المدخل

 

لا يمكن عدّ الفرد ذا شخصية ثابتة طوال الوقت، لأنه كائن حي، يتأثر سلباً بعوامل المحيط الاجتماعي، أو إيجاباً، حيث تحفِّز رواسبه المتباينة الكامنة، أو تخمدها، ومن ثم؛ تتأثر آليات الجسد المختلفة المتحكّمة بالسلوك، ليكون سلوك الفرد منسجماً مع قِيَم المجتمع، أو متعارضاً معها.

 وليس سهلاً قسر الذات على تقمّص شخصية ما مستجيبة إلى المحيط الاجتماعي في كل الأوقات، لأنها ليست آلة أوتوماتيكية، يجري التحكم بها على نحو كلي، إنها ذات سجية أحياناً، ترفض الانصياع إلى ضوابط العقل الواعي ذي المسار الواحد خلال كل محطات العمر. لكل محطة عمرية من حياة الإنسان شخصية ما متأثرة بقِيَم العائلة والمجتمع، فالتحوّلات الجارية في شخصية الفرد، لا تقتصر على تحوّلات إيجابية فقط، وإنما قد تكون تحوّلات سلبية، تحرف سلوكه العام إلى سلوك مغاير تماماً.

إن نتائج البحوث النفسية وتطبيقاتها العملية في انتزاع السلوكيات غير السوية من وجدان المجتمع، أو غرس سلوكيات معينة، ومن ثم؛ التحكّم إيجاباً، بالأفراد والجماعات، أو سلباً، وسعت أوجه التخصّصات العلمية والتطبيقية، اللتين يستدل خلالهما على أفضل السبل لتمرير توجّهات معينة، أو حجبها عن المجتمعات، في اللاوعي، من دون الحاجة إلى استخدام العنف، وعلى نحو خاص، العمل على تجيير ولائهم إلى الدولة.

علم النفس الثقافي يجد أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين الثقافة والسلوك، فما يطرأ من تطور في الثقافة المجتمعية أو انحدارها يؤثر إيجاباً في سلوك المجتمع العام، أو سلباً، على الرغم من وجود تأثير ما لرواسب الذات الكامنة، بِعَدّها خاصية بشرية كامنة، بدورها، تتأثر إيجاباً بالمكتسبات الثقافية، أو سلباً، لتنعكس على سلوك المجتمع العام.

تُعدّ معظم أمراض الجهاز العصبي أمراضاً وراثية، على نحو عام، تُفعلها المشكلات الصعبة التي تواجه الفرد، في الحياة العامة، والتي تفوق قدرته على إدراكها، أو تخطّي عقباتها. ومع الزمن، تترك أثرها السلبي في الجهاز العصبي، بِعَدّها نتاجاً لإفرازات العالم المعاصر، ومن أهمها الضغوط النفسية، والاكتئاب، والقلق، والاضطراب، وارتفاع ضغط الدم، والسكر، واضطراب نبضات القلب... وغيرها، ما يدل على نحو عام أن الأمراض النفسية ذات جذر وراثي، وتتأثر بعوامل المحيط المكانية المعاصرة والزمانية.

إن بناء طبقات السلوك التكويني في الذاكرة يمثل محطات زمنية متباينة من حياة الفرد، ولا يجري تغيير السلوك الذاتي أتوماتيكياً، باكتساب وحدة قيمية ما، لتعكس سلوكاً آنياً، وإنما يجري تغيّر السلوك، مع اكتمال بناء طبقة السلوك التكويني في الذاكرة، تبعاً إلى متطلباتها من الاكتساب القِيَمي الجديد، لتعكس سلوك مكتسباتها القيمية، بوحدة متكاملة، لا وحدات مجزأة.

يتطلّب تنشئة جيل جديد إعادة تقييم أخلاقيات المجتمع العامة على نحو مستمر، وتوظيف نتائجها، في إعداد البرامج التعليمية التربوية، فالقيمة الأخلاقية ـ على نحو عام ـ تعكس سلوكاً ما في المجتمع، فإن كان سلوكاً سوياً، يتطلّب ترسيخ القيمة الأخلاقية في وجدان المجتمع. وإن كان سلوكاً غير سوي، تطلب انتراع القيمة الأخلاقية من وجدان المجتمع، وغرس قيمة أخلاقية بديلة، تتوافق مع متطلّبات الحاضر.

تُعدّ العملية التعليمية التربوية نشاطاً ذهنياً على نحو خاص، فمن دون توافر مناخات نفسية ملائمة، وإمكانات المتعلم الذاتية ليس سهلاً ضمان تواصل إيجابي بين المعلّم والمتعلّم، لأن ذهن المتعلّم عرضة إلى الإجهاد والوهن، ما يضعف استيعابه وتركيزه، فيقلّ إدراكه. لذلك يجب أن يتوافر المناخ النفسي الملائم إلى المتعلّم، ليشعر بالرضا عن أداء مهامه، في استيعاب المادة الدراسية، من دون إجهاد ذهني، تضعف قابليته على التعلّم والاكتساب المعرفي.

يتألف الكتاب من أربعة فصول، بمحاور رئيسة، وبنود فرعية، فالفصل الأول بمحورين أساسيين وبنود فرعية، فالمحور الأول يبحث في ماهية الشخصية وأنماطها السلوكية خلال بنوده أنماط الشخصية وتحولاتها الزمنية، واختلال الشخصية واضطراب سلوكها. والمحور الثاني يبحث في علم النفس وأنماطه السلوكية المتباينة خلال بنوده علم النفس الطبي التربوي وأنماطه السلوكية، وعلم النفس المعرفي الاجتماعي وأنماطه السلوكية.

 والفصل الثاني بمحورين أساسيين وبنود فرعية، فالمحور الأول يبحث في اختلال الجهاز العصبي واضطراب وظائفه. والمحور الثاني يبحث في ماهية السلوك وبنائه التكويني خلال بنوده تأثيرات عوامل المحيط والرواسب الكامنة في السلوك، والتحريض السلوكي ومنعكساته المتباينة.

 والفصل الثالث بمحورين أساسيين وبنود فرعية، فالمحور الأول يبحث في أسباب اختلال السلوك في المجتمع خلال بنوده المنظومة القيمية في المجتمع، ودور الفرد في المجتمع. والمحور الثاني يبحث في دور القانون في تحقيق العدالة وصيانة الحقوق خلال بنوده دور القانون في تحقيق العدالة، ودور القانون في صيانة الحقوق.

والفصل الرابع بمحورين أساسيين وبنود فرعية، فالمحور الأول يبحث في برامج التعلّم التربوي وأنماطها خلال بنوده برامج التعلّم وأنماطها، وبرامج التربية وأنماطها، وبرامج التعليم التربوي وأنماطها. والمحور الثاني يبحث في برامج تنمية القدرات الذاتية والمهارات المهنية خلال بنوده برامج تنمية القدرات والمهارات، وبرامج فنّ الإصغاء والتحليل، وبرامج تنمية الثقة بالنفس والاستقلالية. وأخيراً لائحة بالمراجع التي جرى الاقتباس منها.

السويد ـ ستوكهولم

                                                      أيلول     2014