بيع وشراء المياه ( تلبية المتطلبات والحد من الهدر )

 

 

بيع المياه الخام من حوض النهر الوطني مباشرة إلى دولة أخرى :

تتوفر تركيا على أحواض مائية وطنية عديدة موزعة على مواقع جغرافية متنوعة في الأراضي التركية. وعرضت في مشروعها أنابيب السلام أبان الثمانيات من القرن المنصرم لمد شبكة من الأنابيب إلى كل من دول الخليج العربي عبر العراق وكل من إسرائيل والاردن وفلسطين عبر سوريا لبيع مياه نهري سيحان وجيحان اللذان ينبعان من وسط تركيا يصبان في البحر المتوسط ولم يلقَ المشروع الصدى اللازم من دول المنطقة لاعتبارات لسنا بصددها. كما عرضت تركيا بيع المياه لدول أخرى في المنطقة كـ : قبرص، اليونان .  تجارب بيع المياه في العالم محدودة جداً، ولا تشكل ظاهرة يمكن دراستها بتمعن لوضع قوانين خاصة بسوق المياه سواءً منها المتعلق ببيع المياه من الأنهار الدولية أو الأنهار الوطنية. وتعد محاولات تركيا منذ أكثر من ثلاثة عقود خلت لخلق سوق لبيع المياه في الشرق الأوسط من أنهارها الوطنية غير ناجحة أو بالأحرى غير مجدية اقتصادياً.

"  فعلى سبيل المثال وقعت تركيا بروتوكول لبيع المياه إلى إسرائيل التي تعاني من عجز مائي لكنها عند مراحل التنفيذ تراجعت إسرائيل عن شراء المياه بسبب كلفته العالية قياساً بكلفة تحلية مياه البحر. ففي حزيران عام 2001 تعهدت إسرائيل استيراد نحو 50 مليون م3 من المياه العذبة من تركيا ولمدة 20 عاماً وبسعر 1.340 دولار أمريكي للمتر المكعب الواحد، وتبين من خلال دراسة الجدوى الاقتصادية للصفقة المائية أنه بإمكان إسرائيل بناء محطة تحلية مياه البحر بإجمالي المبلغ المرصود لشراء المياه والبالغ نحو 1.340 مليار دولار أمريكي لمدة عشرين عاماً وبطاقة إنتاجية لمياه التحلية تضاعف كمية المياه المراد استيرادها سنوياً وبكلفة أقل للمتر المكعب الواحد ". 

عموماً من السابق لأوانه إصدار الأحكام القطعية على فشل سوق بيع المياه في الشرق الأوسط لاعتبارات عديدة منها : أن أزمة المياه في منطقة الشرق لم تتخطَ العتبة الحرجة في الوقت الراهن، مازالت الأجواء السياسية في المنطقة مشوبة بالحذر والتوجس من المشاريع المائية لارتباطها بأهداف سياسية أكثر منها تقنية، الدول التي تعاني من عجز مائي تحديداً الخليجية منها ( البترولية ) قادرة على تمويل مشاريع بناء محطات تحلية المياه لتأمين متطلبات مياه الشرب وغير مهتمة بتنمية القطاع الزراعي الذي يتطلب كميات كبيرة من المياه وتعتبر استيراد المنتجات الزراعية من الخارج يعد أكثر جدوى اقتصادية من زراعتها محلياً. 

بيع المياه الخام من حوض النهر الوطني مباشرة إلى المزارعين :

إن الزراعات المروية في دول العالم النامي تحديداً، تراجعت بسبب تخلف طرق الري التي تستهلك كميات كبيرة من المياه تفوق الحاجات الفعلية للنبات والتربة مما يسبب هدراً للمياه. وترافق ذلك مع نقص حاد في الموارد المائية المتاحة نتيجة تعاقب موجات الجفاف والزيادة المفرطة بعدد السكان المترافقة مع زيادة الطلب على المياه، مما تطلب اتخاذ جملة من الإجراءات العملية للحد من الهدر المائي منها على وجه الخصوص استرداد تكاليف صيانة وتشغيل المرافق المائية من المزارعين عن طريق تسعير مياه الري للتوازن بين كفتي العرض والطلب. لكن لا يبدو أن سياسية تسعير مياه الري حقق النجاح الكامل في كافة دول العالم النامي، فنسب النجاح متفاوتة من دولة لأخرى لاعتبارات عديدة لسنا في صددها لكن الفشل طال سوق مياه الري في دول أخرى بسبب :

1 – " السلع العامة : اعتبار المياه سلعة عامة غير خاضعة لسوق العرض والطلب، لأن العرض السلبي لا يخضع الطلب لآليات السوق المتعارف عليها وإنما يخضع لآليات مغايرة كـ : رشوة موظفي الري، التدخل المباشر لفتح أو غلق البوابات على قنوات الري، هدم ضفاف القنوات المائية لسرقة المياه، وعدم الالتزام بحصص الري ومواعيدها.

2 – العوامل الخارجية :

أ - عجز المزارع على تحمل التكاليف الكاملة للمياه فالذي يتسبب بتلوث مياه المجرى المائي يسعى للتخلص من أعباء التكاليف المالية الخاصة بمنع التلوث وإلقاءها على كاهل  المجتمع من خلال طرح ملوثات الماء مباشرة في المجاري المائية، وبذلك يتحمل المجتمع أعباء التخلص من التلوث العام خاصة في ظل غياب التشريعات القانونية التي تفرض العقوبات اللازمة على مسببي التلوث المائي.

ب – إقامة السدود على مجاري الأنهار أدى لحجز الطمي خلفها مما أثر سلباً على تجديد خصوبة التربة، وبالتالي شكل عبئاً مالياً إضافياً على المزارع عن طريق شرائه للمخصبات الزراعية وكذلك التقنين غير المعتاد على إمدادات المياه.

ج – إقامة السدود أدى لغمر مساحات واسعة من الأراضي الزراعية بالمياه وبالتالي أدى لنزوح المزارعين أو ترحليهم قسراً عن أراضيهم الخصبة إلى أراضي أقل خصوبة.

د – تلوث مياه الري بالمخصبات الزراعية والمبيدات الحشرية ومخلفات وقود الديزل للمضخات أدى لتدهور صحة المزارعين، ومع قلة المراكز الصحية أو انعدامها في الريف يضطر المزارعون طلب العلاج في المدينة مما يزيد من الأعباء المالية عليهم .

3 – مورد الملكية العامة ( المشاكل والمعوقات ) :

أ - يتطلب الاستخدام الدائم لمورد مائي ما ( خاصة المياه الجوفية ) أن يكون الطلب على المياه بمرور الزمن متوازناً مع مراعاة حجم التغذية المائية أو الحقن المائي للمحافظة على الإنتاج الآمن.

ب - تخطي المزارعين لعتبة الإنتاج الآمن للخزان الجوفي يؤدي لتلوثه.

ج - قلة وعي المزارع واستخدامه المفرط للمياه يؤثر سلباً على الطلب ".

ولضمان سياسة ري ناجحة تتخطى العقبات والمشاكل السابقة الذكر يتطلب سن تشريعات قانونية تدعم سياسة تسعير مياه الري وتفرض العقوبات اللازمة على : المتجاوزين على حصصهم المائية ومواعيدها، تحد من فساد موظفي الري،  تحد من التلوث المائي، وتحد من تخطي عتبة الإنتاج الآمن في الخزانات الجوفية وذلك من خلال إتباع إجراءات :

1 – " تخفيض الدعم على مياه الري يشجع على كفاءة الاستخدام ويحد من تملح التربة.

2 – تسديد رسوم مياه الري لتغطية تكاليف التشغيل والصيانة.

3 – تسديد الرسوم إلى جمعية مستخدمي مياه الري لاستثمارها في تطوير وزيادة فعالية إدارة المياه وتحت إشراف رقابة مالية تعد سياسة حكمية.

3 – فرض ضرائب ( رسوم ) عالية على مستخدمي المياه الجوفية للري خاصة أن كان الحوض الجوفي قابل للنضوب أو ظهور مؤشرات عن الاستخدام غير الآمن.

4 – يتطلب حماية النظم المائية الحد من التوسع بالأراضي الزراعية للحفاظ على توازن الدورة المائية في الطبيعة والاهتمام بالمستجمعات المطرية وغطاءها الغابي ".

" إن ضبابية تحديد حقوق الملكية الخاصة والعامة للمورد المائي أدى لفشل سياسة سوق مياه الري وانعكس ذلك على : عدم صياغة سعر محدد لسوق المياه، السلوكيات والعادات السائدة التي تحدد من الفرص المتكافئة لجميع مستخدمي المياه، ووجود فرق بين التكاليف الهامشية الخاصة والتكاليف الهامشية الاجتماعية لإمدادات مياه الري ".

بيع المياه الرمادية إلى المزارعين :

تهدف الإدارة المتكاملة للموارد المائية تنمية مصادر المياه والحد من الهدر المائي عبر إتباع سياسة تدوير مياه الصرف الصحي لإعادة استخدامها في الري بعد إجراء معالجات أولية عليها، وتشجيع المزارعين على استخدامها كبديل عن مياه المجرى المائي وذلك عن طريق تخفيض أسعارها قياساً بسعر المتر المكعب من مياه المجرى المائي. مما يقلل من الأعباء المالية على المزارعين في دفع فاتورة مياه الري، وبالتالي تقليل النفقات على المنتجات الزراعية مما يحقق الربح المضاعف للمزارعين دون أن تتأثر نوعية الإنتاج باستخدام مياه مدورة في ري الأراضي الزراعية. لكن مازال سوق مياه الري المدورة يعاني من بعض التحفظ في دول العالم النامي بسبب العادات والتقاليد الموروثة والخاطئة وكذلك بعض الآثار الجانبية كالرائحة غير المستساغة لمياه الري المدورة التي تسبب حالات من الإزعاج للمزارعين والبيئة المحيطة تجعل بعض المزارعين يتجنب استخدامها.

 لكن نظام الحوافز الاقتصادية لاستخدام المياه المدورة في الري، يشجع المزارعين على تخطي الجوانب السلبية من استخدامها كـ : فارق السعر بينها وبين مياه المجرى المائي، تأمين سياسة مرنة للقروض الزراعية، تخفيض الضرائب والرسوم على المنتجات الزراعية ومستلزمات الإنتاج الزراعي، وتأمين نسبة مئوية من الدعم لشراء المخصبات الزراعية والمبيدات الحشرية والوقود لتشغيل مضخات المياه من الدولة. حيث تعد  محفزات تشجع المزارعين على التعاطي الإيجابي مع سياسات تنمية الموارد المائية والحد من الهدر المائي واستخدام المياه المدورة في الري الزراعي.  

بيع مياه الشرب النقية إلى المستهلك :

إن سياسة دعم سعر مياه الشرب لم تعد سارية ( إلى حد ما ) في معظم دول العالم، وإنما حل مكانها سياسة استرداد كامل قيمة المياه من المستهلك نظراً لحجم الهدر المائي والتكاليف الباهظة التي تتحملها الدولة جراء سياسة دعم مياه الشرب. وقد اصطدمت سياسة استرداد كامل قيمة المياه بالدخل المنخفض للمواطن خاصة في الدول الفقيرة، مما جعل الحكومات أمام خيارين : استرداد كامل قيمة المياه من المستهلك وبالتالي تناقص عدد المستهلكين بسبب عدم قدرتهم على دفع تكاليف مياه الشرب النظيفة وتفضيلهم استخدام المياه من مصادرها الطبيعية والتي قد تكون ملوثة فتزيد من نسبة الأمراض في المجتمع وبالمحصلة تتضاعف النفقات المالية الحكومية على الجانب الصحي. وأما الاستمرار في دعم سياسة الأسعار للفئات الفقيرة والمهمشة مقابل استرداد كامل قيمة المياه من الفئات الغنية تبعاً لاختلاف المناطق السكانية ودرجة رقيها وخدماتها. وأما تزويد السكان بنوعين من المياه،

 " كأن يزود السكان لمدة 6 ساعات في اليوم بمياه عالية النقاوة وصالحة للشرب تسترد من خلالها كامل قيمة المياه ونحو 18 ساعة يزود السكان بمياه أقل نقاوة وغير صالحة للشرب وإنما للغسل والاستخدامات المنزلية الأخرى، وأيضاً تسترد كامل قيمتها والتي يكون سعرها أقل من سعر مياه الشرب ".

" ليس من الضروري أن تضخ المياه الصالحة للشرب عبر الأنابيب لأبناء المدن والتي تصل بين ( 300 – 500 ) لتر في اليوم للفرد، وإنما تزويدهم بكمية كبيرة من المياه ذات نوعية أقل تصلح للاستخدامات البشرية دون الشرب. لذلك يجب إنشاء مجموعتين من شبكات الأنابيب واحدة لضخ كمية غير كبيرة من المياه ولكن بمواصفات عالية ونوعية جيدة تصلح للشرب ( يستهلك الفرد يومياً بين 1.5 – 2 لتر ماء شرب ) والشبكة الثانية للأنابيب تضخ بها مياه بمواصفات ونوعية أقل ( لا تصلح للشرب لكنها تصلح للغسيل وغيره ) كما هو الحال في كل من باريس وطوكيو. وفي بطرسبرج اعتمدت أغلب المصانع على المياه الجوفية بدلاً من شبكات مياه الشرب. واستخدمت الولايات المتحدة الأمريكية مياه البحر في استخداماتها الصناعية والتي تشكل نحو 20% من إجمالي استهلاكها المائي في القطاع الصناعي ". وفي معظم الدول الغنية في العالم تم اعتماد سياسة استرداد كامل قيمة مياه الشرب من المستهلك وبما يتناسب ودخله المعاشي، وبالمحصلة حجبت سياسة الدعم الحكومي لمياه الشرب بالكامل وأصبح المستهلك يدفع الكلفة الحقيقية. وبالمقابل فإن الخدمات المائية بكافة أشكالها قد تحسنت بما فيها مواصفات مياه الشرب التي تجاوزت مقاييس منظمة الصحة العالمية.

 

ملاحظة : للمزيد من المعلومات والاطلاع على المصادر راجع كتابنا ( الإدارة المتكاملة للموارد المائية ) قيد الطبع ويعد الكتاب رقم 19 عن المياه في الشرق الأوسط.

الباحث والخبير بشؤون المياه في الشرق الأوسط

صاحب الربيعي

 الموقع الشخصي للكاتب : http://www.watersexpert.se/