المدخــل

إن الخلل في النظام الإداري أو ضعفه يقلل أداء العمل والإنتاجية مما يتطلب اختيار نمط النظام الإداري على نحو صحيح يتواءم وطبيعة العمل ومواصفاته لأن الإدارة الناجحة تساهم بستين من المائة من نجاح العمل والإنتاجية. كما أن التعرف على أنماط الإدارة وأساليبها وماهية الوظيفة العامة وسلطاتها ومسؤولياتها وشروطها يساعد في اختيار نمط النظام الإداري المتوافق مع أحكام الوظيفة العامة ودورها والتوصيف القانوني لشاغل الوظيفة العامة ـ موظف الخدمة العامة ـ وقواعد السلوك الوظيفي والخروج عليها يعدّ مخالفة وظيفية تستوجب المساءلة الإدارية والمحاسبة القانونية.

 إن المخالفة الوظيفية ـ غير المقصودة ـ بسبب الإهمال أو عدم الحرص أو الرعونة التي تُحدث ضرراً بأموال الدولة والمصالح العامة تستوجب المساءلة الإدارية والمحاسبة القانونية، إما المخالفة الإدارية ـ المقصودة ـ التي تخرق قواعد السلوك الوظيفي من خلال سعي موظف خدمة عامة الحصول على مزية أو اختلاس أموال عامة أو الإضرار بالمصالح العامة يعدّ فساداً مقصوداً يستوجب المساءلة الإدارية والمحاسبة القانونية والإحالة للقضاء بوصفها جريمة جنائية نص عليها قانون العقوبات وبذلك فإن تشخيص المخالفات الوظيفية وأحكامها يشخص أوجه الفساد الإداري مما يساعد في إصلاح الوظيفة العامة. أصبح الفساد ظاهرة عامة تنخر مؤسسات الدولة والمجتمع ـ على نحو متفاوت ـ في جميع دول العالم والمنظمات الدولية خاصة في الدول المتخلفة فأثر سلباً في الأداء السياسي والاقتصادي والتنمية والاستثمار وبدوره أضر بدخل المواطن وحياته المعيشية وأفقر فئات كثيرة من المجتمع، فضلاً على تأثيره السلبي في أخلاقيات المجتمع وقيمه وأسقط عرف العيب من ارتكاب الأعمال المخلة بالشرف مثل السرقة والاختلاس والرشوة تحت مسوغات قلة الأجور وغلاء المعيشة والبطالة والفقر. يعدّ الفساد السياسي الأخطر على مؤسسات الدولة والمجتمع كونه يتحكم بالشؤون العامة فإن كان النظام السياسي غير ديمقراطياً يفتقد آليات المساءلة والمحاسبة مما يعظم حجم الفساد وإن كان نظاماً ديمقراطياً ـ ممسوخاً ـ تعطلت آليات المساءلة والمحاسبة فيتفشى الفساد خاصة في إدارة الأموال العامة وجباية الضرائب ويضعف إيرادات الخزينة العامة فيعطل تنفيذ المشروعات التنموية والخدمية ويفاقم الدين العام ويزيد عمليات غسيل الأموال الفاسدة.

 إن فعالية أجهزة الرقابة في مؤسسات الدولة والمجتمع من عدم فعاليتها يرتبط بنمط النظام السياسي ونوايا المتصدين للعملية السياسية فإن كان نمط النظام ديمقراطياً برلمانياً مارس دوره الرئيس في تشريع القوانين والرقابة والتنسيق مع الجهات الرقابية الحكومية ومنظمات المجتمع المدني ذات الصلة والإعلام لدعم حملات مكافحة الفساد وخلق رأي عام ضاغط على الحكومة لمحاسبة الفاسدين والعكس صحيح.

يتألف الكتاب من أربعة فصول: بحث الفصل الأول في محورين أنماط الإدارة وأحكامها في الوظيفة العامة، والفساد الإداري وأساليب مكافحته. والفصل الثاني بحث في محاوره الأربعة: ماهية الفساد ومخاطره، وتأثيرات الفساد السلبية على السياسة، وتأثيرات الفساد السلبية على الاقتصاد، وتأثيرات الفساد السلبية على المجتمع. والفصل الثالث بحث في خمسة محاور: أنماط الأنظمة السياسية وفسادها، وأنماط الأنظمة الاقتصادية وفسادها، وأنماط النظام الرقابي وآلياته، وإدارة الأموال العامة والرقابة، وغسيل الأموال. وأخيراً الفصل الرابع بحث في أربعة محاور: مهام البرلمان الرئيسة ووظائفه، وبناء القدرات البرلمانية وتطوير المهارات، والجهات الساندة لحملات مكافحة الفساد، وأسباب فشل حملات مكافحة الفساد.

ستوكهولم  ـ السويد

شباط 2015