حرب المياه بين العراق وتركيا

( الدوافع والأسباب )

 

 

رغم العلاقات التجارية المتميزة بين العراق وتركيا، لا تزال الخلافات المائية مثارا للجدل ولم يتوصل العراق إلى تسوية مرضية تضمن حقوقه المائية المكتسبة مع تركيا. انخفض تدفق مياه نهر الفرات بعد إنجاز القسم الأكبر من منشآت الـ GAP من 18 مليار م3 سنويا إلى 9 مليارات م3 سنويا ( بعد اتفاقية عام 1987 التي سميت بقاعدة الـ 500 م3/ ثا بين تركيا وسوريا) وحاجة العراق الفعلية تقدر بـ 13 مليار م3 سنويا مما أدى إلى الإضرار بخطط التنمية الزراعية, خاصة في تعاقب موجات الجفاف التي اجتاحت المنطقة في السنوات الأخيرة.

الخلافات الفنية - المائية بين تركيا والعراق :

1 ـ عدم استجابة تركيا لنداءات العراق المتكررة، بشأن زيادة حصته من مياه الفرات والتي لا تتناسب وحجم التطور التنموي والديمغرافي، وقد أخفقت جميع المحاولات، التي قام بها لعقد اتفاقات منفردة مع تركيا حيثُ تحاشت الأخيرة عقد مثل هذه الاتفاقيات، حتى لا تضطر لمثيلتها مع الجانب السوري، أو لوجوب مرورها عبر البوابة السورية لتأخذ طريقها للتنفيذ، وحينها لابد من دفع ضريبة المرور ( حينها ستطالب سوريا بزيادة حصتها أو تقاسم حصة العراق ).

وعوضاً عن ذلك طالبت تركيا العراق بجدولة مياه نهري دجلة والفرات في حساب الحصص وهي الطريقة ذاتها التي اعتمدتها مع سوريا خاصةً أن العراق يمتلك قناة الثرثار القادرة على تعويض النقص بمياه الفرات عبر مياه دجلة ( يعتقد بعض خبراء المياه أن قيام العراق بحفر قناة بين نهري دجلة والفرات قد مهد الطريق للمطالبة التركية بجدولة مياه النهرين واعتبارهما حوضا واحداً ). ولا أتفق مع ذلك لأن العراق كان ولا يزال بحاجة ماسة لتلك القناة، ويمكن دحض الحجَّة التركية ( بشأن اعتبار نهري دجلة والفرات حوضاً واحداً، نتيجة وجود قناة فيما بينهما ) من خلال النقاط أدناه:

* إن هذه القناة تقوم فقط بخدمة الجزء الثاني من حوض الفرات في العراق، أما المسافة الممتدة (الجزء الأول) بين الحدود السورية وسد القادسية الذي يقع على نهر الفرات والبالغة 120 كم فإنها لن تستفيد من عملية التحويل.

* إن مياه بحيرة الثرثار الواقعة على نهر دجلة ذات ملوحة عالية وقد تسبب الإساءة لنوعية المياه في نهر الفرات خاصةً أن الترب الزراعية العراقية ترب طينية كتيمة، مما يؤدي إلى تملح الأراضي الزراعية وخروجها من حيز الإنتاج.

* استغل سكان وادي الرافدين الخاصية الطبيعة الجغرافية لنهري دجلة والفرات وهي ارتفاع وادي الفرات عن وادي دجلة تارة وبالعكس تارة أخرى: "أن نهر دجلة في قسمه العلوي، يجري بمناسيب تعلو على مجرى نهر الفرات، وحين يصل إلى بغداد ينخفض عن نهر الفرات بسبعة أمتار تقريباً، ثم إذا سرنا جنوباً يعود فيصبح بالقرب من الكوت أعلى من نهر الفرات من جديد. وهنا ينحدر شط الغراف الذي يأخذ من الضفة اليمنى لنهر دجلة وينتهي إلى نهر الفرات عند الناصرية، وهذه الخصائص تساعد على تأمين الري من النهر الواحد والصرف إلى النهر الأخر بالتناوب بحيث يمكن شق جداول عديدة بين النهرين تمتد بصورة موازية لجريانها بالنسبة للنهرين وهذا يتوقف على المنطقة التي تقع فيها هذه الجداول". شق سكان وادي الرافدين أنهاراً عظمى من نهر الفرات إلى نهر دجلة ( وبالعكس ) كانت تروي أراضي واسعة، وقد استفاد العباسيون من بعضها بعد تطهيرها، على سبيل المثال النهر القديم الذي سموه بنهر عيسى، وكان اسمه في زمن البابليين ( قنال انليل ) أو ( باني انليل ) ولا تزال آثاره ماثلة قرب خرائب ( عقرقوف ).

يرفض العراق المطالبة التركية ويعتبرها تدخلاً فضاً في سيادته الإقليمية، وإن مشاريع الري داخل العراق تعد شأناً داخلياً وغير قابل للمساومة، وهذا ينسجم مع ما أقرته لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة في 17 / 6 / 1994 في مادتها الخامسة التي تنص على : حق دول المجرى المائي بأن تنتفع كل في إقليمها بالمجرى المائي الدولي بطريقة منصفة ومعقولة ويتوجب عليها التعاون في حمايته وتنميته. وبما أن العراق يقع في أسفل المجرى المائي فإن إجراءه لا يؤثر على دول المجرى ويتفق ومضمون تلك المادة. بالإضافة إلى ذلك فإن العراق لم يغير من مجرى النهرين وأنما عمل على إعادة مجاري القنوات القديمة (الحضارات القديمة) بين النهرين، وبالتالي فإن الحجّة التركية ليس لها ما يبررها أو يسندها على المستوى القانوني.

2 ـ باشرت تركيا بإقامة منشآتها المائية على نهر دجلة ( يقدر عددها بـ 8 منشآت ) وهذه السدود ستعمل على تخفيض كمية المياه المتدفقة تجاه العراق إلى حدود 50% كما قامت إيران بتشيد سدود مماثلة على روافد دجلة التي تجري من أراضيها مما قلل من إجمالي إيراد النهر بنسبة 60 ـ 70% من المياه الواردة من الأراضي الإيرانية تجاه الأراضي العراقية. في حين أن ما تبقى من إيرادات النهر ترفد عبر الأراضي العراقية، وتسبب هذا الوضع الخطير الضرر بالزراعة والسكان في العراق. وبالرغم من أن العراق يمتلك عدداً لا بأس من الخزانات المائية والسدود على نهر دجلة فإنها غير قادرة على تعويض النقص على المدى البعيد مما أخل بالموازنة المائية التي اتبعها العراق بشأن تعويض نقص المياه في نهر الفرات خاصةً أنه لم يستكمل مشاريعه المائية الستراتيجية على نهر دجلة وبشكل خاص مشروعي سدي بخمة وبادوش حيث انتهت المرحلة الأولى لسد بخمة في أوائل 1990 لكن العمل بالمشروع توقف بعد الحرب الخليجية الثانية. وكان من المفترض أن يزيد من الطاقة التخزينية المائية للعراق في حال استكماله لنحو 130 مليار م3.

3 ـ تلوث مياه الفرات: منذ أن باشرت تركيا بمشروعها الكاب المتضمن إقامة 21 سدا و 19 محطة كهرومائية لاستصلاح 1.9 مليون هكتار، تسببت الإضرار بنوعية المياه الجارية إلى كل من سوريا والعراق، والمتضرر الأكبر العراق باعتباره دولة المصب. ويرى العراق، أن المنشآت التركية أثرت سلباً على 1.3 مليون هكتار من الأراضي الزراعية ( أي 40% من الأراضي الصالحة للزراعة ) واجبر  العراق على إغلاق 4 مجمعات لتوليد الطاقة الكهرومائية تنتج 40% من الطاقة الكهربائية.

الخلافات التقنية- الزراعية بين تركيا والعراق :

تعتقد تركيا أن مطالبات العراق بزيادة حصته من المياه، لا تستند لأسس العلوم الزراعية لأن حصصه المائية المقررة كافية لمشاريعه التنموية والزراعية إن أحسن استخدامها تبعاً لمبادئ الإدارة المتكاملة للموارد المائية، والعراق مطالب بـ :

1 – إجراء جرد كامل لموارده المائية.

2 – إعادة تقييم للتقنيات المائية والزراعية المعتمدة سواءً في الري أو تراكيب التربة والأصناف الزراعية وطرق الزراعة.

3 – وعلى ضوء الاعتبارات السابقة يتم تحديد الحاجات المائية الفعلية. وإن تركيا غير معنية بالعجز المائي في العراق نتيجة سوء الإدارة المائية واتباع طرق بدائية في الري والزراعة على المستوى الوطني. ومستعدة لتقديم العون للعراق في المجالات التقنية والفنية لتحديد حاجاته المائية الفعلية.

من الناحية التقنية والفنية فإن المطالب التركية تعد مشروعة وسوء الإدارة المائية لعقود من الزمن ومازال تتحمله الحكومات المتوالية على العراق، لكن بذات الوقت يجب مناقشة المطالب التركية من الناحية الفنية حيث أن تنفيذها يتطلب :

1 – وقتاً طويلاً وقد لا تتطابق وجهات نظر الخبراء الفنيين بشانها مما يؤدي لعدم اعتمادها كصيغة لتحديد الحصص المائية وبالتالي العودة للمربع الأول أو طلب التحكيم الدولي.

2 – إبدال الأصناف النباتية المتدنية الانتاج والشرهة للماء يتطلب أموالاً طائلة وخطط طويلة الآجل.

3 – اعتماد الطرق التقنية الحديثة في الري يتطلب تفعيل الإرشاد الزراعي وتوعية الفلاحين بفوائدها وتوفير الاعتمادات المالية والسلف للفلاحين لإقتناءها وقد يستغرق ذلك وقتاً طويلاً.

4 – تحليل تراكيب الترب الزراعية تحتاج إلى مختبرات حديثة وكادر علمي لاختصار المدة الزمنية للاختبارات اللازمة ولا يمكن اعتماد ذات التقنيات التقليدية للوصول إلى النتائج المرجوة.

يتبين مما سبق أنه بالرغم من شرعية المطالب التقنية والفنية التركية لتحديد حصص مائية منصفة ومعقولة للعراق مقابل سوء إدارة الملف المائي في العراق منذ عقود ولغاية الآن، يتطلب أن تراعي تركيا ما يمر به العراق من حالة عدم استقرار سياسي وأولويات التوظيفات المالية في المشاريع التنموية التي تمس حياة المواطنيين المعيشية وعدم استغلال الظروف اللا طبيعية التي يمر بها العراق للمساهمة بمزيد من الفقر والجوع والتصحر.

شكل الأزمة والخلاف:

تكمن الأزمة والخلاف حول نوعية المياه المتدفقة، إضافة إلى نظام الحصص حيث تصر كلٌ من سوريا والعراق على زيادة حصتيهما المائية من 500 م3 / ثا إلى 700 م3/ ثا، فالخلاف يدور حول 200 م3 / ثا أي ما يعادل 6.3 مليار م3 سنويا. وترجع هذه المطالبة إلى ازدياد عدد السكان في كل من سوريا والعراق والزيادة المائية المطلوبة لسد حاجة 6.5 مليون نسمة يعملون في الحقل الزراعي. في حين أن تركيا تصر على التمسك باتفاقيتها مع سوريا (500 م3/ ثا) لعام 1987 ( 15.768 مليون م3 سنوياً ) والذي لم يكن العراق طرفاً فيها. ويؤكد الجانب السوري، بأن اتفاقية عام 1987 كانت مرحلية لحين الانتهاء من ملء خزان أتاتورك ومن ثم العودة إلى معدل التدفق السابق والبالغ 700 م3 / ثا أو الشروع بمفاوضات تضمن حصصاً عادلة لدول الحوض.

صرح ((هسنو بوراز)) معاون وزير الدولة لشؤون الزراعة التركي قائلاً: على الرغم من أن ( العراقيين والسوريين ) يطالبون بتدفق مائي قدره 700 م3 / ثا، فنحن نعلم أن كمية 500 م3 / ثا ستكون أكثر من كافٍ. وسبق أن ضمنت هذه الكمية لهم، فحجم المياه المتوفرة في سد الطبقة السوري إضافة إلى كمية الـ  500 م3 / ثا من تركيا ستكون أكثر من كافية لاحتياجاتهم.

الخلاف القانوني حول المياه بين تركيا والعراق :

تعتقد تركيا أن نهري دجلة والفرات عابران للحدود ولا يخضان للقانون الدولي حول الأنهار الدولية. وعلى خلافه جاء في تقرير لجنة القانون الدولي االتابعة للأمم المتحدة للعام 1993 ما يلي : لا يوجد أي خلاف جوهري حول مفهوم الأنهار الدولية والأنهار العابرة للحدود وشمولها بالقانون الدولي حول الأنهار الدولية.

إضافة إلى إسقاط تعابير قانونية لا تتفق والطبيعة الجغرافية لنهر الفرات، ولا المعايير الدولية كمفهوم (( الأنهار العابرة للحدود)) بدلاً من (( الأنهار الدولية )) و (( الاستخدام الأمثل)) و ((التوزيع المنصف والمعقول)) بدلاً من (( توزيع الحصص)) وهذا التلاعب بالمفاهيم القانونية لا يشكل حجَّة قانونية مقنعة في الفقه القانوي الدولي.  تعتبر كلاً من سوريا والعراق : " بأن نهري دجلة والفرات نهران دوليان. وتبعاً لذلك، تطالبان بحصة من مياههما. ومن الناحية الأخرى، فتركيا لا تقَّر بالطبيعة الدولية لهذين النهرين وتتحدث فقط عن انتفاع عقلاني وأمثل للحوض النهري العبر حدودي الوحيد والفريد، أو عن المياه عبر حدودية أو المياه العابرة للحدود. زد على ذلك، أن تركيا ترى أن الاستخدام اللا محدود لهذه المياه طبقاً لا حتياجاتها هو حقها الطبيعي الأكبر".

الخلافات السياسية بين تركيا والعراق :

تعتمد تركيا سياسة الربط بين الملفات الأمنية والملفات السياسية من جهة والملف المائي من جهة أخرى، وتعتقد أنه لا يمكن الوصول لحلول نهائية بشأن الملف المائي مع دول الجوار دون حل الملفات الأخرى كـ :

1 – إنهاء تواجد حزب العمال الكردستاني من الأراضي العراقية، وتتهم تركيا الإدارة الكردية في شمالي العراق بتقديم مساعدات لوجستية ومالية لشن هجمات ( إرهابية ) ضد مراكز حيوية في العمق التركي. ونتيجة ضعف المركز وعدم قدرته على فرض إرادته على كامل التراب العراقي فإن تركيا مضطرة للقيام بعمليات عسكرية داخل الأراضي العراقية للحد من نشاط المجموعات المعادية.

2 – رصدت أجهزة الاستخبارت التركية وجود أكثر من 36 مركز تجاري ( فنادق، محلات تجاري، شركات... ) في المدن العراقية خاصة في المحافظات الشمالية الثلاث والعاصمة بغداد تعمل تحت واجهات مشخصة لكنها تابعة لحزب العمال الكردستاني التركي تقدم الدعم المالي للقيام بنشاطات إرهابية ضد تركيا وقد استلم الجانب العراقي لائحة باسماء تلك الشركات الداعمة للارهاب لكنه لم يتخذ ما يلزم لإغلاقها أو كبح نشاطها الداعم للإرهاب.

3 – ترقب ومخاوف تركية من تنامي التوجهات الانفصالية للإدراة الكردية في العراق مما يشجع أكراد تركيا على مطلبات مماثلة في المستقبل.

4 – تصريحات استفزازية وغير موفقة لسياسيي أكراد العراق ضد تركيا لدعم المجموعات الانفصالية مما يشجع المسؤولين الأتراك على اتخاذ مواقف متشددة بشأن حبس مياه النهرين عن العراق للضغط على الحكومة العراقية للقيام بواجبها في ردع التصرفات اللا مسؤولة لتجار الحروب ضد جيران العراق.

تستخدم تركيا المياه كسلاح ضد العراق لحسم الملفات السياسية العالقة سابقة الذكر التي تتحمل نتائجها السلبية 15 محافظة عراقية نتيجة مصالح فئوية ضيقة تسعى بعض القوى السياسية لتحقيقها وعلى حساب بقية فئات الشعب العراقي.

وزارة الموارد المائية العراقية ( سوء الإدارة وضعف التنسيق ):

 إن اعتماد سياسة المحاصصة في تشكيل الحكومة العراقية وعدم توفر رجال دولة من المختصين في الكيانات الحزبية لتمثيلها في الوزارات العراقية دفعها لزج منتسبيها من الجهلة والأميين وأصحاب الشهادات المزورة من حثالات المجتمع لتسنم وظائف عليا في الدولة ونتيجة للفهم القاصر بماهية مؤسسات الدولة وعملها سعى كل مسؤول حزبي لزج منتسبي حزبه في كافة مرافق المؤسسات التخصصية دون النظر للكفاءة والخبرة وإقصاء أصحاب الكفاءات والخبرات من غير الحزبيين عنها مما أدى لإخفاق الوزارات والمؤسسات في عملها.

 على المستوى الوطني فشلت وزارة الموارد المائية في إدارة الملف المائي ولم تنجح في تشكيل لجنة عليا للمياه على مستوى القطر ولا إيجاد سُبل للتعاون والتنسيق مع الوزارات الأخرى للحد من الهدر المائي وتحديد الحصص المائية خاصة مع وزارة الزراعة مما أنعكس سلباً في الوقت الراهن على الواقع الزراعي.

وعلى المستوى الإقليمي لم تتمكن الوزارة من تفعيل عمل اللجنة الثلاثية ( العراقية، السورية، والتركية ) للشروع بمفاوضات حول تقاسم حصص المياه.

 وعلى المستوى العربي هناك قصور واضح في تنسيق المواقف المائية مع الجانب السوري وكذلك مع المنتديات المائية العربية والمؤسسات ذات الصلة في الجامعة العربية لحشد التأييد الإقليمي والدولي للضغط على تركيا لتأمين حصص مائية كافية للعراق خاصة بعد تعاقب موجات الجفاف وانعدام الأمطار على العراق. مع الإشارة إلى أن نفس الجهاز الإداري متربع على هرم الوزارة منذ سبعة سنوات لغاية الآن.

هناك تأشير من جهات سياسية ومائية عربية لتدني كفاءة وخبرة العراقيين المتصدين لملف المياه، وبحكم صلاتي مع تلك الجهات كنت اعتقد أن هذه الرؤية ذات خلفيات سياسية ومواقف مسبقة من النظام الجديد في العراق، لكني فوجئت في استضافة البرلمان العراقي لوزارة الموارد المائية لمناقشة أزمة المياه، وصعقت من الأسئلة الساذجة للبرلمانيين العراقيين والاجابات وكذلك من أعضاء لجنة الزراعة والمياه في البرلمان عند مناقشة النظام الداخلي لعمل وزارة الموارد المائية. وتعجبت من التصريحات الاعلامية الساذجة للمسؤولين عن لجنة الزراعة والمياه في البرلمان وجُلهم من غير المختصيين والملميين بأبسط المفاهيم والمصطلحات المائية، وزاد عجبي وأنا اسمع من فضائية عراقية لمستشار لجنة الزراعة والمياه في البرلمان لعدم تفريقه بين مفهوم التدفق المائي والتصريف المائي.

إن القائمين على ملف المياه في العراق جُلهم من غير المختصين وليس لهم دراية بالقانون الدولي حول الأنهار الدولية، لذلك فإن سوء الإدارة المائية خلال السنوات السبعة العجاف تعود لتسلط السياسيين من الجهلة والأميين على الشؤون المائية التخصصية، وإقصاء الكفاءات والخبرات الوطنية عنها.

اخفاق وزارة الخارجية العراقية في حشد التأييد الإقليمي والدولي للحفاظ على حقوق العراق المائية :

هذه الوزارة شأنها شأن الوزارات الأخرى خاضعة للمحاصصة السياسية سواءً على مستوى كوادرها الداخلية أو السفراء في الخارج بعيداً عن الكفاءة والخبرة والاختصاص، فالحكومة الناجحة تطير بجناحي الأعلام والسياسة الخارجية وكلاهما معوق في العراق. فالمواقف الهزيلة لوزارة الخارجية العراقية على الصعيد الإقليمي والدولي أضاعت الفرصة أمام عودت العراق للحضيرة الدولية، فعلى المستوى الإقليمي غاب دورها في إدارة ملف المياه مع تركيا وإيران وأصبح العراق عرضة لإبتزازهما دون رادع دبلوماسي وحشد ودعم إقليمي ودولي لمطالب العراق المائية من دول الجوار.

 أما إذا تم مقارنة هذه الحقبة الهزيلة وأزمة المياه مع دول الجوار مع الحقبة السابقة أبان التسعينات عند حبس تركيا لمياه الفرات سنجد ( بغض النظر عن اختلافنا مع النظام السابق وتوجهاته العدائية على المستوى الداخلي والخارجي ) عمدت الدبلوماسية العراقية في حينه على حشد الدعم العربي بالتنسيق والتعاون مع سوريا لدعم حقوق العراق المائية فعلى سبيل المثال :

   ·   أصدر مجلس الجامعة العربية بياناً بتاريخ 18/ 1 / 1990 في تونس جاء فيه" أن قرار الحكومة التركية بقطع مياه الفرات يلحق الضرر بكل من سوريا والعراق اللذين يمتلكان حقوقاً تاريخية ثابتة في مياه الفرات وفق أحكام القانون الدولي".

   ·   أصدر مجلس الجامعة العربية في دورته (98)  قراراً برقم (5233) د.ع في 12 /9/ 1992 جاء فيه:" الالتزام القومي بالحقوق الثابتة والمشروعة للدول العربية في الأنهار الدولية وخاصةً حقوق كل من سوريا والعراق في مياه نهري دجلة والفرات ومساندة جهود الدولتين العربيتين في التوصل إلى اتفاق حول اقتسام عادل لمياه النهرين انطلاقا من حرص الدول العربية على تعزيز العلاقات الأخوية والروابط التاريخية بين تركيا وسائر البلدان العربية.

   ·   أصدر مجلس الجامعة العربية في دورته (99) قراراً برقم (5286) د.ع في 19 /4/ 1993 جاء فيه" تأكيد على الحقوق العربية الثابتة في مياه الأنهار الدولية ودعم الحقوق التاريخية  المكتسبة لكل من سوريا والعراق".

   ·   قدمت الحكومة السورية مذكرة احتجاج بتاريخ 18/7 /1993 للحكومة التركية بسبب عدم التنسيق معها بشأن إنشاء السدود الجديدة على نهري دجلة والفرات.

   ·   قدمت الحكومة السورية مذكرة احتجاج بتاريخ 3 /1/1995 للأمم المتحدة وأعضاء مجلس الأمن على سدي(بيروجيك، وقرقميش) المزمع إنشائهما على نهر الفرات الدولي اعترضت على أي مساعدة دولية لتمويل المشروع دون توصل دول الحوض إلى اتفاق بشأن توزيع الحصص.

   ·   اجتمعت اللجنة الفنية السورية- العراقية المشتركة في شباط 1996 اتخذت القرارات التالية:

  1.  حرمان الشركات الأجنبية التي تعمل على تنفيذ عقود العمل بالسدود التركية من أي فرص للعمل في سوريا والعراق.

  2.  الملاحقة القانونية لهذه الشركات بسبب عدم استئذانها دول الحوض الأخرى.

  3.  وضع صيغة للتحرك المشترك تجاه المشاريع التركية التي تتم على نهر الفرات.

  4.  دعوت تركيا إلى عقد اجتماع على مستوى وزراء الخارجية لبحث موضوع المياه.

   ·   أعدت الإدارة العسكرية للجامعة العربية تقريراً عرضته على اجتماع وزراء الخارجية العرب المنعقد في القاهرة في آذار 1996 ومن أهم جاء في بنوده بقدر ما يتعلق بموضوعنا ما يلي :

1- أن تركيا ستستخدم مياه الفرات لأغراض سياسية ضد كل من سوريا والعراق .

2- اتهام تركيا بالمماطلة في إجراء مفاوضات ثلاثية يطالب بها كل من سوريا والعراق وتهدف هذه المماطلة خلق حالة الأمر الواقع بحيث تصبح الكميات المستقطعة من المياه حقا مكتسبا لها.

3- انتقد التقرير مشروع "أنابيب السلام" الذي اقترحته تركيا عام 1987 والذي يقضي بنقل 6 ملايين متر مكعب يوميا من نهري "سيحان وجيحان" إلى ثمان دول عربية.

4- أن تركيا تسعى إلى تعزيز دورها الإقليمي في الشرق الأوسط من خلال إقامة مشاريعها المائية التي ستضر بالأمن القومي العربي.

5- انتقد التقرير محاولة تركيا لاستخدام "المياه كسلعة قابلة للبيع والشراء" ومحاولتها لعقد اتفاقات مع إسرائيل لبيع المياه والتي ستشكل معادلة جديدة تحاول تركيا فرضها مستقبلا على العرب.

6- الاتفاقية العسكرية التركية - الإسرائيلية ( شباط 1996) تشكل تهديداً خطيراً على الأمن القومي العربي.

   ·   اجتماع مجلس الجامعة العربية في دورته (105) عام 1996 وقد أصدر المجلس قراراً يدعم حقوق سوريا والعراق في مياه نهري دجلة والفرات، حيثُ أكد ما يلي:

  1.  دعم حقوق سوريا والعراق في مياه دجلة والفرات وتأييد جهدهما للتوصل إلى اتفاق ثلاثي وفق القانون الدولي للأنهار الدولية.

  2.  دعوة تركيا إلى أجراء حوار ثلاثي مع دول الحوض وفق أحكام القانون الدولي المنظمة للمياه الدولية.

  3.  مناشدة المؤسسات المالية والدولية ربط تقديم أي قروض أو مساعدات مالية لتمويل المشاريع التركية بالتوصل إلى اتفاق مسبق مع دول الحوض.

  4.  دعوة تركيا إلى التشاور مع دول الحوض قبل إقامة أي سدود أو منشآت على نهري دجلة والفرات وفق القانون الدولي.

  5.  تبقى المسألة قيد المتابعة والنظر وتعرض على المجلس في دورته القادمة.

  6.  يكلف الأمين العام للجامعة العربية بمتابعة الموضوع مع الحكومات المعنية في دول الحوض.

  7.  إنشاء المركز العربي للدراسات المائية في دمشق.

السؤال المطروح أين الجهد الدبلماسي العراقي في الوقت الراهن لحشد الدعم التأييد الإقليمي والدولي لضمان حقوق المياه العراقية؟. بالرغم من وجود دعم دولي وأمريكي للحكومة العراقية في الوقت الراهن قياساً بالحقبة السابقة من أزمة المياه مع تركيا. إن عدم الكفاءة والخبرة وسياسة الإقصاء للكفاءات العراقية لصالح الكائنات الحزبية من الجهلة والأميين جعل العراق لقمة سائغة لدول الجوار وضيع حقوق العراق المائية.

المعالجات المطلوبة من الحكومة العراقية :

1 – إنهاء تواجد حزب العمال الكردستاني التركي على الأراضي العراقية عبر فرض الدولة لوجودها على كامل التراب العراقي وإلزام الإدارة الكردية بالإنصياع للقرارات السيادية والثوابت الوطنية وعدم إضعاف العراق وتقديم المبررات لدول الجوار للإعتداء على الآراضي العراقية.

2 – إغلاق كافة الواجهات والشركات غير الشرعية التي تمول المنظمات الإرهابية المعادية لدول الجوار على الأراضي العراقية والتي تعمل على الإضرار بالعلاقات مع دول الجوار وإخضاع الشركات والتحويلات المالية للضوابط القانونية التي تحول دون وصولها للمنظمات الإرهابية.

3 – ترشيد التصريحات الصحافية للسياسين خاصة المتعلق منها بالعلاقات مع دول الجوار، وعدم السماح بتمرير رسائل خاطئة تضر بالمصالح العليا للعراق.

4 – تحسين العلاقات السياسية والتجارية مع دول المتشاطئة خاصة وربطها بملف المياه لتأمين حصة العراق المائية.

5 – نبذ سياسة المحاصصة السياسية واعتماد معيار الكفاءة والخبرة لاحتلال المراكز الوظيفية في مؤسسات الدولة، والاستفادة من كافة الخبرات لتقوية موقف العراق التفاوضي مع الدول المتشاطئة.

6 – تفعيل دور الخارجية العراقية ورفدها بالخبرات والكفاءات القادرة على عرض صورة أفضل للعراق على المستوى الإقليمي والدولي.

7 – إقصاء الكائنات الحزبية من الجهلة والأميين وأصحاب الشهادات المزورة من مؤسسات الدولة واعتماد مبدأ التنافس الحر في تبوء المراكز الوظيفية.

اقتراح ونداء لكافة المهتمين بالشأن المائي في العراق :

إن العراق معرض لكارثة بيئية ستقضي على الزرع والضرع في الفترة القريبة القادمة، وبوجود أجندة إقليمية لتقسيم العراق تضطلع بتنفيذها أيدي خفية في الداخل، نوجه ندائنا لأصحاب الضمائر الحية في داخل العراق وخارجه لنبذ الخلافات والتناحر لإنقاذ العراق من الكارثة البيئية ( العراق في دائرة خطر ) بعد أن عجزت الجهات الحكومية ذات الشأن الحفاظ على حقوق العراق المائية، ندعو الجامعة العربية لتبني عقد مؤتمر للمهتمين بالشأن المائي العراقي من مختصيين وقانونيين ( مستقليين وحكوميين ومؤسسات دولية وإقليمية ومنظمات الأمم المتحدة ذات الصلة ) لإيجاد الحلول اللازمة لإنقاذ العراق من كارثة بيئية حتمية والشروع بحملة دولية لمساعدة العراق في تجاوز أزمته المائية وحشد التأييد الشعبي على المستوى الداخلي والعربي للضغط على تركيا لإبرام معاهدة مائية نهائية يضمن العراق من خلالها حقوقه المائية.

الباحث والخبير بشؤون المياه في الشرق الأوسط

صاحب الربيعي

http://www.watersexpert.se/