الإدارة المتكاملة للموارد المائية

 

تعاني إدارة المياه في دول العالم النامي من سوء وتخلف الكادر العلمي والتقني، مما انعكس على كفتي ( العرض والطلب ) على المياه وبالتالي حرمان أعداد كبيرة السكان من مياه الشرب. ولم يقتصر تأثير سوء إدارة المياه على التوزيع العادل وإنما على تنمية الموارد المائية، ومع تراكم التأثيرات السلبية لسوء الإدارة والإهمال لمشاريع التنمية المائية لسنوات عديدة برزت مشكلة التمويل المالي لإعادة إصلاح العلاقات الإدارية والتنموية الضرورية. فالتقديرات المالية بلغت أرقاماً فلكية غير قادرة الموازنات العامة للدول على تغطيتها خاصة في الدول النامية، مما دفع المختصين للبحث عن بدائل جديدة عبر إشراك القطاع الخاص في تحمل جزءً من المسؤولية عن الدولة خاصة بشأن الإدارة والتنمية.

مفهوم إدارة المياه :

" تعني إدارة العرض والطلب، فإدارة العرض تشمل كافة الأنشطة اللازمة لتحديد مواقع المصادر الجديدة وتنميتها واستغلالها. وإدارة الطلب تشمل كافة الآليات اللازمة لتحقيق المستويات والأنماط الأفضل لاستعمال المياه، وتقوم عملية التخطيط على دمج هاتين الإداراتين في عملية واحدة لتوفير الأساس التحليلي اللازم لاختيار البدائل ".

أن المفهوم الاقتصادي ( سوق المياه ) الذي يسعى النظام الدولي الجديد إسقاطه على منطقة الشرق الأوسط التي تعاني أصلاً من أزمة مياه حادة، قد يدفع المنطقة لمزيد من التوتر. فسلعة المياه ستكون تحت الطلب وسيكون العرض التركي ذو الإمكانيات المائية الكبيرة هو المحدد لسعر الوحدة المائية لعدم وجود أسواق  مائية منافسة، عدا تحلية مياه البحار ذات الكلفة العالية.

 وعليه فإن الاحتكار التركي لسوق المياه سيولد أزمة جديدة وفق هذا المفهوم الجديد، بالإضافة إلى عدم تطابق هذه المفاهيم ومبادئ القانون الدولي للأنهار الدولية. فإذا كانت الفكرة الاقتصادية ملائمة لقوى السوق، وغير مرتبطة بخلافات، تحد من سريان المفعول الاقتصادي لقانون العرض والطلب فإنها لا تشكل أساساً منطقياً في مناطق الأحواض المائية التي ما زالت تحت وطأة الخلافات بشأن تقاسم حصص المياه. ولتحقيق تلك التوجهات تم اقتراح العديد من الأفكار لتشجيع القطاع الخاص للاستثمار في قطاع المياه من خلال ضمان هامش من الربح يحقق مستلزمات استثمار رأس المال، وسيتحمل المستهلك ذاك الهامش من الربح إضافة إلى تسعير جديد لوحدة المياه المستهلكة في القطاعات المختلفة. ولمناقشة تلك التوجهات الرامية لتحسين أداء الإدارة لقطاع المياه نبحث في :

أولاً – إدارتي العرض والطلب على المياه :

إن مفهوم إدارة الموارد المائية يتأطر بالتشريعات والخطط المستقبلية للتنمية وكذلك بجملة من إجراءات إعداد الكادر والبحوث المائية وتنظيم المعلومات والبيانات اللازمة لإعداد خطة قصيرة أو طويلة الآجل لتنمية الموارد المائية والتي تستند لعدد من المنهاج العلمية وهي: الشمولي؛ والتشاركي؛ والاقتصادي.

وتستند إدارة الموارد المائية للتحكم والتخطيط العلمي بآليتين من الأنشطة الإدارية هما : " آلية إدارة العرض التي تتطلب تحديد مواقع المياه الجديدة وتعينها وتنميتها وإدارتها، وآلية الطلب التي تستهدف الترويج لمستويات وأنماط أكثر صواباً في استعمال المياه. ويدمج التخطيط هاتين الآليتين معاً إلى جانب الاهتمامات البيئية ويوفر أساساً تحليلياً للاختبار بينهما ".

إن من مهام إدارة الموارد المائية إجراء تنسيق وتوازن بين آليات العرض والطلب، وتلك المهام تتطلب الاستناد لمعايير تحقق الأهداف المعلنة لتأمين المتطلبات السكانية وتنمية المورد المائي والمحافظة عليه من التلوث وتحقيق النهج الاقتصادي المطلوب. ويمكن تلخيص المعايير الأساسية لآلية الطلب بـ :

1 – " الحالات القادرة على تغير الشرعية ( القانونية ) والمؤسسية بحيث يمكن تخزين المياه واستعمالها، وتشمل الأدوات ( السياسات ) كسياسة إصلاح حقوق المياه والخصخصة في استعمال المياه والقوانين الخاصة بمساعدة مستخدمي المياه ( الريفيين والحضريين ).

2 - المكافآت الخاصة بسوق المياه التي تؤثر مباشرة في سلوكيات مستخدمي المياه لحفظ المياه واستخدامها. وتشمل الأدوات ( السياسات ) كسياسة إصلاح تسعيرات المياه وتقليص دعم استهلاك المياه في المناطق الحضرية والتكاليف البيئية والضرائب والإعانات الأخرى.

3 - أدوات خارج نطاق السوق وتشمل محددات منح الرخص ومراقبة التلوث ونظام الحصص.

4 - التدخل المباشر وتشمل برامج الصيانة والإصلاح واكتشاف الفجوات والاستثمار لتحسين البنى التحتية ".

وتتمثل السُبل الرئيسية لخفض حجم الطلب على المياه بـ : اعتماد طرق الري الحديثة؛ وإعادة صيانة شبكات المياه لمنع التسربات؛ وطرق تقنية وقانونية : إجراء دراسة دقيقة وحصر شامل للموارد المائية؛ وإجراء تعديلات على السياسات المائية؛ وسَّن قوانين وتشريعات جديدة خاصة بالمياه؛ وإجراء تنسيق بين جميع قطاعات الدولة؛ وربط الدعم الحكومي للمزارعين بعملية تقنين المياه.

أما المعايير الأساسية لآلية العرض فتتمثل بـ : تأمين المتطلبات المائية لجميع السكان لتطبيق مبدأ العدالة في توزيع المياه؛ وتأمين المتطلبات المائية للقطاعات التنموية الجديدة ومنها القطاعين الصناعي والزراعي.. وغيرها؛ وخلق حالة من التوازن بين حجم الموارد المائية المتاحة وحجم المتطلبات؛ وتنمية الموارد المائية والمحافظة عليها من التلوث لتأمين الحاجات المستقبلية.

ثانياً - السُبل الأساسية لزيادة حجم العرض المائي :

تتمثل بإعادة استخدام مياه الصرف؛ واستمطار الغيوم؛ وتحلية المياه؛ استيراد المياه؛ وإذابة الجبال الجليدية؛ واستثمار الموارد المائية الجوفية؛ وحصاد الأمطار؛ وتكنولوجيا الري ( بناء السدود والخزانات المائية )؛ واستخدام نباتات عالية الجودة وغير شرهة للمياه؛ والموازنة بين الإنتاج الزراعي وما يعادله من استيراد المياه؛ واستثمار الظروف المناخية بشكل أمثل.

تفتقد دول العالم النامي بشكل عام للبُنى الأساسية الحديثة لدولة المؤسسات، وإن الإدارات المشرفة على قطاع المياه تعاني من التخلف وضعف الكادر. لذا، لا نتوقع إن تكون مؤسسات فعالة تدير متطلبات العرض والطلب على المياه بشكل صحيح خاصة المتعلق منها بتأمين المتطلبات المائية لمؤسسات الدولة الأخرى. هذا التخلف في الأطر العامة للمؤسسات المختصة ينعكس سلباً على الإدارة العامة للمياه على المستوى الوطني، وبالتالي سيخل بأوجه التعاون ( المفترضة ) بين دول الحوض الواحد على مستوى مجرى الأنهار الدولية. لأن التنسيق المائي ينطلق من بيانات ومعطيات مستقاة من أرض الواقع، وحين تنعدم تلك البيانات فإن التنسيق حول أوجه تقاسم حصص المياه أو التنسيق حول أوجه التنمية للموارد المائية على مستوى الحوض الواحد ستكون مفقودة.

ثالثاً - البنك الدولي وإدارة الموارد المائية :

في عام 1992 وتحديداً في الاجتماع التحضيري لقمة الأرض، تم صياغة مفهوم ( الفكر المائي الجديد ) الذي ترافق مع سياق النظام البيئي الشامل. وقد تم إقراره في نفس العام في مؤتمر ( ريودي جانيرو ) في البرازيل وزيادة كفاءة القطاعات غير الحكومية، وأقر البنك الدولي للإنشاء والتعمير عام 1993 هذا المفهوم وبنى على ضوءه الشروط اللازمة توفرها لدعم البنك للمشاريع المائية القطرية والإقليمية منها :

1 – " يتوافق مفهوم إدارة موارد المياه مع السياسات العامة للحكومات وبقية خططها المائية التنموية.

2 - شمولية المشاريع المائية ببيانات حول كمية المياه ونوعيتها وصلتها بالسياسات المائية والاقتصادية والتشريعية والتنظيمية.

3 - أن تتوافق السياسات المائية القطرية مع السياسات المائية الإقليمية والدولية.

4 - تحديد الآثار البيئية لإدارة المياه على القطاعات الأخرى.

5 - وجوب وصول الدول المتشاطئة إلى اتفاق حول توزيع الحصص وفق القوانين والأعراف الدولية ".

أن هذه الشروط قد لا تتناسب ( على الأقل في الوقت الحاضر ) وظروف البلدان النامية التي تعاني من أزمات حادة في مواردها الاقتصادية، بالإضافة إلى أولوية تأمين الغذاء والصحة لشعوبها، فتطبيق تلك الشروط تتطلب موازنات خاصة لإعداد الدراسات اللازمة عن مصادر المياه وإصدار التشريعات اللازمة لها، وهذه الموازنات غير متوفرة في الأغلب الأعم، وأن توفرت فهي غير كافية.

وعليه يمكن لتلك الشروط أن تأخذ طريقها للتنفيذ في حال مساعدة البنك الدولي فنياً ومادياً لدول العالم النامي ذات العلاقة، ومع وجود آلية قانونية مُلزمة لبلدان الأحواض المائية يستند عليها البنك الدولي لفرض الصياغات القانونية التي تستمد شرعيتها من القانون الدولي للأنهار الدولية للوصول إلى اتفاقيات عادلة بشأن توزيع الحصص المائية بين دول الحوض الواحد، حين ذاك تبدو شروط البنك الدولي ملائمة وعادلة لجميع الدول ذات العلاقة بالأحواض المائية. 

يحدد البنك الدولي المتطلبات اللازمة لتطبيق آليات السوق عبر :

1 – " تحديد وتعيين حقوق الملكية والاستخدام للموارد المائية.

2 - ترويج سياسة الاستخدام التجاري للمياه اجتماعياً.

3 - خلق هياكل تنظيمية كفوءة قادرة على تطبيق الإجراءات المتخذة.

4 - العمل على تخزين فوائض المياه لاستخدامها في ميادين اقتصادية أخرى ".

كما يسعى البنك لفرض شروط آليات السوق المائية والتركيز على آلية الطلب كبديل عن آلية العرض التي تشوبها مظاهر الضعف في إدارة المياه في بلدان عديدة من العالم، وشخص مظاهر الضعف في هذه الإدارة حيث حمل مسؤوليتها لجهات حكومية عديدة نتيجة تشتت المسؤولية المباشرة عن الأخطاء التي قد تحدث في مجال إدارة المياه بشكل أمثل، كما أنه يسعى لخلق إدارات خاصة غير حكومية لتسير شؤون المياه بدعوى أن السياسات الحكومية لا تعر أهمية للكفاءة وتتجاهل المعايير الاقتصادية للوحدة المائية، كما يعتقد خبراء البنك الدولي أن ما يسترد من قيمة المياه في ظل السياسات الحكومية لا تتجاوز 35% على مستوى العالم خاصةً في المجال الزراعي، مع الأخذ بعين الاعتبار المفاهيم الصحية التي تشمل المياه والمشاكل البيئية.

أعتقد أن الآليات التي يسعى البنك الدولي لترويجها لتقنين المياه، لا تتلائم وظروف العالم النامي منها :  عدم كفاءة القطاع الخاص في معظم الدول النامية على النهوض بتلك المهام لتخلفه تقنياً، إضافة إلى القيود القانونية التي تفرضها الجهات الحكومية التي أدت لتعويق كفاءة القطاع الخاص بغية سيطرة القطاع العام. ويمكن تذليل هذه الصعوبات من خلال تطبيق نظام  الخصخصة، وزيادة كفاءة القطاعات غير الحكومية وهذا يتطلب وقت طويل للنهوض بها. مع الأخذ بعين الاعتبار، بأن الترويج لسياسة الاستخدام التجاري للمياه اجتماعياً، سيترك آثار سلبية على المجتمع بسبب انخفاض الدخل، يضاف إلى ذلك بعض المعتقدات الدينية تحرم ملكية واستخدام المياه تجارياً، والتي لا تتطابق ونهج البنك الدولي. لذا فلا بد للبنك الدولي من إجراء مراجعة شمولية لتلك الآليات تراعي من خلالها، الظروف الخاصة  التي تمر بها دول العالم النامي.   

اختلاف المفاهيم المائية وسُبل تطبيقها بين المنظمات الدولية :

ينظر البنك الدولي إلى مفهوم إدارة المياه بشقيه ( العرض والطلب ) كآلية لتحقيق الاستخدام الأمثل والنوعي للمياه. ولكن لهذين المفهومين ( العرض والطلب ) تفسيرات مختلفة في المنظمات الدولية، فالبنك الدولي يركز بشكل أساسي على مفهوم إدارة الطلب للوصول إلى تحديد الاستخدام الأمثل للمياه دون الأخذ بالاعتبار المعايير الإيجابية لإدارة العرض وتأثيراتها الاجتماعية، في حين نجد هيئة ( إدارة التعاون الفني للأمم المتحدة ) لها تفسير أخر لمفهومي ( العرض والطلب ) .

" فتلك الإدارة لا تفصل بين هذين المفهومين اللذين يشكلان وحدة جدلية على النحو المتعسف الذي يتبعه البنك الدولي. فإدارة العرض لديها تتمثل في الإجراءات المؤثرة في كمية المياه أو نوعيتها لدى دخولها في نظام التوزيع، بينما إدارة الطلب تتمثل في الإجراءات التي تؤثر في استعمال المياه أو هدرها بعد دخولها نظام التوزيع، بعبارة أخرى فان إدارة العرض تتمثل في الإجراءات الموجهة نحو عمليات البناء والأعمال الهندسية بينما تهتم إدارة الطلب بالمعايير الاجتماعية والسلوكية، وكما يتمحور مفهوم ( إدارة الطلب ) لدى البنك الدولي حول وجوب دفع المستهلك للقيمة وكذلك وجوب دفع القيمة الحقيقية لمسببات التلوث ".

سعي البنك الدولي عبر شروطه وصياغاته الجديدة إلى فرض سياسات مائية، لا تتناسب وأعراف وقوانين بلدان عديدة من العالم نظراً لاختلاف الأولويات والسمات العامة لنشوء هذه المجتمعات، فتحديد القيمة الحقيقية لوحدة المياه التي يجب أن يدفعها المستهلك مع رفع الدعم الحكومي عنها، قد يسبب مشكلات اجتماعية نتيجة انخفاض الدخل، فالماء حاجة أساسية والمدخل الاقتصادي الذي يسعى إليه البنك الدولي لتحديد قيمة المياه قد لا يحقق هدف البنك بتقنين المياه وتوفير حصص إضافية لاستخدامها في نشاطات اقتصادية أخرى. خاصة أنه  شخص بعض المشكلات التي قد تواجه تطبيق هذا النظام منها المنافسة، الاحتكار، الاستخدام الذاتي لمصادر المياه وحرمان عدد من السكان. لقد اضطر منظري مفهوم ( إدارة الطلب ) في البنك الدولي الاعتراف بصعوبة تطبيق هذا المفهوم المائي الجديد في عدد كبير من دول العالم وذلك بسبب :

   ·   " النظرة إلى المياه كسلعة حرة دون ثمن، لذا فإن مبدأ تسعيرة المياه أمر مرفوض اجتماعياً.

   ·   العوائق السياسية التي تواجه الحكومات في تطبيق هذه السياسة وذلك لانخفاض الدخول وارتفاع معدلات البطالة.

   ·   انخفاض أسعار المنتجات الزراعية وبالتالي انخفاض دخول المزارعين وعليه فإن تسعيرة المياه من شأنها أن تؤثر فيهم تأثيراً سلبياً وربما دفعتهم إلى هجرة الزراعة ".

اعتقد أن هذا المفهوم ينطلق من نظرة البنك الدولي إلى الممارسات الاقتصادية وآليات سياسة السوق دون النظر للأبعاد الاجتماعية لسلعة تمثل عصب الحياة. فالبنك الدولي يعتبر أول منظمة دولية تضع شروطاً صارمة لمنح القروض للمشاريع المائية وتُطالب بتحسين إدارة المياه واسترداد التكاليف الحقيقية لها. وشجع البنك الدولي الدول النامية على ضرورة إشراك القطاع الخاص بالاستثمار في قطاع المياه لتخفيف الأعباء الملقاة على الدولة في إدارة المياه. وشخص بشكل مبكر مظاهر الضعف القائمة في إدارة المياه في دول العالم النامي بـ :

1 – " تشتت إدارة المياه بين العديد من الجهات والإدارات داخل كل بلد.

2 - اضطلاع الحكومة بالإدارة المائية يؤدي لتراجع الكفاءة حيث أن معايير الإدارة الحكومية السياسية والاجتماعية، تتغاضى عن المعايير الاقتصادية.

3 - إن تسعيرة المياه أقل من تكلفتها الحقيقية ( قيمة المسترد من تكلفة المياه فقط 35 % على المستوى العالم ) وخصوصاً في مجال الري أدى لزراعة محاصيل ذات احتياجات مائية كبيرة دون وضع اعتبار كافٍ لتكلفة المياه.

4 - تجاهل الاعتبارات الصحية التي ترتبط بنوعية المياه والمشكلات البيئية الأخرى ".

إن تلك المظاهر السلبية في إدارة شؤون المياه تعيق النشاطات الموجهة بشأن تنمية الموارد المائية والمحافظة عليها من التلوث، كما أن التشتت في إدارة المياه بين جهات عديدة في الدولة يؤدي إلى تشتت المسؤوليات السياسية لإدارة المياه مما يضعف من سُبل التخطيط الحديث لتنمية الموارد المائية المستند إلى البيانات والمعطيات المستقاة من أرض الواقع والعمل على تحليلها لوضع خطة شاملة لإعادة التنمية بشكل علمي ومبرمج. وبهذا الاتجاه يعمل البنك الدولي على المساعدة لخلق إدارات جديدة للمياه في دول العالم النامي من خلال فرض شروطاً محددة لمنح القروض للمشاريع المائية على المستوى الوطني والإقليمي ومن أهمها :

1 – " لابد من توافر نهج منسق لإدارة موارد المياه، بحيث يعكس تفاهماً واضحاً بين الحكومة وسائر الأنشطة المتعلقة بموارد المياه.

2 – لا بد أن تشمل أنشطة إدارة المياه على تقدير لمدى كفاية قاعدة البيانات وكميات المياه في إطار كل نشاط ونوعيتها، والإطار المطروح للسياسات المالية والاقتصادية والتشريعية والتنظيمية. ولابد من مشاركة مستخدمي المياه في الإدارة المائية.

3 - اتساق الستراتيجيات الوطنية مع الستراتيجيات الإقليمية والدولية.

4 - تقييم آثار إدارة المياه على نحو بعينه في قطاع معين على البيئة والمستفدين الآخرين.

5 – ضرورة وصول الدول المتشاطئة لإتفاق بشأن توزيع حصص المياه السطحية والجوفية على حد سواء، يعد شرطاً أساسياً لمنح المساعدات الإنمائية التي من شأنها أن تسهم في حل المشاكل المائية في الأنهار الدولية ".

إن المعيار الأساس الذي يستند إليه البنك الدولي في تحقيق برامجه في إدارة فعالة للمياه، يكمن في تحسين أداء إدارة الطلب عبر فرض مبدأ تسعيرة المياه على المستهلكين. واسترداد التسعيرة الحقيقية للمياه من المستهلك مما يدفع الأخير للحرص على خفض استهلاكه وبالتالي توفير المياه اللازمة لمتطلبات الآخرين.

" إن إدارة الطلب على المياه عملية معقدة، يشترك فيها العديد من الأطراف من مختلف الجهات والقطاعات. وغالباً ما تكون مصالحهم الاقتصادية متضاربة في هذا الشان. ولذلك فمن الضروري خلق أجواء من الثقة والحوار بين الأطراف المختلفة، والسعي للحصول على تأييدهم للأهداف الوطنية والإقليمية من خلال عملية إدارة المياه. كما ينبغي أن تطرح نتائج هذه الخطط للنقاش لضمان موافقة الأطراف والتوصل إلى إجماع بشأن الأولويات الخاصة بها ".

ولم يجد منظرو البنك الدولي في تطبيق ما يسمى بالنهج الجديد ( مبدأ إدارة الطلب عبر مبدأ تسعيرة المياه ومبدأ دفع قيمة إزالة التلوث ومبدأ التكلفة الفعلية للفرص البديلة ) مشكلات إلا تلك التي تقابل أي مورد يجري تداوله واستخدامه وفقاً لآليات السوق وتتمثل المشكلات المحتملة بـ :

1 – " المضاربة والاحتكار التي يمكن مواجهتها عن طريق فرض ضرائب عالية على الحيازة دون استخدام، مع توفير المعلومات الكاملة لدى المتعاملين في أسواق المياه.

2 - استخدام المياه من ملاكها استخداماً ذاتياً لسد الاحتياجات المعيشية، ويمكن تلافي هذه المشكلة عن طريق تحديد الكميات المائية تبعاً للحاجات الفعلية للأراضي الزراعية وعدد السكان.

3 - احتمال وجود اختناقات لدى بعض الأطراف، ناتجة عن استخدامات معينة لدى أطراف أخرى ".

ملاحظة : للمزيد من المعلومات والاطلاع على المصادر راجع كتابنا ( تنمية وإدارة الموارد المائية غير التقليدية في الوطن العربي، وأزمة حوضي دجلة والفرات وجدلية التناقض بين المياه والتصحير ).

الباحث والخبير بشؤون المياه في الشرق الأوسط

صاحب الربيعي

 الموقع الشخصي للكاتب : http://www.watersexpert.se/