أزمة المياه بين العراق ودول المنبع

( التدويل والتحكيم الدولي )

 

بعيداً عن سياسة التهريج ومقالات الهتافة المتقافزين كل موسم في كياني حزبي من غير المختصين الذين تنقصهم المعرفة البسيطة بالمفاهيم المائية وقواعد القانون الدولي للأنهار الدولية، والمولعين بالسرد الصحافي في شأن تخصصي لا يحتمل الاجتهاد الشخصي، لتوظيفه في فعل الشهرة الرخيصة عبر أتباع ممارسات لصوصية لسرقة جهدنا الأكاديمي وحشره في مقالاتهم دون ذكر المصدر أو دون تحديد حجم الاقتباس واحتال البعض منهم فذكرنا بشكل هامشي. إن حشر معلومات تخصصية مجتزأة في مقالة سياسية، تعد محاولة بائسة للإدعاء الفارغ بالمعرفة بشأن تخصصي يحتاج للدراسة والتحصل الأكاديمي والخبرة العلمية.

 منذ أكثر من شهر طُلب رأينا من بعض وكالات الأنباء بما يثار من كتابات صحافية حول تدويل أزمة المياه في العراق، وأبدينا رأينا بشكل مختصر ونشر في حينه، وفضلنا الانتظار حتى يفرغ غير المختصين ما بجعبتهم من آراء سياسية غير مسؤولة لندلي برأينا التخصصي للفصل بين الرأي السياسي والرأي التخصصي، بالإضافة لقطع الطريق على المحتالين واللصوص لسرقة جهدنا وتوظيفه في مقالاتهم السياسية البائسة. وبناءً عليه سنعمد مستقبلاً على نشر أسمائهم وصورهم ومقالاتهم على لائحة اللصوص في موقعنا الشخصي إن تكررت أفعالهم اللصوصية المشينة!.

وبالعودة للعنوان الرئيس لتبيان أوجه الفرق بين آليات تدويل أزمة المياه في العراق وآليات اللجوء إلى التحكيم الدولي لاسترداد الحقوق المائية المكتسبة للعراق، نبحث في المحاور أدناه :

أولاً – التدويل لأزمة المياه بين العراق ودول المنبع :

حين تعجز الدول المتشاطئة للوصول إلى حلول مرضية لتوزيع حصص مائية منصفة وعادلة فيما بينها في النهر الدولي، ينتاب أحد الأطراف ( خاصة دولة المصب ) الشعور بالغبن في الانتقاص من حقوقه المائية المكتسبة وتضرر مصالحه الوطنية. فإما أن يعلن الحرب ( شرط امتلاكه القوة العسكرية الرادعة ) لاستعادة حقوقه المغتصبة وفرض شروطه بالقوة على دول المنبع، وأما أن يلجأ للطرق الدبلوماسية لتحشيد الرأي العام العالمي والمنظمات الدولية ذات الصلة للضغط على دولة المنبع للنظر في حقوقه ومطالبه المائية ( وغالباً ما تعتمده الدول غير القادرة على فرض إرادتها بالقوة العسكرية ).

 وبالرغم من أن الحل الثاني السبيل الوحيد للعراق في الوقت الراهن فإنه ليس مضموناً بالقدر الكافي لعدم امتلاكه آليات التحشيد الدولي والعلاقات الدولية اللازمة لممارسة الضغط السياسي على دول المنبع نتيجة ضعف جهده الدبلوماسي وترهل عمل القابضين على خناق وزارة الخارجية والموارد المائية العراقية وبالتالي هشاشة علاقاته على المستوى الإقليمي والدولي.

إن الشرط الأساس لنجاح التحشيد الدولي لممارسة الضغط الدبلوماسي والسياسي والشعبي على دول المنبع، امتلاك الآليات المناسبة لتوظيفها بالفعل السياسي كوجوب تقديم دراسات قانونية مستندة لقواعد القانون الدولي للأنهار الدولية لتأكيد شرعية المطالب المشروعة للعراق في مياه الأنهار الدولية، ودراسات تقنية دقيقة عن حجم الأضرار المتوقعة ( البيئية، التنموية، الزراعية، الصناعية، والبشرية... ) التي يمكن أن يتعرض لها العراق حال عدم حصوله على مياه كافية لتلبية متطلباته الأساس.

كما يتطلب أن تكون الدراسات المقدمة للجهات الدولية ذات الصلة والمراد إشراكها في فعل التحشيد الدولي للممارسة الضغط السياسي ذات معايير وأهداف متنوعة ومرتبط بمهام كل جهة دولية بصورة منفردة، فعلى سبيل المثال هناك منظمات دولية متعددة للأمم المتحدة تعنى بالشؤون التنموية المختلفة ( البيئة، مكافحة التصحر، الغابات، المياه، الزراعة، مكافحة الفقر والجوع، الصحة.... ) والتي تعد منظمات متخصصة لكل منها مهام محددة تعنى بها حول العالم، لذلك يجب أن تكون الدراسات المقدمة لها تتوافق مع مهامها وبالتالي يمكن إقناعها بسهولة بالمشاركة في الحشد الدولي لممارسة الضغط السياسي والتعبوي ضد دول المنبع لوجود مصالح وصلات مماثلة لها مع ذات المنظمات الدولية ( على سبيل المثال تعرضت البنوك الدولية الممولة لمشروع بناء سد إليسو التركي على نهر دجلة لضغوط كبيرة من المنظمات الدولية المختلفة وكذلك منظمات المجتمع المدني مما اضطرها لسحب دعمها للمشروع ).

ويختلف الأمر في توظيف الفعل التعبوي ( الشعبي ) من خلال إشراك شبكة منظمات المجتمع المدني في العالم كمنظمات ( حقوق الإنسان، الجندر، المساواة، السلام، أصدقاء البيئة، ومساعدة المهجرين بفعل كوارث الجفاف والحروب ... ) فيجب أن تكون الدراسات والخطاب الموجهة إليها متناغم مع طبيعة مهامها كمنظمات إنسانية لضمان الحصول على مساندتها للحملة الدولية للدفاع عن سكان بلاد ما بين النهرين المعرضين للهجرة بفعل الجفاف وانتهاك الحقوق المدنية من قبل دول المنبع نتيجة حبسها لمياه الأنهار الدولية تجاه دولة المصب.

آليات التحشيد الدولي لتدويل أزمة المياه ومناصرة الحقوق المائية المكتسبة للعراق :

1 – وجود دراسات علمية ( تقنية وقانونية ) دقيقة عن الأزمة المائية.

2 – وجود دراسات علمية دقيقة عن الواقع المائي والمتطلبات الآنية والمستقبلية.

3 – وجود كوادر متخصصة وفعالة في وزارة الخارجية العراقية قادرة على توظيف القنوات الدبلوماسية اللازمة للوصول إلى المنظمات الدولية ذات الصلة.

4 – وجود كفاءات علمية متخصصة وفعالة للعراق في المنظمات الدولية ذات الشأن.

5 – وجود ستراتيجية مائية على مستوى القطر لأمد بعيد يمكن توظيف أهدافها في الحملة الدولية لحشد التأييد لاستعادة الحقوق المائية المكتسبة للعراق.

6 – وجود نشاط ودور فعال لمنظمات المجتمع المدني في العراق ذات صلات فعالة مع مثيلاتها في العالم لتوظيفها في فعل التحشيد لكسب تعاطف وتأييد مطالب العراق المائية.

7 – توظيف علاقات العراق في التكتلات الإقليمية والدولية ( الجامعة العربية، منظمة المؤتمر الإسلامي، منظمة دول عدم الانحياز، منظمة اتحاد الدول الأفريقية، والاتحاد الأوروبي ... ) في الحملة الدولية لمناصرة مطالب المائية المشروعة للعراق من دول المنبع.

8 – توظيف جهود منظمات المجتمع المدني للجاليات العراقية في المهجر للضغط على حكوماتها لمناصرة مطالب الدولة الأم، وتنظيم مسيرات احتجاج ضد سفارات دول المنبع، واستثمار علاقاتها مع المنظمات المماثلة لكسب تأييدها ومناصرتها في المنتديات الوطنية في المهجر أو على مستوى شبكاتها في الاتحاد الأوروبي.

إن الآليات السابقة في إجمالها تتطلب جهوداً كبيرة وصلات دولية مختلفة، وتعد من مهام وزارة الخارجية والموارد المائية العراقية على وجه الخصوص وبالتعاون مع الوزارات الأخرى، وللأسف القائمون على كلا الوزارتين غير مؤهلين للنهوض بهذه المهام الوطنية لاعتبارات عديدة سبق أن تناولنا قسماً منها في دراساتنا السابقة.      

ثانياً - التحكيم الدولي في الأنهار الدولية غير الملاحية بين العراق ودول المنبع :

يخضع النهر الدولي لأحكام القانون الدولي للأنهار الدولية الملاحية التي أقرتها الأمم المتحدة ( لجنة القانون الدولي ) المُلزمة لكافة أعضاء الأمم المتحدة ( بغض النظر عن مصادقة الدولة عليها ) أو ( جمعية القانون الدولي ) للإستئناس بأحكامها عند خلو الاتفاقيات الإطارية للأمم المتمحدة منها بإعتبارها سابقة قانونية. بالنسبة لنهري دجلة والفرات يعدان نهراين دوليين لكنهما غير ملاحيين لا يخضان كلياً لأحكام القانون الدولي حول الأنهار الدولية ( الملاحية ) حيث لم يلحظ التوصيف القانوني للأنهار الدولية، الأنهار غير الملاحية لأنها معدة أصلاً للأنهار الدولية الملاحية. لذلك أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 21 / 6 / 1997، الاتفاقية الإطارية لاستخدامات المجاري المائية الدولية غير الملاحية.

وبشأن عدم توصل الدول المتشاطئة لإتفاق حول توزيع مياه النهر الدولي غير الملاحي، وتطور الأمر إلى نزاع مائي يمكن أن يهدد السلم العالمي أو الإقليمي بين الدول المتشاطئة. يمكن أن تلجأ إحدى الدول المتضررة إلى التحكيم الدولي ( شرط موافقة كافة أطراف النزاع على ذلك ) استناداً لأحكام الاتفاقية الاطارية للأنهار غير الملاحية وعملاً بالمادة 33 ( باب التحكيم الدولي ) وتبعاً للمواد ( 2 – 14 ) التي تنص أهمها على :

1 – " المادة الثانية : يخطر الطرف المدعى عليه بأن يحيل نزاعاً إلى التحكيم، ويحدد الإخطار موضع التحكيم ( بوجه خاص ) مواد الاتفاقية التي يكون تفسيرها أو تطبيقها محل نزاع.

2 – المادة الثالثة : تنص على

- في حالة وقوع نزاع بين طرفين، تتشكل محكمة التحكيم من ثلاثة أعضاء. ويعين كل طرف من أطراف النزاع محكماً ثالثاً يتولى رئاسة الهيئة. ولا يجوز أن يكون المحكم من حاملي جنسية أحد أطراف النزاع أو أي دولة متشاطئة للمجرى المائي المعني ولا أن يكون محل إقامته العادية في إقليم أحد هذين الطرفين أو في هذه الدولة المتشاطئة للمجرى المائي ولا أن يكون قد تناول القضية بأي صفة أخرى.

- في حال النزاع بين أكثر من طرفين، تعين الأطراف التي لها مصلحة واحدة بالاتفاق محكماً واحداً.

- يجري ملء أي منصب شاغر بالطريقة المحددة لبداية التعين.

3 - المادة الرابعة : تنص على

- إذا لم يعين رئيس لهيئة التحكيم خلال شهرين من تعين المحكم الثاني، يقوم رئيس محكمة العدل الدولية، بناءً على طلب أحد الأطراف بتعينه خلال فترة شهرين.

- إذا لم يعين أحد أطراف النزاع محكماً خلال شهرين من تلقي الطلب، يجوز للطرف الآخر إبلاغ رئيس محكمة العدل الدولية الذي يقوم بتعين المحكم الآخر خلال شهرين آخرين.

4 – المادة الثامنة :

- على أطراف النزاع تيسير عمل هيئة التحكيم عبر : تزويدها بجميع الوثائق والمعلومات ذات الصلة. تمكينها عند اقتضاء الحاجة من استدعاء شهود وخبراء وتلقي شهادتهم. يلتزم الأطراف والمحكمون بحماية سرية أية معلومات يتلقونها بوصفها سراً خلال سير التحكيم.

5 – المادة الثانية عشرة : تتخذ هيئة التحكيم قراراتها بالنسبة للإجراءات والمضمون بأغلبية أصوات الأعضاء.

6 – المادة الثالثة عشرة : في حال عدم مثول أحد أطراف النزاع أمام هيئة التحكيم أو إخفاقه في الدفاع عن قضيته، يجوز للطرف الآخر أن يطلب من الهيئة الاستمرار في قضيته. ويجب على هيئة التحكيم قبل إصدار القرار النهائي، أن تتأكد من أن الادعاء يستند إلى أساس قوي من حيث الواقع والقانون.

 7 – المادة الرابعة عشر :

- تصدر هيئة التحكيم قرارها النهائي خلال خمسة أشهر من التاريخ الذي استكمل فيه تشكيلها، ما لم تجد من الضروري تمديد الفترة المحددة لفترة أخرى على أن لا تتجاوز خمسة أشهر.

- يكون الحكم مُلزماً لأطراف النزاع، وغير قابل للاستئناف، ما لم تكن أطراف النزاع قد اتفقت مسبقاً على إجراء الطعن.

- لأي من طرفي النزاع أن يعرض أي خلاف قد ينشأ فيما يتعلق بتفسير القرار النهائي أو طريقة تنفيذه على هيئة التحكيم التي أصدرت القرار للبت في الخلاف ".

فرص العراق لكسب الدعوى القضائية وإجراء التحكيم :

1 -  لا يملك موارد مائية بديلة، وبالمقابل تمتلك كل من تركيا وسوريا وإيران موارد مائية بديلية.

2 - حقه التاريخي المكتسب في المياه من الأنهار الدولية كونه أول من استخدم المياه في الزراعة من دول الحوض، تبعاً لأحكام مبادئ هلسنكي للعام 1966.

3 - معرض لكارثة بيئية واقتصادية واجتماعية عند نقص المياه.

4 – أولوية مياه الشرب والزراعة بالنسبة للعراق ( تبعاً لمبادئ هلسنكي للعام 1966) على إنتاج الطاقة الكهرومائية واستخدام المياه للأغراض الصناعية بالنسبة للدول المتشاطئة.

5 – تحويل مجاري الأنهار الدولية إلى خارج منطقة الحوض أو حجبها أو تقليل تدفقها عن الدول المتشاطئة مما يتسبب بأضرار بيئية واقتصادية واجتماعية ( كما هو الحال في تحويل إيران مجرى نهر الكارون والتسبب بأضرار بيئية في شط العرب والمناطق الحدودية والتأثير السلبي على جريان مياه نهر دجلة في العراق ).

قرارات التحكيم الدولي ( الأثر والفعالية ) :

1 – خصائص قرار التحكيم : الصفة القانونية، إلزاميته لجميع الأطراف وعدم شموليته لكونه يخص قضية التحكيم فقط.

2 – المأخذ على محكمة العدل الدولية في قضايا التحكيم، ليس لديها آلية تنفيذية دولية تجبر الدول على تنفيذ قراراتها. حيث تستند ماهية وآلية التنفيذ ( المُغيبة ) إلى ميثاق الأمم المتحدة ( المادة 36 / 3 ) التي تعتبر قرارات محكمة العدل الدولية ذات حكم قضائي دولي ( قانوني ) وليست هيئة تحكيم دولية ذات تحكيم ( سياسي ) وفقاً لميثاق الأمم المتحدة ( المادة 39 ) الخاصة بحل نزاع بين دولتين يهدد الأمن والسلام العالمي.

3 – يتم تنفيذ الحكم الصادر عن هيئة تحكيم دولية بطريقتين : قيام الدولة الصادرة بحقها الحكم بتنفيذ الحكم بصورة اختيارية حفاظاً على سمعتها الدولية ( كما هو الحال في الحكم الصادر حول النزاع بين اليمن وإريتريا حول مجموعة جزر حنيش ) أو فرض تنفيذ القرار بالقوة وفقاً ( للمادة 39 ) من ميثاق الأمم المتحدة ( كما هو الحال في ترسيم الحدود بين العراق والكويت بعد حرب الخليج الثانية ).

4 – أساليب أخرى، يمكن استخدامها لإجبار الدولة الصادر بحقها الحكم على تنفيذه منها : ضغط الرأي العام الدولي، المقاطعة الاقتصادية والسياسية، ضغط التحالفات الدولية.

الباحث والخبير

 بشؤون المياه في الشرق الأوسط

صاحب الربيعي

الموقع الشخصي للكاتب :

http://www.watersexpert.se