الثلاثـاء 11 صفـر 1423 هـ 23 ابريل 2002 العدد 8547

ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى

 

اطبع هذا المقال

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أزمة المياه في الشرق الأوسط .. الحقوق المكتسبة والحقوق الشرعية

الأطماع الإسرائيلية بالمياه العربية أحد أوجه الصراع الخفية

ويشير التقرير الذي اصدرته الأمم المتحدة بمناسبة يوم المياه العالمي في 2002/3/23، إلى النقص الخطير في المياه الذي يواجه سكان العالم، حيث يعاني 2.7 مليار إنسان من المياه النقية، ويعيش 5 مليارات إنسان في منطقة تواجه نقصاً في المياه العذبة، كما يموت 5 ملايين إنسان سنويا بسبب الأمراض الناتجة عن نقص المياه. ويتوصل التقرير إلى أن النزاع حول المياه يشكل أحد الأسباب الرئيسية لصراعات العنف في المستقبل.

وبناء على خطورة النزاع حول المياه في الشرق الأوسط، على السلام والاستقرار، يحاول الباحث العراقي في شؤون المياه، صاحب الربيعي، تناول أسس القانون الدولي حول التوزيع العادل لمياه الأنهر الدولية في الشرق الأوسط (دجلة والفرات، الأردن، والنيل)، في كتابه الجديد الذي صدر أخيراً.

يتألف الكتاب من أربعة فصول، ففي الفصل الأول تناول الباحث تطور التشريعات القانونية للأنهار الدولية، مشيراً إلى أن أول اتفاقية مائية في التاريخ عقدت بين إمارتي (لجش وأوما)، وهما من إمارات وادي الرافدين، حوالي 3100 ق. م، راداً على الرأي الذي يزعم أن الجذر الأول لاتفاقيات المياه يرجع إلى عهد التوراة. ويذكر الباحث الأسس التي وضعها مشرعو حضارة وادي الرافدين والتي شكلت مبادئ عامة ما زال جوهرها يحتفظ بقيمته القانونية وهي:

ـ مبدأ تنمية وإدارة الأنهار بشكل جماعي.

ـ مبدأ التحكيم لحل النزاع حول المياه.

ـ مبدأ التفاوض.

ويفرد المولف جزءا خاصا للتشريع الإسلامي حول المياه الذي يستند إلى القرآن الكريم والسنة والقياس والإجماع، مركزاً على الطبيعة الفردية لاستخدام المياه ووضع التشريع المناسب لتقاسم المياه بين الأفراد، بالاستناد إلى أن «المياه هبة من عند الله وهي من حيث المبدأ ملك المجتمع، بشكل خاص، وملك كل البشرية بشكل عام».

ويستعرض المؤلف تطور القانون الدولي حول الأنهار الدولية ويحدد المصادر التي تستند إليها التشريعات الدولية حول هذه القضية والتي تتمثل بـ: 1 ـ المعاهدات العامة والخاصة. 2 ـ العرف الدولي. 3 ـ المبادئ العامة للقانون الدولي. 4 ـ دراسات فقهاء القانون الدولي وتوصيات الجمعيات والمنظمات الدولية. 5 ـ النظريات والمفاهيم والأساليب القانونية. 6 ـ الآراء والتفسيرات القانونية لفقهاء البنك الدولي.

لقد تطورت التشريعات والقوانين الدولية حول المياه وجرى توحيدها في «اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية للأغراض غير الملاحية»، التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1997. وتعتبر أول اتفاقية شاملة في إطار الأمم المتحدة لتنظيم استخدامات الأنهار الدولية. ويشير المؤلف إلى ان أهميتها تكمن في التحديد الدقيق لحقوق الدول في الأحواض المائية المشتركة، حيث نصت في مادتها الخامسة:

«تنتفع دول المجرى المائي، كل في إقليمها، بالمجرى المائي الدولي بطريقة منصفة ومعقولة، تستخدم هذه الدول المجرى المائي الدولي وتنميته بغية الانتفاع به بصورة مثلى ومستديمة والحصول على فوائد منه، مع مراعاة مصالح دول المجرى المائي المعنية على نحو يتفق مع توفير الحماية الكافية للمجرى المائي» ص 61.

ويمكن تلخيص الأسباب الرئيسية للصراع على المياه في الشرق الأوسط، حسبما يرى المؤلف، بثلاث نقاط: الأولى، دور الاستعمار في خلق الظروف ـ الجغرافية والسياسية ـ التي تسبب حالة استمرار النزاع الإقليمي حول التقاسم العادل لمصادر المياه. الثانية، تزايد الحاجة للمياه في المنطقة بسبب التنمية البشرية والصناعية. والثالثة، قصور القانون الدولي في وضع قواعد عادلة تراعي المصالح المشتركة.

الفصل الثاني يخصصه الباحث إلى معالجة أوجه الخلاف والاتفاق حول حوضي دجلة والفرات، مشيراً في البداية إلى الأهمية التاريخية لنهر الفرات، نظراً لقيام أقدم الحضارات البشرية على ضفافه. ثم يشير إلى الخلافات القانونية والسياسية بين دول الحوض، مستعرضاً الموقف التركي المتعنّت والذي يتعارض مع القانون الدولي ومعاييره الخاصة بقضية المياه. وبهذا الخصوص يشير إلى أن معيار الطبوغرافيا يعطي الحق لسورية والعراق بالنصيب الأكبر من المياه، حيث تبلغ حصتهما (%16.20 و%47.17) على التوالي من مساحة الحوض، بينما حصة تركيا (%22.50)، وحصة السعودية (%10.13). وكذا الحال بالنسبة الى معيار الحقوق التاريخية، فالعراق «مؤهل بأكثر الادعاءات لأن المنطقة الجغرافية المعروفة تاريخياً باسم (وادي الرافدين) كانت تقوم على استخدام مياه نهري دجلة والفرات. والمعيار الوحيد الذي تستند إليه تركيا في ادعاءاتها هو معيار الهيدرولوجيا، حيث تعتبر تركيا المساهم الأكبر بإمدادات مياه الفرات. ويشير الباحث إلى عدم شرعية الموقف التركي، خاصة في ما يتعلق برفض تركيا الاعتراف بدولية حوضي دجلة والفرات وبالتالي رفضها التدخل الدولي بهذه القضية، حيث ينقل عن سليمان ديمريل، رئيس الوزراء التركي السابق قوله: لا ينبغي أن تخلق السدود التي تشيد على نهري دجلة والفرات أي مشكلة دولية، ويجب أن يدرك الجميع أن لا نهر دجلة ولا الفرات من الأنهار الدولية.. فهما من الأنهار التركية. ص 131.. كما انها ترفض الاعتراف بالمعاهدات الدولية، فعلى سبيل المثال كانت تدعي، في السابق، عدم وجود معاهدات دولية تنظم حقوق الدول في الأنهار الدولية، ولكنها رفضت التوقيع على المعاهدة الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة في 1997. ويؤكد الباحث ان الموقف التركي يقوم على استخدام المياه كأداة ضغط سياسي لتحقيق أهداف سياسية، خاصة في ما يتعلق بالقضية الكردية ولعب دور إقليمي أكبر من خلال تصدير المياه إلى بعض دول الخليج العربية.

الفصل الثالث، يتناول فيه الباحث، الصراع على مياه حوض نهر الأردن من خلال ما أصبح يعرف بالحق الإسرائيلي المكتسب «المغتصب»، مستعرضاً الأطماع التاريخية للصهيونية في المياه العربية، معتبراً هذه الأطماع أحد الأوجه الخفية للصراع بين إسرائيل والدول العربية. بعد ذلك يلقي الضوء على الرؤية الإسرائيلية لأزمة المياه في منطقة الشرق الأوسط، حيث تطرح مفهوم الحقوق المكتسبة التي تستند إلى القوة والحاجة بدلا من الحقوق التاريخية والتوزيع العادل لمصادر المياه. وقد عبر عن هذا الموقف، عضو الوفد الإسرائيلي لمفاوضات المياه، لابرهام كاتزعور، حيث صرح: «دعونا نضع جانباً موضوع الحقوق ونركز جهودنا على موضوع الاحتياجات». ولغرض التهرب من التوصل إلى حلول عادلة مع دول الحوض، سورية والأردن ولبنان وإسرائيل، تعتبر إسرائيل، قضية المياه، قضية إقليمية بغية إشراك تركيا الغنية بالموارد المائية في حل هذه القضية.

في الفصل الرابع، يستعرض الكتاب، الصراع الإقليمي بين دول حوض نهر النيل. وهنا يشير البحث إلى تدخل الدول الاستعمارية في قضية المياه بين دول الحوض وعرقلة توصلها إلى حلول منصفة لكل الأطراف، لغرض تحقيق مصالحها الاستراتيجية الخاصة. ويبين المؤلف تباين مواقف دول الحوض من الاتفاقات الدولية التي أبرمت بينها سابقاً. فالبعض يعتبرها تشكل إجحافاً بحقوقه الوطنية، ويطالب بإعادة النظر فيها. وهذا موقف أغلبية دول المنبع (اثيوبيا، السودان، كينيا، وتنزانيا)، بينما تصر مصر، دولة المصب، على التمسك بهذه الاتفاقيات بالاستناد إلى «مبدأ التوارث» الذي تنص عليه معاهدة فيينا لعام 1975 حول المعاهدات بين الدول، ريثما تعقد اتفاقيات جديدة. وعلى الرغم من شرعية الموقف المصري وفق القانون الدولي، إلا أنه يتعارض مع المعايير النسبية التي حددتها مبادئ هلسنكي لعام 1966 والتي تنص على النصيب العادل والمقبول من جميع الأطراف.

الكتاب: القانون الدولي وأوجه الخلاف والاتفاق حول مياه الشرق الأوسط

* المؤلف: صاحب الربيعي

* توزيع: دار الكلمة ـ دمشق

* سنة الاصدار: أواخر 2001

* عدد الصفحات: 252 من القطع الكبير

 

 

 

ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى

 

اطبع هذا المقال