حرب السدود المائية بين العراق والدول المتشاطئة

( سد حديثة نموذجا ً )

 

 

منذ أوائل الستينات من القرن المنصرم ومازل، يعاني العراق من قياداته السياسية. فلم تنجب الكيانات الحزبية رجال دولة قادرين على بناء دولة عصرية حديثة، وأخذ السياسي الجاهل يحشر أنفه في كافة التخصصات ويفرض رؤيته الحزبية القاصرة على مؤسسات الدولة مما أدى لضياع هيبة الدولة وتضررت مصالح العراق الستراتيجية. وأصبحت القرارت السياسية خاضعة لمزاج رئيس ( العصابة ) الكيان الحزبي بشأن بناء سد مائي من عدم بناؤه، ويضرب بعرض الحائط آراء أصحاب الأختصاص لأنه يسعى لمصالحه ولا يعنيه تضرر مصالح ملايين الناس ومستقبل أجيالهم. فبدون أن يخضع الذين يتبؤون المراكز الوظيفية العليا في الدولة لمعايير تنافسية وعلمية وتخصصية لا يمكن إقصاء السياسي الجاهل عن مراكز القرار خاصة المتعلق منها بالمصالح العليا للشعب العراقي وعلى المستوى الستراتيجي البعيد المدى.

إن السياسة المائية في العراق تعرضت ومازالت لانتهاكات خطيرة ومضرة بالمشاريع التنموية خاصة الزراعية والخدمية منها بسبب تولي شؤونها سياسيين جهلة وأميين غير ملمين بأبسط الشؤون المائية وبغياب ( وجهل ) الجهات الرقابية على الشأن المائي سيتعرض العراق ( لا محال ) لكارثة بيئية، وسوف تتصحر أراضيه بوقت ليس بعيداً وسيصبح مجرى دجلة والفرات عبارة عن جدولين مائيين يمكن قطعهما سيراً على الأقدام.

مما يتوجب العمل بكل جدية لرفض تولي السياسيون من غير أصحاب الأختصاص الشؤون التخصصية في مؤسسات الدولة، إذا ما أريد بناء دولة عصرية حديثة يقودها رجال دولة يعون الحاجات الأساسية للبلد ولديهم رؤية ستراتيجية للنهوض بواقع المؤسسات الانتاجية والخدمية لرفع مستوى رفاه المواطن وضمان عيشه الكريم. وللبحث في حرب السدود المائية بسيف السباق الزمني وأولويات أتخاذ القرار السياسي في تنفيذ المشاريع المائية ( سد حديثة نموذجاً ) نطرق المحاور أدناه.

المواقع المقترحة لإقامة سد حديثة :

1 – عند وادي المحمدي بين بلدة هيت والرمادي.

2 – عند مضيق خان البغدادي.

3 – عند الشمال من بلدة حديثة بنحو 5 كم.

4 – عند بلدة راوه.

نبذة تاريخية عن الشركات والمؤسسات المساهمة في دراسة مشروع سد حديثة :

1 – في العام 1960 قامت مؤسسة ( تكنوبروم أكسبورت السوفيتية ) بدراسة وتصميم السد عند موقع بلدة راوه وتحديد الجدوى الفنية والاقتصادية للمشروع حيث وضعت تصوراتها عبر اقتراحين :

أ – الاقتراح الأول : إقامة سدين بحجم صغير، فالسد الأول يقع عند بلدة راوه والسد الثاني عند مدينة حديثة بسعة مائية قدرها 4 مليارات م3 لكل سد وبإرتفاع محدود.

ب – الاقتراح الثاني : إقامة سد إملائي كبديل عن السدين في الاقتراح السابق عند مدينة حديثة بسعة تخزينية قدرها 11.3 مليار م3 وبإرتفاع قدره 58 م.

2 – في العام 1965 كلفت الحكومة العراقية الخبراء السوفيت لإعادة تقييم دراسة مؤسسة ( تكنوبروم أكسبورت السوفيتية ) السابقة وإعداد التصاميم النهائية للسد، ومسودة اتفاقية للمباشرة بتنفيذه، وبعد أن أكمل الخبراء السوفيت عملهم تراجعت الحكومة العراقية عن مصادقتها على الاتفاقية دون أن تبين الأسباب.

3 – في العام 1968 كلفت الحكومة العراقية مؤسسة الإستشارين السويسريين إعداد دراسة عن إمكانية إقامة سداً في أعالي نهر الفرات، فأقترحت المؤسسة إقامة سد بسعة تتراوح بين ( 5 – 7 ) مليارات م3 للسيطرة على الفيضانات وزيادة المساحات المروية وتوليد الطاقة الكهرومائية.

4 – في العام 1969 تعاقدت الحكومة العراقية مع السوفيت لإعداد دراسة لبناء سداً بالقرب عند بلدة ( راوه ) وقد أنهى السوفيت دراستهم في العام 1971 واقترحوا إقامة سد بإرتفاع 40 م، وسعة تخزينية قدرها 2.04 مليار م3 ومحطة كهرومائية لإنتاج 280 ميغا وات. الجانب العراقي رفض الدراسة في العام 1972 وطلب العودة لدراسة إقامة السد عند مدينة ( حديثة ).

5 – في العام 1973 كلفت الحكومة العراقية الخبراء السوفيت إعداد الأعمال المساحية وكافة اختبارات التربة لموقع سد حديثة بسعة تخزينية تتراوح بين ( 5 – 7 ) مليارات م3.

6 – في العام 1974 طالب العراق الجانب السوفيتي إعادة تقييم الدراسات السابقة وإعداد دراسة جديدة لإقامة سد عند مدينة حديثة بسعة 11.3 مليار م3، انتهى الجانب السوفيتي من إعداد الدراسات والتصاميم لموقع السد في أوائل العام 1977.

7 – في أيلول العام 1978 باشر الخبراء السوفيت في بناء سد حديثة، وتم تشغيل السد بشكل تجريبي ( ملء السد بالمياه ) في أيار العام 1985، وفي شباط العام 1986 تم تشغيل أولى عنفات توليد الطاقة الكهرومائية في أسفل السد.

مواصفات موقع وتصميم سد حديثة :

يقع السد على بُعد 7 كم عن مدينة حديثة إلى الشمال من بحيرة الحبانية، يعد سداً ركامياً مبطن بمانع اسفلتي لمنع الرشح والتسرب المائي ذي لب من ردميات الدولومايت المضغوط، مؤلف من مسيل مائي ذو منفذين أسفل السد وحوض تهدئة ومحطة كهرومائية. يبلغ ارتفاع السد 58 م وطوله 8933 م وعرض قاعدته 386 م وعرض قمة السد 20 م، ويصل عمود الماء لنحو 147 م فوق مستوى سطح البحر ( المنسوب الأعلى للفيضان يبلغ 150.2 م ) ومساحة بحيرته تتراوح بين ( 503 – 650 ) كم2 وسعته التخزينية تبلغ 11.3 مليار م3 ( منها 8.3 مليار م3 خزن حي، و 3 مليارات م3 خزن ميت ).

مسيله المائي يتألف من 6 فتحات ( عرض كل منها 16 م ) وتصريفها المائي يصل لنحو 7900 م3 / ثا ( حين يكون عمود الماء 147 م فوق مستوى سطح البحر ) ونحو 11000 م3 / ثا ( حين يكون عمود الماء 150.2 م فوق مستوى سطح البحر وهو المنسوب الأعظمي للفيضان ). ومحطته الكهرومائية مؤلفة من 6 تروبينات ( إنتاجية كل منها 110 ميغا وات ) بطاقة إجمالية قدرها 660 ميغا وات، وتبلغ الحاجة المائية لتشغيل الوحدة التوربينية الأولى للمحطة أسفل السد لعمود مائي قدره 129.50 م فوق مستوى سطح البحر.

ومن المحلقات السد الأخرى تشيد قرى نموذجية لإسكان المرحلين من بلدات ( عانة، وراوه ) حيث غمرت مياه السد نحو 22.4 ألف دونم وازالت 92 قرية لذلك تم استصلاح أراضي جديدة لتوزيعها على المرحلين مع منحهم تعويضات مالية عن أراضهيم ومساكنهم التي غمرتها المياه.

أهم عقبات أعمال الصيانة والتشغيل لسد حديثة :

لم تنجز أعمال الصيانة الدورية بشكل فعال والتشغيل العقلاني لكافة السدود العراقية على مدى 3 عقود مضت بسبب حالة عدم الاستقرار السياسي التي طالت العراق وإنشغاله في الحروب خاصة خلال عقد التسيعينات من القرن المنصرم بسبب الحصار الدولي ومنعه استتيراد حاجته من المعدات وقطع غيار أجهزة التشغيل مما أضر بشكل كبير أعمال الصيانة الدورية للسدود العراقية ومنها سد حديثة وأثر ذلك سلباً على عمرها الافتراضي وقلل من جدواها الاقتصادية، ولم يعد خافياً المشاكل الكبيرة التي تعترض سد الموصل منذ العام 1986 ولغاية الآن رغم الإجراءات التقنية المتخذة كالحقن البيتوني لتقوية اساسات السد ومنع انهياره.

 من خلال العرض السابق يبدو أن كافة السدود العراقية تعاني من مشاكل تقنية وفنية، مما دفع وزارة الموارد المائية منذ أكثر من عام للتعاقد مع كبريات الشركات العالمية لتقييم ودراسات مواقع وهياكل السدود القائمة للتأكد من سلامتها واتخاذ ما يلزم للحد من التداعيات السلبية التي قد تعترضها لمنع وقوع الكوارث البيئة في حال تعرضها للإنهيار.

 وبالمقابل أنهت الملاكات الفنية والهندسية للهيئة العامة للمساحة أحد تشكيلات وزارة الموارد المائية أعمال الرصد الجيوديسية لسد حديثة بتاريخ 21 / 7 / 2009 للتأكد من سلامة ومتانة هيكل السد وأساساته، حيث تضمن العمل إجراء المسح الموضعي عبر الشبكة العمودية والأفقية المؤلفة من 311 راقم تسوية موزعة على جسم السد وحرمه وإخضاعه للرصد الهندسي لتحقق من معايير المتانة وتدقيق البيانات لإسقاطها على المترسمات الأفقية والعمودية، وتعد هذا الرصدة الأكثر دقة من سابقتها في العام 2002. 

معيار الجدوى الاقتصادية تبعاً للسباق الزمني بين العراق والدول المتشاطئة في بناء السدود :

إن الجدوى الاقتصادية للمشاريع المائية تختلف ( إلى حد ما ) عن تقييم الجدوى الاقتصادية لبقية المشاريع التنموية لإنها مرتبطة بموارد طبيعية غير ثابتة يحكمها التغير المناخي والنمو السكاني وصعوبة إحكام السيطرة على المورد المائي غير الثابت المقادير، وبالتالي فالجهة التي تحكم سيطرتها أولاً على المورد المائي خاصة دول أعلى النهر هي التي ستتحكم بحجم المياه المتدفقة تجاه دول أسفل المجرى المائي. فأي تأخير زمني عن بناء سد أو خزان مائي خاصة في دولة المصب ينعكس سلباً على جدواه الاقتصادية، فلا قيمة للسد التخزيني للمياه عند عدم توفر مياه كافية لملء الخزان أو لمحدودية حصص المياه غير الكافية بالأصل لتلبية الحاجات الأساسية للسكان والمشاريع التنموية.

وقبل أن نجري مقاربة مع العرض السابق والفترة الزمنية من الإجراءات الروتينية والقرارات السياسية لإقامة سد حديثة، نورد نبذة تاريخية عن نفس الفترة الزمنية التي استغلتها الدول المتشاطئة للعراق في حوض الفرات لبناء السدود :

1 – في تاريخ 7 / 10 / 1957 أرسلت السفارة التركية في بغداد مذكرة إلى الحكومة العراقية تضمنت إشعارها برغبة تركيا في تنظيم مياه الفرات وتنمية الموارد المائية وإنتاج الطاقة الكهرومائية عبر بناء سد كيبان الذي تقدر سعته المائية 30.700 مليون م3 في موقع يبعد 10 كم جنوبي التقاء رافدي نهر الفرات الرئيس ( فرات صو، ومراد صو ) حيث بدأ العمل في بناء سد كيبان في العام 1965 وانتهى العمل منه في العام 1974 ( طول الفترة الزمنية يعود لإكتشاف أخطاء هندسية في أساسات السد ).

2 – أول مفاوضات مائية جرت بين العراق وسوريا كانت في العام 1962 في دمشق لتنسيق مواقف البلدين من مشروع بناء تركيا لسد كيبان، وتم تشكيل لجنة مائية سميت بـ ( اللجنة الفنية المشتركة ) ولم تمارس أعمالها بشكل جدي وفُعلت في العام 1980 ومن ثم أنضمت تركيا إليها في العام 1984.

3 – في أواخر العام 1967 عند مباشرة سوريا ببناء سد الطبقة، اجتمع العراق وسوريا في بغداد واقترح الجانب السوري على العراق : توزيع لنسب المياه بدلاً من توزيع الحصص ( تطلب تركيا في الوقت الراهن كل من العراق وسوريا الموافقة على توزيع نسب المياه بدلاً من توزيع الحصص ويرفض الجانبان الطلب التركي لأسباب لسنا في صددها ) يحصل خلاله العراق على 59 % وسوريا على 41 % من مياه نهر الفرات وحددت المساحات المزروعة في العراق بنحو 67 % وفي سوريا بنحو 33 % ويتم توزيع فائض المياه بين الجانبين مناصفة. رفض العراق الاقتراح السوري وفشل الاجتماع.

 4 – في أذار العام 1972 طالب العراق سوريا لإعتماد تقرير العام 1967 بين الجانبين لتقاسم نسب المياه ( 59 % للعراق ولسوريا 41 % ) ورفض الجانب السوري العودة لإقتراحه السابق.

5 – في أوائل العام 1975 اتسعت شقة الخلاف المائي بين العراق وسوريا حول لملء خزان سد الطبقة ( بوشر العمل به في العام 1967 وانتهى العمل منه في العام 1975 ) وتدخلت الجامعة العربية لتسوية الخلاف وكذلك حصلت وساطة من الحكومة السوفيتية بين الجانبين.

6 – في تاريخ 16 / 4 / 1990 وافق العراق على تقاسم نسب المياه مع سوريا بنسبة 42 % لسوريا ونسبة 58 % للعراق وهي أقل من النسب التي اقترحها الجانب السوري عام 1967 على العراق. وأن الـ 23 سنة من الخلافات كانت كفيلة بإنتزاع اتفاق مائي مع تركيا لتوزيع عادل لحصص المياه لو تم تنسيق جهود البلدين بشكل عقلاني. وبالعودة لمقاربة الفترة الزمنية لبناء سد حديثة مع ما تخللها من فترات زمنية لبناء السدود والمفاوضات المائية العراقية مع كل من تركيا وسوريا أعلى نهر الفرات نستنتج ما يلي :

1 – منذ العام 1964 ولغاية العام 1974 باشرت تركيا في بناء سدين وسوريا 3 سدود فإنخفض التدفق المائي بإتجاه العراق بمقدار 7.370 مليار م3، وفي العام 1974 و 1975 عند مباشرة كل من تركيا وسوريا لملء خزاني سدي كيبان والطبقة انخفض التدفق المائي في نهر الفرات تجاه العراق ليصل لنحو 50 م3 / ثا.

2 – توالت بناء السدود في كل من تركيا وسوريا على نهر الفرات منذ السبيعينات من القرن المنصرم لغاية الآن مقابل تراخي الجهود العراقية في بناء السدود للخزن والتحكم بالمياه.

3 – لو تم النظر إلى إشعار السفارة التركية في بغداد بتاريخ 7 / 10 / 1957 حول لبناء سد كيبان، وأول محاولة عراقية لإجراء دراسة لإقامة سد حديثة في العام 1960 والانتهاء من بنائه العام 1986 نجد أنها استغرقت 26 عاماً خلالها أنجزت تركيا وسوريا العديد من السدود على نهر الفرات وكان الخاسر الأكبر من عدم استثمار الفترة الزمنية العراق.

4 – وبالمقارنة أيضاً نجد أن أول دراسة لمشروع سد بخمة على نهر الزاب الأعلى ( نهر دجلة ) في العراق كانت في العام 1937 ووضعت تصاميم نهائية للسد في العام 1953 وجرى تنفيذ المرحلة الأولى لبناء السد في العام 1987، أي أنها استغرقت 34 سنة ولم يكتمل بناء السد!. وفي العام 2003 تم البحث حول المباشرة في استكمال المراحل المتبقية من السد لكن المماطلة السياسية لمدة 6 سنوات لغاية الان تحول دون ذلك.

لا بد من الإشارة إلى أن تعطيل السياسات المائية العقلانية منذ الستينات من القرن المنصرم في العراق ولغاية الآن، يعود للقرارات السياسية الفاشلة الصادرة عن سياسيين جُلهم من الجهلة والأميين مما أثر سلباً على السياسة المائية على مستوى القطر، وضاعت الحقوق المائية المكتسبة للعراق من نهري دجلة والفرات، ومنح الدول المتشاطئة فرصة زمنية طويلة لإقامة كافة مشاريعها المائية أعلى الأنهار الدولية وبالتالي إضعاف الموقف التفاوضي للعراق مع الدول المتشاطئة حول توزيع حصص المياه.

فضلاً عن أن الشروع في بناء السدود على مقاطع كلا النهرين في العراق لم تعد ذات جدوى اقتصادية كبيرة خاصة أن تكاليفها المالية أصبحت باهضة تثقل كاهل الموزانة المالية العراقية في ظل أولويات المشاريع الخدمية والتنموية الأخرى، وتقزم دور العراق الإقليمي ورهنت إرادته السياسية عبر شهر سلاح المياه بوجهه من دول الجوار كلما تأزم الوضع السياسي أو لفرض أجندة إقليمية تضر بمصالحه لإجباره على القبول بها.

ملاحظة : للمزيد من المعلومات وعن المصادر راجع كتبنا ( أزمة حوضي دجلة والفرات وجدلية التناقض بين المياه والتصحير، ومشاريع المياه في الشرق الأوسط ).

 

الباحث والخبير بشؤون المياه في الشرق الأوسط

صاحب الربيعي

 الموقع الشخصي للكاتب : http://www.watersexpert.se/