المعلوماتي لمؤسسة المياه مسوحات ميدانية لكافة الأنشطة المائية وإداراتها على المستوى الوطني، تنهض بها مؤسسات مائية مناطقية تعمل على رفد الإطار المؤسسي العام بالبيانات والمعطيات اللازمة لإعداد البرامج والخطط التنموية على المستوى الوطني.

وهذا الأمر يتطلب بالدرجة الأولى استقلالية العمل للمؤسسات المناطقية في إنجاز مهامها الموكلة، وبوجود كادر مهني كفوء وقادر على توظيف التقنيات الحديثة لإنجاز مهامه على أكمل وجه، مع ضرورة وجود تنسيق وتعاون كامل بين كافة المؤسسات المناطقية على مستوى الإقليم. ومن ثم وجود تنسيق وتعاون بين مؤسسات الإقليم التي بدورها ترفد الإطار المؤسسي العام بالبيانات والمعطيات والمقترحات للمشاريع المائية وتطويرها... لتخضع للمناقشة والتدقيق والمراجعة والإضافة والحذف والأولوية.

لتعتمد في إعداد البرامج والخطط التنموية الآنية والمستقبلية استناداً لحجم الاعتمادات المالية المرصودة من قبل الدولة لمؤسسة المياه. ويتوجب الإشارة إلى أن معظم مؤسسات المياه الحديثة، استحدثت إدارات ومكاتب مؤسسية مختلفة التخصص ضمن إطارها المؤسسي العام لتأخذ على عاتقها متابعة التنسيق والتعاون مع المؤسسات ذات الصلة في الدولة لتعزيز نظامها بالمزيد من الرفد المعلوماتي عن الأنشطة المائية على المستوى الوطني لإنجاز مهامها الموكلة.

 ثالثاً- مركز البحوث والدراسات المائية :

إن إحدى مقومات العمل المؤسسي وجود مركز للبحوث والدراسات المائية لإعداد البرامج والخطط الإنمائية بعيدة المدى، ويشترط بناءه آليات عمل وخبراء مياه وأجهزة متطورة يمكن أن تقدم البيانات والمعطيات الدقيقة عن الحالة أو المشروع المراد دراسته وتطويره على المدى البعيد. ويتطلب إعداد البرامج والخطط المستقبلية طاقم عمل متكامل من خبراء المياه ومساعديهم يتم اختيارهم تبعاً للكفاءة والخبرة العلمية والشعور العالي بالمسؤولية تجاه المصالح العليا للوطن، لأنهم يضعون الخطط الستراتيجية التي بمقتضاها ترسم السياسات والتوجهات المستقبلية للدولة. لذلك فإن المسؤولية الملقاة على عاتقهم ليست تحقيق المتطلبات المائية الآنية للمشاريع التنموية وحسب، بل المتطلبات المائية المستقبلية استناداً لحجم الموارد المائية المتاحة وتنميتها لتحقيق الاستخدام الأمثل للمياه. وهذا الأمر يتطلب أجهزة متطورة يتم من خلالها جمع وخزن البيانات والمعطيات عن الواقع المائي، ومن ثم تحليلها لاستنباط الحلول والمعالجات اللازمة لتوظيفها في إعداد البرامج والخطط الستراتيجية وذلك من خلال :

1- " نصب أنظمة مراقبة لتوفير معلومات دقيقة عن الواقع المائي.

2- ضمان استمرارية عمل أنظمة المعلومات دعماً للدراسات والبحوث التي تتطلبها الخطط البعيدة المدى خاصة المتعلق منها بالمتغيرات المناخية.

3- استخدام تقنيات لمعالجة البيانات وتخزينها.

4- مقارنة واختبار واعتماد التكنولوجيا الهيدرولوجية المناسبة للحاجات على المستوى الوطني.

5- اعتماد نهج المتابعة المستمرة لتطور الوسائل التكنولوجية وتوظيفها في الدراسات والبحوث المائية.

6- وضع وتدعيم برامج البحث والتطوير المناسبة لحاجات القطر من أجل الوصول لفهم أفضل للعملية الأساسية الخاصة بالدورة المائية بما في ذلك التفاعل بين المياه والتربة والمناخ لتدعيم الموارد المائية والتنبؤ الهيدرولوجي.

7- التشجيع على تطوير الوسائل التكنولوجية لتقييم الموارد المائية والتنبؤ الهيدرولوجي من خلال استخدام الخبرات المحلية المتراكمة في المجال المائي.

8- توفير الوسائل التكنولوجية الحديثة للعاملين في المجال المائي.

9- دعم أوجه التعاون والتنسيق مع المنظمات الدولية والإقليمية للاستفادة من برامجها وخبراتها في المجال المائي ".

لا تستند الدراسات والبحوث المائية اللازمة لإعداد البرامج والخطط البعيدة المدى على بيانات ومعطيات لعلم الاقتصاد المائي وحسب، بل على جملة من العلوم الزراعية، البيئية، الصحية، الجيولوجية، الأرصاد الجوية، الاجتماعية، والصناعية. لأنها مؤسسات ( إنتاجية وخدمية ) في آن واحد مما يتطلب أن تلحظ البرامج والخطط المائية المستقبلية كافة الجوانب المتعلقة بها وتوظيف كافة البيانات والمعطيات ذات الصلة للمؤسسات المختلفة المستفيدة من خدمات المياه. وعلى خلافه فإن البرامج والخطط المائية البعيدة المدى يشوبها عدم الدقة والاختلال في تقديم الخدمات اللازمة للمؤسسات الأخرى في الدولة.

لذلك فإن التنسيق والتعاون مع مؤسسات الدولة المختلفة يعد شرطاً أساسياً لنجاح البرامج والخطط المائية البعيدة المدى، كما لا يجوز أن يقتصر التنسيق والتعاون على مستوى القطر. وإنما يتعدى ذلك للتنسيق والتعاون ليشمل مؤسسات المياه الإقليمية والدولية لتوظيف البيانات والمعطيات ذات الصلة في البرامج والخطط المائية، لمنحها صفة الشمولية المتكاملة لتغطية الأوجه المختلفة للأنشطة المائية. فهناك تداخل بين الموارد المائية الوطنية، والموارد المائية الدولية في حساب الموازنة المائية على المستوى الوطني فبدون التنسيق والتعاون مع المؤسسات المائية الإقليمية للدول المتشاطئة، لا يمكن تحديد الحصص المائية للأنهار الدولية في الموازنة المائية على المستوى الوطني لرسم السياسة المائية المثلى والمتوافقة مع حجم الموارد المائية المتاحة وحجم المتطلبات المائية المتوقعة.

وقد يعترض سبيل التنسيق والتعاون مع المؤسسات المائية الإقليمية إشكاليات قانونية - سياسية لتوزيع حصص مياه الأنهار الدولية المشتركة، لذلك يتوجب أن يكون هناك تنسيق وتعاون فعال مع المؤسسات المائية الدولية ذات الصلة للمساعدة في حل الإشكاليات القانونية - السياسية مع الدول المتشاطئة وفقاً لمبادئ القانون الدولي حول توزيع حصص المياه بين الدول المتشاطئة. وتشترط أوجه التنسيق والتعاون مع المؤسسات المائية الإقليمية والدولية، وجود دراسات مائية وطنية معززة بالبيانات والمعطيات الحديثة وكذلك بالخبرات المتبادلة التي يمكن الاستناد عليها في المفاوضات المائية على المستوى الإقليمي والدولي للتوصل لاتفاقيات ومعاهدات مائية للحفاظ على حقوقها المائية، وهذا يتطلب اتباع جملة من الإجراءات التقنية على المستوى الوطني منها :

1- " تطوير أجهزة وتقنيات القياس للدورة المائية وخصائصها الفيزوغرافية.

2- تصميم شبكات لعناصر الدورة المائية ولدراسات مساحية للخصائص الفيزوغرافية وتقدير نسب الأخطاء المتوقعة.

3- تحليل العلاقات المكانية والزمانية بين عناصر الدورة المائية وعوامل الأحوال الجوية والفيزوغرافية، وبناء النموذج المرتبط بذلك لاستكمال العناصر الزمانية والمكانية بما فيها تقنيات استكمال بيانات شبكة الدورة المائية.

4- تحليل تأثير الأنشطة البشرية على عناصر الدورة المائية وتقنيات التنبؤ بالتغيرات التي يمكن أن تحصل في نظام عناصر الدورة المائية بما في ذلك التغييرات الحاصلة في بيانات السلسلة الزمانية المرتبطة بها.

5- تقنيات الحفاظ على نوعية وكمية المياه وتقنيات تحسين استخدام المياه المتوفرة في مختلف عناصر الدورة المائية كـ ( تقليل نسب الهدر المائي، التلوث المائي، تنمية الموارد المائية غير التقليدية، واستخدام المياه المالحة في الزراعة.. ).

6- تقنيات تنمية الموارد المائية المتاحة باتباع طرق التحكم بمياه الفيضانات وحصاد الأمطار وتقليل نسب التبخر.

7- تقنيات لتحسين نوعية المياه، واستخدامات المياه الرمادية في الزراعة.

8- تقنيات لتحسين أنشطة سحب المياه من الخزانات الجوفية، وتحسين طرق نقل المياه وتوفير التقنيات والأجهزة الحديثة للمحطات الهيدرومائية لتقليل هدر المياه ".

وفي حال عدم قدرة ( وضعف ) مؤسسات المياه الوطنية في القيام بمهامها الأساسية في إنجاز الدراسات والبحوث المائية المعززة بالبيانات والمعطيات الدقيقة عن حجم المياه المتاحة، والمتطلبات المائية الفعلية على صعيد المستقبل والمعرفة الكاملة بمبادئ وتشريعات القانون الدولي حول المياه الدولية، لا يمكنها الشروع بمفاوضات متكافئة مع الدول المتشاطئة لعقد الاتفاقيات والمعاهدات المائية. وبهذه الحالة يتوجب عليها الاستعانة بالخبرات الدولية والتعاقد مع مؤسسات استشارية متخصصة بشؤون المياه بغرض عدم التفريط بالحقوق المائية، مع وجوب الأخذ بنظر الاعتبار :

1- قدرة المؤسسة المتعاقدة معها للقيام بأعمال الاستشارة الفنية والتقنية مع ضرورة توفر كادر مهني لدى المؤسسة الوطنية للمراقبة والإشراف.

2- إعطاء الأولوية لمكاتب الاستشارة الوطنية ذات الكفاءة المماثلة لمكاتب الاستشارة الأجنبية، باعتبارها الأكثر دارية ومعرفة بالظروف المناخية والاجتماعية والاقتصادية للبلد.

3- التعاقد مع مكاتب الاستشارة الأجنبية يتم على مستوى تقديم المساعدات والاستشارات الفنية لرفع كفاءة مؤسسات المياه الوطنية.

4- لا يجوز للمكاتب الاستشارية الوطنية أو الأجنبية النيابة عن الدولة بعقد إي اتفاق أو معاهدة دولية حول تقاسم حصص المياه مع الدول المتشاطئة.

5- جميع الدراسات والبيانات التي تقوم بها المكاتب الاستشارية المتعاقد معها، ملك للدولة ولا يجوز استخدامها أو التصرف بها خلال مدة العقد المبرم.

6- يقدم المكتب الاستشاري كافة المستلزمات والتقنيات اللازمة لحفظ وتخزين المعلومات، وتدريب الكادر المهني على استخداماتها وتحديثها.

7- الاستفادة من برامج المساعدات للمنظمات الدولية ذات الصلة، للتحقق من دقة وسلامة البيانات التي أنجزتها مكاتب الاستشارة في حال ضعف أجهزة الرقابة والإشراف في مؤسسات المياه الوطنية.

إن التفاوت الكبير بين القدرات والخبرات والتقنيات لمؤسسات المياه للدول المتشاطئة دفع العديد منها لرفض الدخول بمفاوضات مائية لعقد اتفاقيات ومعاهدات مائية لتوزيع حصص المياه، كما هو الحال بين مصر والدول المتشاطئة في حوض نهر النيل لشعور الأخيرة بعجز وضعف في مؤسساته المائية وعدم قدرتها على تقديم بيانات دقيقة تعزز موقفها التفاوضي مع مصر. وبالمقابل فإن المنظمات الدولية غير قادرة على تقديم المساعدات التقنية والفنية للدول الأفريقية المتشاطئة بحوض النيل، لضعف هياكلها المؤسسية وعدم قدرتها على تقييم أوجه نشاطاتها المائية - الزراعية لتحديد حجم متطلباتها المائية الآنية والمستقبلية. وأخيراً فإن نجاح أية برامج وخطط مائية بعيدة المدى، تتطلب بيانات متعددة منها :

1- بيانات مناخية : الهطول المطري، توزعه، كميته، فتراته، درجة الحرارة، رطوبة الجو، درجة التبخر، وسرعة الرياح.

2- بيانات هيدرولوجية : المجرى المائي، تغيراته الهيدرولوجية، عمق وعرض المجرى، سرعة الجريان، درجة ميل المجرى وانسيابه، مناسيب المياه، عدد الفيضانات ومواسمها.

3- بيانات عامة : متطلبات الملاحة النهرية، عدد الروافد المائية وغزارتها، الغطاء النباتي، مشاريع تربية الأسماك، عدد المناطق الترفيهية والمتنزهات. 

4- بيانات تقييمية لمؤسسات المياه : تقنية وحداثة أجهزة القياس الهيدرولوجية والأرصاد الجوية، إمكانية حفظ وتخزين البيانات والمعطيات المائية، قدرة الكادر المهني وكفاءته الإدارية.

5- بيانات عن القدرات المالية : حجم الموازنة المرصودة، كفاءة الإدارة المالية، وجود أجهزة للرقابة المالية، وجود سجلات لأوجه الصرف المالي.     

ملاحظة : للمزيد من المعلومات والاطلاع على المصادر راجع كتابنا ( مؤسسات المياه وإعداد الكادر ).

الباحث والخبير بشؤون المياه في الشرق الأوسط

صاحب الربيعي

 الموقع الشخصي للكاتب : http://www.watersexpert.se/