المدخل

 

لا يمكن خلق معرفة جديدة، من دون وجود مكوّنات مكتسبة على نحو سابق عنها في الذاكرة، لأن خلقها لا يأتي من فراغ، وإنما مُستوحى من مكتسبات فكرية سابقة، يجري مزاوجتها معاً، لإنتاج فكرة جديدة. إن ذاكرة البشر متباينة الفعالية، لأسباب بيولوجية ووراثية وعملية، وكلما جرى تدريب الذاكرة بتمارين حفظ المعلومات، واستعادتها عند الطلب، على نحو مستمر، أصبحت أكثر فعالية، لكنْ؛ يعاني البعض من ضعف ذاكرتهم في حفظ المعلومات، أو تعرُّضها إلى النسيان، بعد حفظها، لضعف مكتسباتهم المعرفية، في تمكين الذاكرة بالتمرين على الحفظ الدقيق والاستعادة.

 ولا يمكن استيعاب الأشياء في الطبيعة والمعلومات التي تلتقطها حواسّ الإنسان المختلفة، من دون إدراك ماهيتها، فالشيء الذي لا يدركه العقل الواعي لا تحفظه الذاكرة، لعدم وجود ما يماثل مكوّناتها في مكتسباته، حيث تتطلّب طريقة الحفظ رموزاً خاصة، وإشارات لرسم صورة الشيء، لتكون قابلة إلى الحفظ في خزان الذاكرة.

إن العقل لا يشتغل من دون شحنه بالأفكار والآراء لحفظها في ذاكرته، ومزاوجتها معاً، لإنتاج الأفكار الجديدة، فالشحن الفكري يشمل الأفكار المتداولة في المجتمع وغير المتداولة، لأن العقل جزء من طبيعة الخلق، وأحد أعضاء الإنسان الجسدية لا يشتغل من دون تفعيل المنظومة العقلية برمتها.

 وينمو زمنياً مثل سائر أعضاء الجسد الأخرى، ونموه الطبيعي لا يمنحه ميزة إضافية، بدليل تباين مستويات ذكاء البشر وإدراكهم، فمن دون شحنه بالأفكار المتنوعة والرؤى لا يشتغل وحده، ويُفعّل الكثير من ضوابطه.  ولا يمكن التعويل على العقل وحده لاستيعاب الأشياء وإدراكها وتفسير الظواهر الطبيعية، لأنه جزء من منظومة أكبر، تدرك الجزئيات، لا الكليات، وليس شرطاً كل ما يدركه العقل صحيح تماماً، لكنه مقبول عقلياً في زمانه، ويصبح مرفوضاً عقلياً في زمان آخر، لتوسع المدارك العقلية بالعلوم الحديثة والمعارف.

يوصف الجنون حالة مرضية تؤدي إلى انفصام بالشخصية، لكنه قد يكون حالة غير مرضية بعدّه عقلاً آخر، يرفض الانصياع إلى العقل الجمعي المنصاع إلى أعراف المجتمع وقيمه، أو في وصفه حالة رفض الفرد على نحو غير عقلاني لقيم محيطه الاجتماعي.

لا يُعدّ الجنون فلسفياً حالة مرضية بحتة، وليس خللاً عقلياً، ينتج خبلاً، وإنما نزاعاً لإحكام السيطرة بين العقل والروح، وتختلّ آليات الإرادة، ويحدث اضطراباً بأجهزة الجسد والعقل أو الجسد والروح، فيرفض أحدهما الآخر، لتعمّ الفوضى في الذهن والقلب. إن العقل ينجز وظائف الكلام على نحو لا شعوري عند النطق، وتصاحبه إشارة مكتسبة من المحيط الاجتماعي، من دون أن يعي الفرد على نحو مباشر مدلولها أو صلتها بالمفردة اللغوية المنطوقة ووظائفها.

وقد يكون فعل الإشارة اللإرادي عند الكلام غير صحيح، وينمّ ـ أحياناً ـ عن سذاجة مفرطة، أو فعل لاإرادي مضاد، إلى مدلول الكلمة المنطوقة. لا يمكن إدراك مفهوم الخير، من دون إدراك مفهوم الشر، وفي العكس، وبما أنهما نسبيان، فلا يمكن عدّ كل الأعمال الخيرة تصنع الفضيلة، وليست كل الأعمال الشريرة تصنع الرذيلة، طالما منظومة قيم الخير دافعها الأساس نسف منظومة قيم الشر.

إن حياة الإنسان ليست قدراً محضاً، يتحكم بسلوك الإنسان وممارسته، لأن حجم الخطئية في الذات يماثل حجم الرواسب الشريرة الكامنة، وحجم الفضيلة في الذات يماثل حجم الرواسب الخيرة الكامنة.  يرتبط أهمية الشيء في الحياة بصلاته مع المحيط، فمشاعر الحب لا ترتبط بالشيء ذاته على نحو مباشر، وإنما بصلاتها مع المحيط الاجتماعي، وما تحفظه ذاكرة الشيء من صلات مفرحة، تجلب السعادة إلى الذات، أو ما تحفظه ذاكرة الشيء من صلات محزنة مع المحيط الاجتماعي، تجلب التعاسة إلى الذات.

 إن الحقيقة ليست مطلقة بعدّها وجهاً اعتقادياً من أوجه الحقيقة، أو جزءاً مُعرفاً من كلي مجهول، عجز علم الحاضر إدراكه، ولربما يدركه علم المستقبل، وبذلك، فإن اكتشاف وجه حقيقة جديد يزيد صدقها، لكنها ليست حقيقة كاملة.

يتألف الكتاب من ثلاثة فصول بمحاور رئيسة وبنود فرعية، الفصل الأول بمحورين أساسيين وبنود فرعية، فالمحور الأول يبحث في ماهية المعرفة وآليات الذاكرة خلال بنوده ماهية المعرفة وتوجّهاتها، والذاكرة وآليات عملها، وآليات الإدراة في الاستيعاب والإدراك. والمحور الثاني يبحث في آليات العقل والجنون واختلالهما خلال بنوده آليات العقل واختلالها، وآليات الجنون واختلالها.

والفصل الثاني بمحورين وبنود فرعية، فالمحور الأول يبحث في الذاكرة اللغوية والإرث الحضاري خلال بنوده اللغة ومحمولها المعرفي، وأهمية اللغة في حفظ الإرث الحضاري. والمحور الثاني يبحث في آليات التفكير لإنتاج الفكرة خلال بنوده آليات التفكير، وآليات إنتاج الفكرة.

 والفصل الثالث بمحورين وبنود فرعية، فالمحور الأول يبحث في آليات التمييز العقلية بين القِيم العامة خلال بنوده آليات التمييز العقلية بين قيم الفضيلة والرذيلة، وآليات التمييز العقلية بين قيم الخير والشر. والمحور الثاني يبحث في استيعاب منظومة الحياة وإدراك مظاهرها المتباينة خلال بنوده استيعاب ماهية الحياة وإدراك مظاهرها، واستيعاب منظومة السلوك وإدراك دوافعها، واستيعاب حقائق الحياة وإدراك زيفها. وأخيراً، لائحة بالمراجع التي جرى الاقتباس منها.

السويد ـ ستوكهولم

                                                                                                                                               أب 2014