صدر في دمشق للعام 2007 كتاب جديد للباحث صاحب الربيعي بعنوان ((سلطة الاستبداد والمجتمع المقهور)) جاء في مدخل الكتاب:
يتوجب على المهتمين بالشأن الاجتماعي خاصة من السياسيين والمثقفين، الإطلاع بشكل موسع على علم الاجتماع. لأنه يدرس المشكلات والأزمات وما يعاني منها المجتمع، ويعطي صورة صحيحة وواضحة عن ماهية الحراك الاجتماعي.
ومن ثم فإنه يؤسس لرؤية صائبة تضع الحلول العلمية لاجتثاث المسببات، والخروج بنتائج صحيحة تؤدي إلى إحلال السلام الاجتماعي.
تسببت رؤية السياسي غير الدقيقة للمعضلات الاجتماعية العربية في تعقيد سُبل الحل والوصول إلى النتيجة المطلوبة كونه ينهل من الحلول الجاهزة، لمجتمعات مختلفة تماماً عن مجتمعاتنا. ويسعى لتطبيقها، اعتقاداً منه بأنها حلول صالحة لكل المجتمعات.
هذا الأمر تسبب في إخفاق السياسي بإقناع الآخرين بحلوله الجاهزة، البعيدة كل البعد عن مكونات المجتمعات العربية. ونهل المثقف العربي من ذات المنبع منطلقاته في تفسير الظواهر الاجتماعية واستخدم ذات المنهج للبحث عن الحلول لمشاكل مختلفة تماماً في جوهرها عن مجتمعاتنا.
يسلط علم الاجتماع الضوء على العادات والتقاليد والقيم والمورثات الدينية والقوانين المتحكمة بسلوك المجتمع، وتختلف تلك السمات بمدلولها من مجتمع لأخر


لذا لايجوز اعتماد المنهج النظري لتفسير ظواهر اجتماعية لمجتمعات مختلفة، وتبني نفس الحلول الجاهزة باعتبارها حلولاً صالحة لكل المجتمعات.
يعرف ((كونت)) علم الاجتماع بأنه:" علم دقيق يبحث في القوانين الثابتة للمجتمع من الوجهين السكوني والحركي، وهذه القوانين لاتكشف إلا بالملاحظة العلمية التي تقتضي بدورها تقدماً مطرداً في التكتيك العلمي من أجل معالجة الظواهر الشديدة التعقيد التي يتعين تنظيمها".
وبالرغم من اختلاف تعاريف علم الاجتماع والتي جاء بها عدد من المختصين في هذا المجال، إلا أنها تستند إلى ذات الأسس التفسيرية للظواهر والحراك الاجتماعي.


ويدرس علم الاجتماع الظواهر الاجتماعية المختلفة للوصول إلى مسببات الأزمات والاختناقات الاجتماعية لوضع الحلول المناسبة لها.
تعتبر الظواهر الاجتماعية السلبية، ظواهر مفروضة قسراً على المجتمع ومخالفة لأنماط سلوكه وتخل بالأسس النمطية العامة المُشكلة تاريخياً. ويختلف تاثيرها على الفرد والجماعات باختلاف مداها المباشر وغير المباشر.


ويسفر الاضطهاد والعنف المسلط على مجتمع ما، وفي مرحلة ما من مراحل مسيرته التاريخية عن تغيير في أنماط سلوكه العام. فينقله، نقله نوعية من مجتمع مسالم إلى مجتمع يعتمد لغة العنف لإخضاع الأخر، ويعد هذا السلوك ردًّ فعل مضاد على سلوك طارئ وقسري مسلط عليه من قبل سلطة مستبدة.
إن استخدام لغة العنف وأساليب الخداع بين أفراد المجتمع، لحسم الإشكالات الناتجة عن تشابك العلاقات الاجتماعية. ناتجة عن حالة اضطهادية غير سوية، يصعب تغييرها آنياً.


لذا يلجأ المجتمع إلى استخدام أساليب عنفية بين أفراده، لغرض إخضاع الأضعف للأقوى أو استخدام أساليب الخداع والتدليس للتخفيف من آثار عنف السلطة واضطهادها. إن الهدف الأساس لعلم الاجتماع، الكشف عن مسببات تغيير أنماط السلوك السائدة إلى أنماط السلوك الشاذ والغريب عن تقاليد وقيم المجتمع ذاته.


يعتقد ((ماكس فييبر)) أن علم الاجتماع يهدف للتوصل إلى:" الفهم التفسيري للفعل الاجتماعي وأسبابه ومساره ونتائجه".
وهناك من يجد أن دراسة الظواهر الاجتماعية، لاتقتصر على أشكال أنماط السلوك الطارئ على المجتمع. وإنما ينسحب على دراسة السلوك السائد ذاته المتشكل تاريخياً، والمنافي (بعض الأحيان) لنمط السلوك المستحدث والناتج عن تطور وتقدم المجتمعات.
هذا التعارض بين السلوك السائد والمستحدث، أخذ في البروز أكثر نتيجة تداخل وتشابك العلاقات بين المجتمعات المختلفة.
ومن الطبيعي أن يكون السلوك مقبولاً وسائداً لدى مجتمع ما، وفي الوقت نفسه يعد سلوكاً شاذاً وغير مقبول في مجتمع آخر نتيجة اختلاف القيم والمورثات الدينية والاجتماعية.


وهذا ما يفسر حجم الاختلاف بأهداف ومدلولات علم الاجتماع من مجتمع لآخر، تبعاً لاختلاف الظواهر الاجتماعية أو السمات الأبرز المراد دراسة مسبباتها وإيجاد الحلول اللازمة لها.


يرى ((حسن عاصي)) أن علم الاجتماع يهدف لـ:" دراسة كافة الظواهر الاجتماعية ومنها الأسرية والفكرية والدينية والاقتصادية وحتى السياسية وما يتشعب عنها".


هذه الأرضية الواسعة من الظواهر وأنماط السلوك والانحرافات غير السوية والأحداث الطارئة وما تمس جوهر المجتمع، يعمل علم الاجتماع على دراسة مسبباتها وإيجاد الحلول اللازمة لها للحد من التوتر والتشنج وما يشجع على ارتكاب الجرائم واللجوء إلى لغة العنف لتحقيق الرغبات وخرق القانون واعتماد أساليب منافية للقيم الاجتماعية للحصول على المكاسب الذاتية وعلى حساب المجتمع.


لذا يجب على المشتغلين بالشأن الاجتماعي من السياسيين والمثقفين الإطلاع على مهام علم الاجتماع، وإشراكهم في اتخاذ القرارات الخاصة بالشأن الاجتماعي كونهم أكثر قدرة على فهم وإدراك المسببات وما يحول دون استجابة وتفاعل المجتمع مع القرارات الحكومية الخاصة بالشأن الاجتماعي مما يضطر الأخيرة لاستخدام العنف لإرغام المجتمع على الاستجابة لقراراتها، وبالمقابل يتحين المجتمع الفسحة للتهرب من استحقاقات تلك القرارات.
تولي المجتمعات الغربية الاهتمام الكافي بآراء ومقترحات علماء الاجتماع عند اتخاذها القرارات الخاصة بالشأن الاجتماعي.
لذا نجد أن تلك المجتمعات تخلصت وعلى نحو مبكر من الآثار السلبية للحروب وما اجتاحت أوروبا في أوائل ومنتصف القرن الماضي، ونهضت بسرعة قياسية وأعادت بناء ما خربته الحروب والاستجابة بشكل ايجابي لقرارات حكوماتها.


يجب على السياسي أن يعيد النظر بمسلماته، ورؤيته الساذجة المستندة إلى مسلمات وقوالب فكرية جاهزة أثبت النهج التجريبي بطلانها على صعيد العالم.
كما أنها لاتصلح بالأساس لمجتمعاتنا من حيث النشأة والإرث الحضاري والقيم الدينية والتقاليد السائدة، وما الكوارث السياسية التي تعرضت لها مجتمعاتنا إلا نتيجة للفهم الخاطئ للسياسي وعدم درايته الكافية بشؤون المجتمع.


تطرق الكتاب في محاور فصوله الرئيسية الأربعة إلى: الدولة والسلطة، وسلطة الاستبداد والمجتمع، والمظاهر السلوكية والنفسية للمجتمعات المقهورة، والسلطة الشرعية والمجتمع.


بهدف تسليط الضوء على المفاصل الأساسية وما تعاني منه المجتمعات المقهورة في العالم الثالث من مشاكل اجتماعية، يتوجب معالجتها بطرق علمية تستند إلى علم الاجتماع وليس إلى السياسة المستندة لقوالب فكرية جاهزة تواجه العنف بالعنف لفرض توجهاتها على مجتمعات مخالفة تماماً من حيث النشأة والتطور عن غيرها.