صدر في دمشق كتاب جديد للكاتب صاحب الربيعي

 بعنوان (( رؤية في مؤسسات الدولة والمجتمع ))

 

وجاء في مدخل الكتاب :

يشترط التأسيس للحوار السياسي اتفاقاً سابقاً على ماهية المفاهيم السياسية ومدلولاتها للوصول إلى فهم مشترك عن أساليب الحوار وصولاً إلى القواسم المشتركة، ومن دونه يصبح الحوار جدلاً من دون نتيجة. لأن اختلاف ، قصور، الرؤى في المفاهيم السياسية ومدلولاتها يدل على جهل بماهية السياسية بعدّها علماً قائماً في ذاته وليست هواية يمكن أن يمارسها أي جاهل أو أمي في المجتمع كما هو الحال في معظم الدول المتخلفة. إن مستوى الحوار ، التفاوض، السياسي يظهر مستوى النخبة السياسية ومن ثم يشير إلى جدية الحوار أوعدمها، فالأعراف السياسية والدبلوماسية توجب تكافؤ النخب السياسية المتحاورة بالمراكز والصلاحيات قبل الشروع بالحوار ذاته. وهذا التأسيس يحدد مستوى الحوار وإمكان البحث في المرافق العقدية، وليس الجزئية التي تترك لمستوى أدنى من المتحاورين.

أي إن السياسة بعدّها علماً قائماً في ذاته، تتحدد فيها المفاهيم السياسية ومدلولاتها ولا حاجة لمؤديها إلى البحث في تفاصيلها لتأسيس قاعدة للحوار. والسياسة بعدّها فن الكذب والخداع ومؤديها من الجهلة والأميين يتطلب سبر ثقافة شخوصها واستيعابهم للمفاهيم والمدلولات السياسية قبل البدء في الحوار، وإلا فإن الخوض في غمار النقاش السياسي يصبح جدلاً من دون طائل ويدخل المتحاورين في متاهات لا حصر لها.

 هذه الإشارة إلى جدل المتاهة من دون الحوار يمكن لمسه بوضوح لمؤدي السياسة في الدول المتخلفة لظنهم أن السياسة ثرثرة فارغة وإبداء الرأي غير المسؤول ومن دون سند علمي. إن الظن الخاطئ في المفاهيم والمدلولات السياسية الشائعة وما جرى الترويج له انتقائياً ومغرضاً خلال عقود من الزمن في المجتمعات المتخلفة لا يمكن القبول به كقاعدة لبناء حوار جاد. إن إعادة التأسيس وفقاً للمفاهيم والمدلولات السياسية الصحيحة المعتمدة في علم السياسة هي السبيل الوحيد لإعادة قراءة المفاهيم مثل الدولة، والوطن، والمجتمع، والأمة، والهوية، واللغة، والدين..وغير ذلك لاختلاف مدلولاتها من مجتمع إلى آخر تبعاً لتباين القيم والعادات والتقاليد والإرث الحضاري.

يشير الرصد المتواصل لثقافة القيادات السياسية في المنطقة على مدى عقود من الزمن إلى ضعفها بماهية المفاهيم السياسية، كونها خاضت غمار العمل السياسي من خلال كيانات حزبية استقطبت في صفوفها عينات جاهلة تبحث عن مظلة حماية أو سلالم لاحتلال مراكز اجتماعية أو حزبية أو وظيفية في الدولة بعيداً عن معايير التنافس الحر في المجتمع.

إن غياب المؤسسات السياسية في الدول المتخلفة لمصلحة كيانات حزبية فسح المجال لتسلق عناصر جاهلة السلالم الحزبية، ومن ثم تبوؤها لمراكز وظيفية في قمة هرم الدولة وتجيير آلياتها لخدمة مصالحها الشخصية، وفي المحصلة تعرض الوطن لكوارث حقيقية ويدفع المواطن الثمن بسوء الخدمات والتنمية. إن المطالبة بإصلاح الأنظمة السياسية القائمة لرفع الحيف والظلم عن قطاعات واسعة من المجتمع مشروعة، لكنها ليست حلاً جذرياً. فهناك تدنٍ بالثقافة السياسية تتطلب فتح الباب على مصراعيه لمراجعة المفاهيم والمدلولات السياسية السائدة وإعادة صياغتها بما يتواءم والواقع المعاصر وإلا فإن الترقيعات المعتمدة لا تجدي نفعاً.

حين يقر أن للدولة مؤسسات قائمة في ذاتها ولذاتها، والسلطة يحكمها الدستور والقانون وللمواطن حقوق وواجبات تجاه الدولة والمجتمع، يتطلب في المقابل مؤسسات اجتماعية موازية قادرة على التعامل الإيجابي مع مثيلتها في مؤسسات الدولة. فعدم وجود مؤسسات سياسية يشير إلى خلل في البنية السياسية القائمة ويبقى أُس معادلة السلطة  المعارضة العنف لا الحوار لسعيهما الحثيث للاستيلاء على السلطة لا غير.

فضلاً على أن العلاقة القائمة بين السلطة والمجتمع علاقة ضدية بمفهومها العام، وتناحرية بمفهومها الخاص. فأجهزة السلطة تمثل بذهن المواطن آليات قمع وعنف وليست أجهزة ضبط وتحكم للحفاظ على النظام الاجتماعي ولحمايته من الخارجين على القانون. هذا الفهم الخاطئ والشائع في المجتمع ضد السلطة بعدّها متهمة أبداً لا يدعم فكرة أن المجتمع بريئاً تماماً، فلابد أن تتوحد جهود علماء السياسة مع علماء الاجتماع لانتزاع السلوكيات والممارسات الشاذة من وجدان المجتمع وصولاً إلى فهم أعمق للمشكلات الاجتماعية سعياً لحلها، فتشخيص الأمراض الاجتماعية يساعد في إعداد البرامج التربوية الطويلة الأجل لإعادة صياغة العلاقة الإيجابية بين السلطة والمجتمع.

 المحاور الأساسية للكتاب تعد محاولة لتأسيس رؤية عن المؤسسات القائمة في المنطقة للدولة والمجتمع على نحو عام، لكنها لا تخلو من خصوصية التجربة السياسية العراقية بواقعها السلطوي والحزبي على مدى أربعة عقود من الزمن. وليس ضرورياً أن تتفق مع رؤى الآخرين، لكنها قد تؤسس لأرضية مشتركة لإعادة قراءة الواقع السياسي المعاصر بنظرة متمدنة تحتكم إلى العقل وليس إلى العاطفة.

 يتناول الكتاب في فصوله الثلاثة محاور أساسية وثانوية منها مهام الدولة وآليات عملها، والعلاقة بين الدولة والمجتمع، وآليات بناء الدولة الدستورية، والسلطات الدستورية للدولة، النظام السياسي والمجتمع، ودور النخب السياسية في المجتمع. وأخيراً لائحة بالمراجع لتحديد الاقتباسات الكثيرة في الكتاب لتعزز الرؤية السياسية في شؤون مؤسسات الدولة والمجتمع. 

 

المؤلف : صاحب الربيعي

اسم الكتاب : رؤية في مؤسسات الدولة والمجتمع

عدد الصفحات : 152 من القطع الكبير

دار النشر : صفحات، دمشق 2011.