فصل من كتابنا (( ملف المياه والتعاون الإقليمي في
الشرق الأوسط الجديد )) التوزيع دار طلاس - دمشق، والساقي- لندن 2003.
أولاً -
مفهوم الشرق الأوسط:
يعتبر الكاتب
الأمريكي ((ألفريد هامان)) أول من أطلق مفهوم الشرق الأوسط في العام 1902 كتعبير عن
البلدان تركيا وإيران وبلدان الخليج العربي وفيما بعد وسع المفهوم ((وينستون
تشرشل)) في العام 1921 حيث شمل إضافة إلى تركيا وإيران وبلدان الخليج العربي كلاً
من فلسطين والأردن والعراق وسوريا ولبنان ومصر وإثيوبيا, ثم شاع استخدام المفهوم
على نطاق واسع في الصحافة والإعلام واعتمد من قبل السياسيين في العالم وتغيرت
دلالاته ليشمل دولاً أخرى ممتدة من جنوبي آسيا إلى شمالي أفريقيا، لكنه لم يخرج عن
سياقه الأول كتعبير جغرافي ـ سياسي.
" وهل
الشرق الأوسط ما زال محصوراً في الدائرة التقليدية التي عرفتها المدارس البريطانية
والفرنسية والأمريكية والسوفيتية في الجغرافيا السياسية، حيث تضم هذه الدائرة
البلدان العربية بالإضافة إلى إيران وتركيا وإثيوبيا وإسرائيل؟, أو أن هذه الدائرة
مع نهاية القرن العشرين قد توسعت بحيث تمتد إلى الباكستان، وربما الهند وبنغلادش
في آسيا وتصعد شمالاً في حوض البحر المتوسط فتشمل مالطا وقبرص واليونان وإيطاليا
وإسبانيا والبرتغال؟ ".
طرحت بريطانيا
في الخمسينيات من القرن الماضي مشروعين للتعاون الإقليمي تحت إشرافها, المشروع
الأول: كان مشروع تأسيس الجامعة العربية لتوحيد المواقف العربية والتعامل مع جميع
العرب من خلال مظلة واحدة, والمشروع الثاني: كان (حلف بغداد 1954) الذي ضم إيران
والباكستان والعراق وبريطانيا وسقط بعد فترة من قيام النظام الجمهوري في العراق.
ويرى البعض
الآخر إن النظام الإقليمي الشرق أوسطي: " ظهر أول مرة بعد الحرب العالمية
الأولى حين حلت معاهدة (سكايكس ـ بيكو لعام 1917) محل السلطة العثمانية, ولم يكن
للعرب يد فيه ولكنهم حاربوه فكانت حركات التحرر الوطني العربية, وظهر مرة ثانية
بعد الحرب العالمية الثانية ولم يكن للعرب يد فيه أيضاً ولكنهم قاوموه كأحلاف
وحركات توحد وجامعة وغير ذلك, واليوم يظهر للمرة الثالثة نظام شرق أوسطي جديد ليس
للعرب يد فيه أيضاً تؤدي إسرائيل وتركيا الدور الأكبر ويكون لإيران وجمهوريات آسيا
الوسطى دور فيه أيضاً, والترتيبات الأمنية تخطط لها واشنطن: الخليج مع تركيا، ودول
المواجهة مع إسرائيل وتركيا مع إسرائيل في مواجهة العرب وإيران وتركيا في صراع على
الجمهوريات الإسلامية ".
في كل الأحوال،
ما يهمنا في بحثنا تحديداً الموقع الجغرافي الذي يشكل بؤرة الصراع من المساحة
المسماة الشرق الأوسط إلا وهي الوطن العربي والدول المحيطة به التي لها ارتباط
بشكل أو آخر بالصراع العربي ـ الإسرائيلي, وإن ذلك الصراع له تأثير كبير على أمنها
القومي في أوقات السلم والحرب، وانتهاء الصراع سيؤثر إيجاباً (أو لربما سلباً) على
سياستها الاقتصادية أو العسكرية أو السياسية, وتتسم دول الشرق الأوسط بجملة من
الخصائص والملامح يمكن إيجازها بالنقاط التالية:
1 ـ "إن
الشرق الأوسط هو منطقة جغرافية تلتقي وتتداخل فيها كيانات أو كتل جغرافية سياسية
متعددة، ففي الشرق الأوسط بلاد تنتمي إلى كل من: شمال أفريقيا (مصر وليبيا)
والهلال الخصيب (سوريا؛ ولبنان؛ والعراق؛ والأردن؛ والبحرين؛ والإمارات؛ وعمان) ثم
ما يسمى في الأدبيات السياسية الأمريكية والأوروبية بالحزام الشمالي (تركيا
وإيران) ومع ذلك فإن هناك من يضيفون إلى هذه البلاد ضمن تعريف الشرق الأوسط
أطرافاً أخرى من داخل هذه الأقاليم أو على هامشها.
2 ـ إن منطقة
الشرق الأوسط تتسم بتعدد وتنوع ثقافي ولغوي وديني وعرقي بدرجة مثيرة، جعلت اغلب
الكُتاب الغربيين يجمعون على ما يعتبرونه طابعاً فسيفسائياً للمنطقة.
3 ـ إن ما يمثل
قلب الشرق الأوسط هي بلاد الهلال الخصيب ومصر وإسرائيل وما يحيط بهذا القلب هو
السعودية وليبيا وإيران وتركيا والسودان, أما المجموعة الهامشية فتضم أولاً: باقي
مجموعة دول شمال أفريقيا كتونس؛ والجزائر؛ والمغرب؛ وموريتانيا, وثانيا: امتداد
إفريقي أخر نحو الجنوب ويشمل: إثيوبيا والصومال, وثالثاً: باقي شبه الجزيرة
العربية: كاليمن؛ والكويت؛ وقطر؛ والبحرين؛ والإمارات؛ وعمان, ورابعاً: امتداد
اوروبا شرق أوسطياً ويتمثل في: قبرص واليونان, وخامساً: امتداداً آسيوياً شرقاً
ويشمل: الباكستان؛ وأفغانستان والجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى التي تمخضت عن
الاتحاد السوفيتي القديم أي: أذربيجان؛ وكازخستان؛ وقيرجيزستان؛ وطاجيكستان؛
وتركمانستان؛ وأوزبكستان".
ومن خلال العرض
السابق، نجد أن مفهوم الشرق الأوسط لم يقتصر على المساحة التي كانت عليه في العام
1902 وإنما الضرورات السياسية أعطت شمولية أكبر لذاك المفهوم ليشمل مساحة جغرافية
أكبر تضم دولاً عديدة وديانات مختلفة وحضارات قديمة وأنظمة سياسية متنوعة, وزادت
أهمية مفهوم الشرق الأوسط بزيادة وتيرة العنف في المنطقة خاصة بعد زرع دولة
إسرائيل في المنطقة وعلى حساب السكان الأصليين.
وبات هذا الموقع
الجغرافي الشاغل الأكبر للسياسات الدولية، لكونه قلب العالم ويحوي أكبر احتياطي
للنفط وأكبر سوق لتصريف الأسلحة والسلع إضافة إلى أن فتيل الحرب قد يشعل في أي
لحظة وبالتالي يتوقف شريان أوروبا من النفط وتتأثر الأسواق المالية العالمية
وتتضرر مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا تحديداً.
لذا، نجد هناك
جهوداً تبذل من أجل المساعدة في إحلال السلام في المنطقة لكن التَّعنت الإسرائيلي
الذي ينطلق من حجج تاريخية بالية وغير واقعية يعطل سُبل السلام.
ثانياً - مواقف دول الشرق الأوسط من النظام الشرق أوسطي:
تباينت مواقف
دول الشرق الأوسط من النظام الشرق أوسطي بين ترحيب ورفض وموافقة مشروطة، بالرغم من
أن المشروع بحد ذاته ما زال عبارة عن أفكار وتصورات لربما على الصعيد العملي يتطلب
مزيداً من الدراسة والتمحيص خاصة في الجانب الاقتصادي, والمؤشر الآخر الذي يمكن
ملاحظته في هذه المواقف عدم وجود أفكار أو تصورات مضادة خاصة للمشاريع المائية
التي يمكن أن تحقق مكاسب اجتماعية للجانبين، وبغض النظر عن أولويات النظام الشرق
أوسطي أو عملية السلام في الشرق الأوسط فإن رفض الأفكار أو التصورات يُكسب الجانب
الآخر موقفاً سياسياً على الصعيد العالمي.
ونجد، من
الضروري إعادة صياغة الأفكار أو الخروج بأفكار جديدة مشروط تحقيقها أو مناقشتها مع
الجانب الآخر بالتقدم الذي ستحرزه عملية السلام وعلى كافة المسارات بما يحقق أهداف
وتطلعات المجتمع الدولي الذي يطالب بتطبيق قرارات الشرعية الدولية (القرارين 242
تاريخ 23/11/ 1967 و 338 تاريخ 22/ 10/ 1973) في منطقة الشرق الأوسط, ولتسليط
الضوء على مواقف دول الشرق الأوسط من النظام الشرق أوسطي، نورد أدناه وبشكل مختصر
أهم تلك المواقف.
لا يختلف الموقف
الإسرائيلي عن الموقف الأمريكي من النظام الشرق أوسطي، لكنه يطرح مفهوم الأجندة
والأولويات في جني الأرباح الاقتصادية من النظام الجديد, بمعنى آخر توافق المسارات
الاقتصادية وجني الأرباح مع إحراز تقدم على عملية السلام والانسحاب من الأراضي,
وبدون ذلك لا معنى لعملية السلام في المنطقة!!.
ويلخص وزير
خارجية إسرائيل ((شمعون بيريس)) الموقف الإسرائيلي من السلام بأنه: " من دون
تغير في نموذج الشرق الأوسط لا الأمن ولا السلام يمكن أن يضمن لنا دولة إسرائيل،
إن شرق أوسط جديداً تكون حدوده مفتوحة على أساس برامج تطوير إقليمية هو وحده الذي
يستطيع تحويل قضية الحدود والمناطق إلى شيء أقل أهمية مما تبدو عليه اليوم, السلام
ليس هدفاً بحد ذاته، وإنما هو وسيلة لهدف أسمى: إيجاد عهد ذهبي لسكان الشرق
الأوسط, إن مجموعة الفوائد مثل: النفط السعودي والماء التركي والسوق المصرية
والمعرفة الإسرائيلية هي إقليمية أكثر منها وطنية " .
1 ـ الاستقرار
السياسي في مواجهة الأصولية التي تشق طريقها بسرعة في الدول العربية.
2 ـ التعاون
الاقتصادي والتنمية المشتركة للمشاريع المشتركة تحت إطار منظمة إقليمية.
3 ـ الأمن
الإقليمي المشترك عبر إقامة نظام أمني إقليمي تتبادل فيه الأطراف المعلومات
الأمنية للحد من النشاطات الإرهابية في المنطقة.
4 ـ إشاعة
الديمقراطية إقليمياً واحترام حقوق الإنسان كفيلة بمنع الحروب والصراعات.
نجد أن تلك
التصورات تركز بشكل أساسي على الجانب الاقتصادي وضرورة رفع القيود عن إسرائيل في
تبادلها السلعي والتجاري مع الدول العربية، فأساس المشروع ينطلق من المعيار
الاقتصادي لتحقيق السلام في الشرق الأوسط, بمعنى آخر، يتوقف السلام على ما ستكسبه
إسرائيل تجارياً على المستوى الإقليمي وما سيحقق لها من دور على المستوى الإقليمي.
وكان ((شمعون
بيريس)) واضحاً في عرضه للمكاسب التجارية المنتظرة في حال السلام الشامل مع العرب
وبشروط إسرائيل, حيث يؤكد أنه من السذاجة الاعتقاد بأن الولايات المتحدة الأمريكية،
ستعطي إلى الأبد حاجات إسرائيل، والعجز في ميزانياتها بما في ذلك العجز الذي نشأ
عن السياسة التي ترفضها الولايات المتحدة الأمريكية, لقد بدأت إسرائيل تعاني من
فجوة مزدوجة، تلك الناجمة عن الفرق الكبير ما بين دخل الغني والفقير في إسرائيل،
وتلك الناجمة عن فقر إسرائيل وغنى العالم.
الفجوة الداخلية
تسبب مرارة سوداء، والفجوة الخارجية تؤدي إلى نزوح... فالسوق الإسرائيلية أصغر من
أن تطور اقتصاداً معاصراً والأسواق الأوروبية والأمريكية على السواء بعيدة للغاية
وتنافسية إلى حد عدم جدوى دخولها بصورة مهمة.
إن الحجم الحقيقي
لدولة في عصرنا لا يقاس بحجم التصريحات التي تدلي بها بالنسبة إلى سيطرتها على
المنطقة، بل طبقاً لقوتها الاقتصادية, ولكي يصبح اقتصاد إسرائيل اقتصاداً قوياً
عليها أن تخلق سوقاً يمكنها من النمو, وهذا، السوق مكانه الطبيعي هو الشرق الأوسط
,
ويعتقد ((بنيامين
نتنياهو)): " أن الغرب أعفى العرب من مطالبتهم بالديمقراطية ليست بسبب
سيطرتهم على الجزء الأكبر من احتياطي النفط في العالم فقط، بل بسبب النظرة العامة
تجاههم التي ورثها من وزارة المستعمرات البريطانية في نهاية الحرب العالمية
الأولى, إن العرب ما زالوا غير مستعدين للديمقراطية، وإن الديمقراطية لا تنسجم مع
الإسلام, وإن أشكال الحكم التقليدية السائدة في العالم العربي مناسبة لهم، وما
شابه ذلك, لذا، فإن أسلوب التعذيب وقطع الأعضاء الجسدية والعبودية، وعدم حرية
الصحافة والحكم المطلق لعائلة واحدة لا تعتبر استبداداً أبداً ".
1 ـ رفض القومية
العربية لوجود أية سيادة غير عربية في الشرق الأوسط.
2 ـ سعي الإسلام
الأصولي لتطهير المنطقة من أي نفوذ غير إسلامي.
3 ـ عداء العالم
العربي الشديد والتاريخي للغرب.
أما ((مارتن
كريمر)) فيجد إن ل إسرائيل دوراً كبيراً
في التصدي للأصولية الإسلامية في المنطقة، حيث يجد: " أن الأصولية الإسلامية
برزت في أطراف العالم العربي مثلاً الجزائر وإيران، لأن تلك الأطراف بعيدة عن
إسرائيل, أما في قلب العالم العربي حيث تمارس إسرائيل دورها وسطوتها!! فليس من
اليسير على الأصولية أن تحقق ما حققته في بلاد الأطراف, لذا، الحل الوحيد لمواجهة
الأصولية هو تقوية إسرائيل ودعمها بكل السُبل للوقوف في وجه المد (الظلامي) الزاحف
باتجاه تدمير حضارة الغرب ".
لقد جاء في
إعلان قيام دولة إسرائيل بتاريخ 15/ 5/ 1948 : باستعداد إسرائيل للإسهام في تقدم
الشرق الأوسط في مجموعه, إذاً، فإن المشروع الإسرائيلي للشرق الأوسط ليس جديداً
وإنما هو من بنات أفكار إنشاء دولة إسرائيل وأنها سعت جاهدةً عبر تلك السنوات
الطويلة لتجعله واقعاً عبر إشراك الولايات المتحدة الأمريكية فيه, واختارت الوقت
المناسب لطرحه على المنطقة، خاصة بعد أن عمدت إلى تهديم أركان النظام العربي،
فانفردت بالاتفاق مع مصر ثم تتالى سقوط الأنظمة العربية الواحد تلو الأخر في
الأحابيل الإسرائيلية لتبقي على أراضي الجولان في قبضتها للمساومة على ما تبقى من
النظام العربي!!.
إن المتابع
للطروحات الشرق أوسطية في المنطقة، يجد هناك تجاهلاً متعمداً لدور إيران أو
بالأحرى هناك محاولات لعزل إيران عن تلك المسارات الشرق أوسطية المطروحة، بل دق
أسفين بينها وبين العرب, وبالضد من ذلك هناك محاولات لإعطاء دور إقليمي لتركيا لا
يتناسب ودورها في المنطقة وعلى حساب العرب بحجة الاستفادة من المياه التركية أو
مشروعها لمد أنابيب السلام والربط الكهربائي, وتسعى إيران بالمقابل لإيجاد موطئ
قدم لها في تلك المسارات الشرق أوسطية الجديدة عبر طرحها عدداً من المشاريع
المائية لتزويد دول الخليج بالمياه.
1 ـ"
الجمهورية الإسلامية الإيرانية: هي حقيقة جيوبوليتكية لأي تعاون اقتصادي ـ سياسي
(إقليمي) أو حتى دولي، لأنها مصدر أساسي واستراتيجي للطاقة والمياه والمعادن
الحيوية والإمكانات الزراعية الهائلة وسوق تضم 60 مليون نسمة إضافة إلى كوادرها
المتخصصة, وبالنظر إلى موقعها الجغرافي، فإن لديها أهم القدرات والإمكانات للتعاون
السياسي والاقتصادي الإقليمي, وإذا لم تتم مشاركة إيران في أي مشروع أو تخطيط
إقليمي في هذه المنطقة من العالم فسوف يشكل ذلك إخلالاً من الناحية التنظيمية
والاستراتيجية بهذا المشروع, لهذا علينا أن نقول بصراحة إن المشروع الإقليمي بدون
مشاركة إيران سوف يكون (سراباً ووهماً) ولا أكثر من ذلك.
2 ـ إيران
الإسلامية بالنظر إلى ارتباطاتها التاريخية ـ الثقافية القديمة مع الأشقاء ودول
الجوار العربية والمسلمة في المنطقة, وانطلاقا من ثوابتها العقائدية والسياسية
تعتبر أي هيمنة صهيونية على المنطقة من خلال مشروعات مشبوهة (كنظام شرق أوسطي
جديد) أو (السوق الشرق أوسطية الجديدة) أو ما يشابه ذلك مغايرة ومتناقضة مع روح
التعاون والتجانس والتكامل السياسي والاقتصادي والثقافي بين أبناء هذه المنطقة
الإسلامية ـ العربية, وأيضاً متعارضة مع أمنها القومي والأمن القومي للدول الأخرى
في المنطقة.
لهذا، تدعو
إيران جميع الدول الأعضاء المسلمة والعربية في هذه المنطقة إلى اليقظة، والاهتمام
للخلفيات الخطيرة التوسعية للصهيونية وحليفتها الاستراتيجية أمريكا.
وتؤكد هذه
الحقيقية التي لا ينكرها أحد: أن أي اختيار من جانب العالم الإسلامي ـ العربي في
هذه المنطقة أو الأصح أي دعوة أمريكية ـ صهيونية لاختيار الكيان الصهيوني باعتباره
بديلاً للجمهورية الإسلامية الإيرانية أو بديلاً للتحالف والتكامل الإسلامي ـ
العربي الذي يمتد من شبه القارة الهندية إلى شمال أفريقيا هي دعوة غير واقعية
وفاشلة, وبذورها تنمي التفرقة وإتلاف وإهدار الإمكانات والقدرات الإسلامية ـ
العربية.
3 ـ بأنه نظام
مطروح من خارج المنطقة يهدف إلى تشطيرها وفصل مغربها عن مشرقها وإعادة صياغة
الهوية الحضارية للمنطقة العربية.
4 ـ إن فكرة
السوق الشرق أوسطية، هي فكرة إسرائيلية قديمة طرحتها إسرائيل مجدداً في تزامن مع
الطرح الإسرائيلي لفكرة نظام شرق أوسطي جديد, هذا الذي طرح بشكل جاد في سياق
الحديث عن النظام العالمي الجديد الذي فرض نفسه في دوائر الحوار العالمي بمركزية
أمريكا، وخصوصاً بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي كقطب عالمي,
وجاء هذا الحوار أيضاً بعد حرب النفط واستقرار القوة العسكرية الأمريكية في منطقة
الخليج (الفارسي), ومن وراء التسويق لهذه الفكرة تسعى إسرائيل لكي تصبح قطباً
أساسيا في مشروع شرق أوسطي جديد".
ولم تكتفِ إيران
بموقفها السابق من النظام الشرق أوسطي، وإنما طرحت بديلاً عنه يتمثل بإقامة منظمة
إقليمية لإدارة شؤون منطقة الخليج العربي على المستوى المائي, وبالرغم من المناقشة
التي أجرتها إيران مع عدد من دول الخليج العربي بغرض تزويدها بالمياه عبر
الأنابيب، فإنها بالمقابل لم تلمس استجابة كاملة لتلك الأفكار والمشاريع التي
طرحتها بسبب وجود بعض المشاكل العالقة بينها وبين دول الخليج العربي والخشية من
الدور الإيراني في المنطقة.
1 ـ "
القيام بدراسات حول مجمل الموارد المائية في المنطقة واستكشاف الجديد منها
واستثمارها بطرق تفي باحتياجات المنطقة خلال العقود القادمة.
2 ـ دراسة
إمكانية القيام بمشاريع استثمارية وتنموية مشتركة لموارد المياه والطاقة ونقل
الفائض منها إلى المناطق التي تحتاج إليها.
3 ـ تأسيس صندوق
لتنمية الموارد المائية في الدول الأعضاء والسعي لتوفير الدعم المالي الدولي لتلك
الأغراض.
4 ـ توفير تبادل
الخبرات العلمية والتقنية اللازمة للدول الأعضاء في شأن تحسين أداء وكفاءة شبكات
المياه والري وتقليص حجم المهدور منها وتحديث طرق التخزين, ونقل المياه وإعادة
تدويرها وكذلك مكافحة التصحر والجفاف والسيول.
5 ـ السعي
لإيجاد تنسيق إقليمي في شأن الموارد المشتركة للدول الأعضاء.
6 ـ وضع مقررات
إقليمية في شأن مجابهة التلوث في موارد المياه في المنطقة ".
تسعى تركيا منذ
حرب الخليج الأولى للعب دور إقليمي عبر البوابة الشرق أوسطية بعد أن تم إعاقة
خطواتها نحو البوابة الأوروبية، وعمدت إلى طرح مشروعها المائي لأنابيب السلام في الثمانينيات
من القرن المنصرم والذي لم يلقَ الصدى المناسب له في الأوساط العربية, ثم واصلت
مساعيها مع الجانب الإسرائيلي والتلويح بورقة المياه والأحلاف العسكرية بغية إثارة
حفيظة الدول العربية ودفعها إلى مزيد من التعاون معها في الجانب الاقتصادي
والمائي, ولم تحقق تلك المساعي غاياتها السياسية، رغم أنها خلقت حالة من البلبلة
في المنطقة بسبب حبسها لمياه الفرات عن كل من سوريا والعراق وكاد الصراع يأخذ
أشكالاً أخرى مع سوريا خاصة لولا تدخل الوساطات الحميدة لنزع فتيل الأزمة.
وجدت تركيا
ضالتها في النظام الشرق أوسطي خاصة أن لها دوراً يحقق أهدافها السياسية، واستضافت
عدداً من المؤتمرات الشرق أوسطية بغرض تفعيل النظام الشرق أوسطي, ولكن تعثر عملية
السلام في الشرق الأوسط حال دون تحقيق تلك الأهداف على الأقل في الوقت الحاضر ،
والموقف التركي من النظام الشرق أوسطي لخصته رئيسة وزراء تركيا الأسبق ((تانسو
شيلر)): بأن جميع بلدان المنطقة يجب أن تسير نحو مستقبل مشترك في ظل إطار اقتصادي,
وإن تركيا تستطيع أن تقوم بدور مهم في المعمار الجديد للشرق الأوسط .
إن المشاريع
المائية تحديداً في الشرق الأوسط تنطلق جغرافياً من فلسطين وبأفكار إسرائيلية,
لذا، نجد اتفاقية أوسلو وغيرها من الاتفاقيات التي عقدتها السلطة الفلسطينية مع
إسرائيل أهم بنودها كانت تطبيق الخطوات نحو تفعيل النظام الشرق أوسطي, وترحب
السلطة الفلسطينية بالنظام الشرق أوسطي، فالملحق الرابع من اتفاقية أوسلو لعام 1993
بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي اتفقا على:
1 ـ إقامة بنك
شرق أوسطي لإعادة الإعمار والتنمية.
2 ـ إقامة قناة
البحر المتوسط ـ البحر الميت ومتابعة خطة التنمية المشتركة (الإسرائيلية ـ
الفلسطينية ـ الأردنية) من أجل الاستغلال المنسق لمنطقة البحر الميت.
3 ـ إقامة مصنع
إقليمي لتحلية المياه وتوليد الطاقة.
4 ـ ربط الشبكات
الكهربائية.
5 ـ التعاون
الإقليمي من أجل نقل وتوزيع الغاز والنفط وموارد الطاقة الأخرى واستغلالها
اقتصادياً.
6 ـ خطة تنمية
إقليمية للسياحة والنقل.
7 ـ خطة إقليمية
للتنمية الزراعية والوقاية من التصحر.
8 ـ التعاون
الإقليمي في مجالات أخرى.
والموقف
الفلسطيني لم يقتصر على الموافقة على النظام الشرق أوسطي والترحيب به، بل أخذ يروج
له ويقلل من المخاوف العربية منه, وقد لخص ((أحمد قريع)) الموقف الفلسطيني من
النظام الشرق أوسطي:" أن الفلسطينيين ليس لديهم ما يخشونه من قيام النظام
الشرق أوسطي، وإن مشروعات التنمية الإقليمية يمكن أن تسهم في تخفيف حجم العداء
وتحقيق مصالح مشتركة بين الأطراف المشاركة في العملية السلمية, ويجب عدم النظر
بشكل تشاؤمي للنظام الشرق أوسطي".
ولا يجد الموقف
الفلسطيني أي مبررات للخشية العربية من هيمنة إسرائيل اقتصادياً على المنطقة:
" فليس من السهولة أن تهيمن إسرائيل على السوق اقتصادياً، فمن ناحية أن على
إسرائيل أن تتكامل اقتصادياً مع اقتصاديات تعتبر متخلفة عن الاقتصاد الإسرائيلي,
ومن ناحية أخرى أن على إسرائيل أن تدفع ثمن ذلك التكامل مع اقتصاديات المنطقة التي
تعترف شعوبها بالحق الكامل للفلسطينيين بتقرير المصير, لذا، فإن الشرط اللازم
والسابق لدخولها بحرية إلى سوق الشرق الأوسط هو تحقيق السلام الشامل والعادل مع
جميع دول المنطقة وبالذات مع الفلسطينيين, بما في ذلك الانسحاب إلى حدود الرابع من
حزيران عام 1967 وإنهاء الاحتلال بما في ذلك المستوطنات المزروعة في أرض فلسطين
".
وبما يتعلق
بالمشروع الإسرائيلي حول إشاعة الديمقراطية في المنطقة، يجد الجانب الفلسطيني أن:
" لا يصح أن نعتقد أن الشعب الفلسطيني يمكن أن يختار أسلوباً لحياته غير
الأسلوب الديمقراطي الحر، الذي يستند إلى حرية الفكر والاعتقاد والكلمة, كما يعتمد
الاقتصاد الحر نمطاً لحياته، وهذا يتطلب تعددية الأحزاب والاتجاهات والعقائد, لأنه
ثبت بما لا يقبل مجالاً للشك بأن فكرة الحزب الواحد أو الحزب القائد أو الاقتصاد
الموجه والمرتبط بالحكومة كلها سقطت وعفا عليها الزمن ونبذتها كل الشعوب في هذه
الحقبة من نهاية القرن العشرين, والشعب الفلسطيني الذي قارع الاحتلال عقوداً من
الزمن من أجل الحصول على حريته لا يمكن أن يسمح لحاكم كائناً من كان أن يحرمه من
هذه الحرية ".
لقد ورد في
معاهدة السلام بين الأردن وإسرائيل الموقعة بتاريخ 26/10/ 1994 نصوص حول سُبل
التعاون الإقليمي خاصة في شأن ربط البحرين (المتوسط والميت) وكذلك بشأن تقاسم مياه
نهر الأردن وإقامة مشاريع مشتركة لتنمية المياه في المنطقة, وفي القطاع السياحي،
هناك مشاريع عديدة خططت لها إسرائيل مع الجانب الأردني خاصة بما يتعلق بتطوير
المنشآت السياحية في منطقة البحر الميت، وكذلك مشروع إسرائيل الطموح بتحويل ساحل
البحر الأحمر إلى (ريفيرا) منطقة الشرق الأوسط وبالتعاون مع الأردن بالدرجة
الأولى, يضاف إلى ذلك إقامة منشآت لتحلية المياه على البحر المتوسط وما تم الاتفاق
عليه من منشآت تحلية للمياه كملحقات لمشروع ربط البحرين بغرض سد العجز المائي لكلا
البلدين.
أما في مجال
التعاون في مكافحة ما يسمى (بالإرهاب) فقد قطعت الأردن وإسرائيل شوطاً كبيراً من
التعاون في هذا الجانب خاصة منها المتعلق بالحد من نشاط المقاومة الفلسطينية في
الأردن وتبادل المعلومات الأمنية مع الجانب الإسرائيلي بشأن نشاطات المقاومة التي
تستهدف إسرائيل, إذا، الجانب الأردني ليس لديه أي اعتراض أو تعارض مع النظام الشرق
أوسطي المطروح على المنطقة بل العكس فإنه ساهم في لبناته الأولى مع إسرائيل .
إن الموقف
المصري، من القضايا القومية العربية لا يتعدى مدلوله الرياضي (الرقم صفر) في
المعادلة العربية, فمنذ أن وقعت مصر اتفاقية ((كامب ديفيد)) مع الجانب الإسرائيلي
لم يعد بمقدورها المساهمة في القضايا المصيرية للأمة العربية على المستوى الحكومي،
بل أصبح المطلوب منها عربياً عدم المساهمة بمشاريع دولية وإقليمية للإضرار بالدول
العربية التي ما زالت لم تسترد أراضيها المحتلة من الجانب الإسرائيلي بالرغم من
المحاولات الدولية للضغط على إسرائيل للقبول بالقرارات الدولية, ومن المشاريع
الإقليمية المصرية التي تنتظر الحل النهائي للصراع العربي ـ الإسرائيلي والتي لا
تتجرأ الحكومة المصرية على الشروع بها نتيجة ضغط الرأي العام المصري هو مشروع
إيصال مياه النيل إلى إسرائيل.
وقد أنهت
السلطات المصرية العمل وأوصلت مياه النيل إلى سيناء وشقت قنوات ري عديدة وصلت إلى
الحدود المصرية ـ الإسرائيلية، وبانتظار الظرف المناسب لمد إسرائيل بالمياه.
وتجدر الإشارة
إلى أن احتياطي المياه الجوفية في صحراء سيناء يكفي ويزيد على المتطلبات المائية
المصرية في المنطقة لكنها لم تستغل وبالمقابل فإن إسرائيل تستغل تلك المياه التي
تعتبر حوضاً مائياً مشتركاً بينها وبين مصر.
وكذلك هناك
الكابل الكهربائي المحوري الذي مد تحت مياه خليج العقبة بين مصر والأردن بغرض
تبادل الطاقة بين أفريقيا ومصر ومن ثم دول المشرق العربي وبانتظار التوصل
لاتفاقيات سلام مع جميع دول المنطقة بغية ربط إسرائيل بتلك الشبكة الكهربائية
الإقليمية.
أما في الجانب
السياحي، فقد قطع الجانب المصري شوطاً كبيراً من التعاون مع الجانب الإسرائيلي
وهناك اتفاقيات سياحية بين الجانبين منذ أمد طويل وكذلك هناك رحلات سياحية بين
الجانبين.
فيما يتعلق بما
يسمى بمكافحة (الإرهاب) فإن الجانبين المصري والإسرائيلي لديهم اتفاقيات عديدة
بهذا الشأن، وسعت مصر لاستضافة عدة مؤتمرات دولية لمكافحة الإرهاب ومنها مؤتمر
((شرم الشيخ)) في منتصف التسعينيات وخلال انعقاده قامت إسرائيل بقصف المدنيين في
((قانا)) اللبنانية العام 1996 التي راح ضحيتها عشرات المدنيين في مجزرة بشعة لم
تهز الموقف الرسمي المصري سوى بكلمات الأسف وانزعاج وهي تستضيف رئيس وزراء إسرائيل
في ذاك المؤتمر.
لخص الرئيس
الراحل ((حافظ الأسد)) موقف سوريا من الشرق أوسطية، بأنها تعني شطب الهوية
القومية, وأن عالم المستقبل في ظلها يعني أن نذوب كعرب ونتخلى عن كل ما يربطنا بتاريخنا,,
وهذا هو الهدف الذي يسعون إليه, الشرق أوسطية تطرح بديلاً عن العروبة، ثم كيف يمكن
لتعبير جغرافي أن يلغي انتماء قومياً أصيلاً, والعرب يرفضون ذلك بالتأكيد فالعروبة
ليست سلعاً نبيعها ونشتريها .
وقد حددت سوريا
ثلاثة أسس لمفاوضاتها مع إسرائيل وللرد على الاشتراطات الإسرائيلية والدولية في
الشرق الأوسط وهي: تنفيذ قرارات مجلس الأمن 242 و 338 تنفيذاً كاملاً وشاملاً؛
ورفض أي تجزئة للانسحاب الشامل ورفض القبول بالتسويات المنفردة.
ومعاهدة السلام
تعني في القاموس السياسي عدم الاعتداء المتبادل ولا علاقة لمثل هذا المفهوم بمسألة
تطبيع العلاقات وفتح الحدود الذي هو فعل من أفعال السيادة الوطنية، ولا يجوز
المساومة عليه أو فرضه.
وفي سياق
التطبيع مع إسرائيل المطروح في النظام الشرق أوسطي، يجد ((حافظ الأسد)):" إن
مفهوم التطبيع مع إسرائيل، لا ينطبق على واقع العلاقات بين العرب وإسرائيل, لأن
معنى تطبيع يفيد العودة إلى أوضاع كانت قائمة، طرأ ما من شأنه تغير هذه الأوضاع
وتالياً عندما تتم الدعوة للتطبيع فإن ذلك يعني العودة إلى الوضع الطبيعي الذي كان
قائماً قبل ذلك, ولكن إسرائيل أصلاً لم تكن موجودة، ولم تكن هناك علاقات معها
حتماً, وعندما قامت إسرائيل فإن قيامها قضى على الأوضاع الطبيعية التي كانت قائمة
قبل قيامها, وإذا، كان من معنى للتطبيع في هذه الحالة، فإن معناه العودة إلى ما
كانت عليه الأوضاع قبل قيام إسرائيل,,,إن وجود مصالح مشتركة بين طرفين لا يقره،
طرف دون آخر بل يجب أن يحظى برضى الطرفين, وقد تجد سوريا أن مصالحها تتحقق بإقامة
علاقات مع دول أخرى غير إسرائيل مثل اليابان وحتى الولايات المتحدة الأمريكية
وسيادتها الوطنية وحرية إرادتها تملي عليها إقامة علاقات مع الدول التي تحقق عبر
هذه العلاقات منافع متبادلة تنعكس إيجاباً على الطرفين".
ويتبين من العرض
السابق، عدم استعداد سوريا للحديث عن أية علاقات مع إسرائيل أو الحديث عن مشاريع
مشتركة كشرط لدخولها مفاوضات السلام, كما أنها تستهجن أي مستوى من العلاقات عربياً
مع إسرائيل دون التوصل إلى سلام عادل وشامل وعلى كافة المسارات العربية.
بمعنى آخر، إن سوريا
(ستعرقل) أي مسعى إسرائيلي أو دولي لقطف ثمار السلام دون السلام نفسه, فالموقف
الرسمي السوري في هذا السياق يشير إلى أنه يتوهم من يعتقد أن يقطف الإسرائيليون
ثمار السلام قبل أن يعلنوا استعدادهم لمتطلبات هذا السلام, وإن السلام لا يمكن أن
يقام وذرة تراب واحدة من أرض الجولان وجنوبي لبنان والبقاع الغربي لا تزال تحت
الاحتلال.
1 ـ حسن
إبراهيم: "لا نعتقد أن الدعوة إلى إقامة سوق شرق أوسطية, دعوة، لا يتوافر لها
المناخ المناسب وتحتاج إلى إعادة تقييم حذرة للعلاقات بين الأطراف المقترحة, ولا
ينبغي أن نصدق أن الهرم المقلوب سيساعد في التعجيل بإرساء قواعد السوق وحصد
ثمارها, لأنها ليست الفردوس ولا الملاذ الأخير ولا محطة مناسبة لتفريخ النمور
الموعودة, إنها عملية معقدة وشائكة وأول عقباتها الحاجة إلى زمن طويل لترميم
المزاج العام ليقبل التطبيع باعتباره ركيزة الانتقال من حالة العداوة المستحكمة
إلى السلام".
2 ـ لطفي
الخولي: "لا نعتقد في صحة أو سلامة ذلك الموقف العربي الذي يدعو إلى الامتناع
تماماً عن المشاركة في حركة الشرق أوسطية الراهنة والتي لا تعدو أن تكون من ناحية
دفعاً لحركة التسوية السياسية ومن ناحية أخرى إقامة تعاون إقليمي, وخاصة بالنسبة
للمشروعات الكبرى ذات النفع العام والمَّلح مثل تحلية مياه البحر, ولا نعتقد أيضاً
في صحة وسلامة ذلك الموقف العربي الآخر الذي يعلق إشراك العرب في حركة الشرق
أوسطية الجارية على شرط إتمام المصالحة العربية واستعادة قوة النظام العربي وبناء
السوق العربية أولاً وقبل كل شيء, ذلك أنه ليس من مصلحة العرب أن يعزلوا أنفسهم عن
حركة ترتب على الأرض، أوضاعاً وعلاقات تعاون، لا مفر وأن يتأثروا بها شاؤوا أم
أبوا".
3 ـ إنعام رعد:
" إن المشروع الشرق أوسطي، رغم القوى الهائلة التي دعمته وكادت تفرضه في
انعقاد القمم الشرق أوسطية وتوقيع الاتفاقيات وسريان موجة التطبيع, واجه، كما تبين
عاملين معترضين: الأول الطبيعية العنصرية الاستيطانية للصهيونية التي لم تترك حتى
للمراهنين عليه من العرب حيزاً لتلافي غضب شعوبهم، إلى تناقضاته الذاتية, وثانياً
ممانعة الأمة ومقاومتها ونهوض الحركة الشعبية العربية الرافضة التطبيع والإذعان,
فهل النفق الذي دخله المشروع سيدفن فيه أم هو مؤقت؟ إرادة أمتنا في الصراع هي التي
ستقرر إحدى النتيجتين ".
4 ـ محمد السيد
سعيد: "النظام العالمي الجديد هو الذي أعلن في سياق تشكيلات النظم الإقليمية
عن النظام الشرق أوسطي الجديد على حساب النظام العربي, والفكرة الأمريكية تقوم على
أساس إنشاء نظم إقليمية متخصصة، أو ما أصبح يدعى في علم السياسة (النظم الوظيفية
الإقليمية) التي تشكل كل منها وحدة مستقلة عن الأخرى في مجالات المياه والبيئة
والتنمية الاقتصادية والأمن والحد من التسلح, والهدف الأمريكي من هذه العملية
يتمثل في إنشاء نظام للأمن في الشرق الأوسط, لأن الأمن في نهاية المطاف يعتبر أهم
وظائف النظام الإقليمي الشامل، حيث يركز على مفهوم الحساسية المتبادلة, ومبدأ
التعرض المتبادل بين دول الإقليم" .
1 ـ المواقف
العربية المباركة للنظام الشرق أوسطي الجديد هي: السلطة الفلسطينية؛ والأردن؛ ومصر
؛ وبعض دول الخليج العربي كقطر وعُمان وبعض من دول المغرب العربي كتونس والمغرب
وموريتانيا.
2 ـ المواقف
العربية الرافضة للنظام الشرق أوسطي هي: سوريا ولبنان (إلى حد ما لكون موقفه
مرتبطاً بسوريا) وكذلك بعض دول الخليج.
3 ـ مواقف الدول
غير العربية في المنطقة التي تبارك النظام الشرق أوسطي هي: إسرائيل وتركيا.
4 ـ مواقف الدول
غير العربية في المنطقة التي لا تبارك النظام الشرق أوسطي هي: إيران.
5 ـ مواقف
الشخصيات السياسية والأكاديمية العربية متباينة فمنها من يدعو إلى المساهمة في
هكذا نظام إقليمي وعدم التحرج ومنها ما يرفضه رافضاً قاطعاً ويعتبره تجاوزاً على
النظام العربي ولاغياً لهويته.
نعتقد إن الدول
الموقعة على معاهدات سلام مع إسرائيل لم تجد إي تحرج في القبول بالنظام الشرق
أوسطي وكذلك بعض دول العربية التي تعاني من ضعف في منهجها القومي العربي، كونها لم
تتضامن (على الأقل شكلياً ) مع دول عربية شقيقة ما زالت أراضيها محتلة من قبل
إسرائيل أو لكون أنظمتها السياسية قائمة بأساس على دعم خارجي مما جعل موقفها
السياسي مرتهناً وغير (وطني) وفقاً للمعايير القومية.
بالنسبة للدول
غير العربية في المنطقة فهي تسعى للحصول على أسواق لتصريف منتجاتها في المنطقة
العربية لذا فإن الجانب الاقتصادي هو المحرك أو الدافع نحو القبول أو دعم النظام
الشرق أوسطي في المنطقة, ولو تابعنا الموقف الإسرائيلي من مشروع نظامها الشرق
أوسطي نجده هو الآخر متبانياً، فصقور حزب الليكود لا تجد تحرجاً بالقبول بالنظام
الشرق أوسطي لكنها لا ترغب بالتنازل أو القبول بمبدأ (الأرض مقابل السلام) وتطرح
مفهوماً آخر هو (الأمن مقابل الأمن).
بمعنى آخر، لا
للانسحاب من الأراضي المحتلة في العام 1967 ولا لإقامة دولة فلسطينية, وإنما على
العرب القبول بمبدأ العلاقات الطبيعية مع إسرائيل مقابل الأمن المشترك, إما صقور
حزب العمل أصحاب المشروع الشرق أوسطي فيجدون أن المدخل الاقتصادي للخروج من الصراع
القائم بين العرب وإسرائيل هو الحل الأمثل، ومقابل الانسحاب من الأراضي المحتلة
لعام 1967 وقيام دولة فلسطينية يتطلب من العرب وضع بيضهم في السلة الإسرائيلية
والقبول بعلاقات طبيعية (دبلوماسية؛ واقتصادية؛ وسياحة,,وغيرها).
ويعتقد صقور حزب
العمل أن النظام الشرق أوسطي بالدرجة الأولى هو لإنقاذ دولة إسرائيل من نفسها
والمحافظة على مستقبلها في المنطقة كون المؤشرات تشير إلى مستقبل محفوف بالمخاطر
ل إسرائيل حال استعادة العرب لدورهم في
المنطقة.
وعليه، فإن
الوقت مناسب للشروع بتسوية تكون بمجملها لصالح إسرائيل بالرغم من التخلي عن المكتسبات
التي حققتها إسرائيل وعلى حساب العرب في العقود الخمسة الماضية, هذان الموقفان
المتباينان في إسرائيل من النظام الشرق أوسطي أو السلام من العرب انعكس على الشعب
الإسرائيلي فاختار طريق اللا سلام مع العرب عند تصويته لحزب الليكود المعادي
لعملية السلام في الشرق الأوسط.
وبالتالي فإن
الكرة ما زالت في الملعب الآخر بانتظار قناعة أخرى للشعب الإسرائيلي تقوده إلى
السلام وإيقاف حمامات الدم التي تمارسها حكومة (الائتلاف الوطني) المكونة من حزبي
الليكود والعمل, إذاً، للمرة الأول يتفق الحزبان الرئيسيان في إسرائيل على سياسة
واحدة وهي سياسة العنف ومعاداة السلام.
الموقف السوري،
يرفض (بشدة) مناقشة أية مشاريع أو خطط مستقبلية للمنطقة مع إسرائيل دون التوصل إلى
معاهدة سلام نهائية مع إسرائيل تستعيد فيها سوريا ولبنان أراضيهما, وتبقى العلاقات
الدولية بين دول المنطقة ومنها إسرائيل شأناً آخر يمكن مناقشته فيما بعد.
هذا، الطرح لم
يغلق الباب نهائياً على النظام الشرق أوسطي في المنطقة لكنه لا يقبل بصيغته
الحالية ولا يريد الدخول بتفاصيل بشأن إعادة صياغة مشروع النظام الشرق أوسطي دون
تحقيق الشروط السورية بالانسحاب, والمتابع للمسار السياسي السوري في المنطقة يلمس
بوضوح التمسك السوري بالثوابت القومية، وبممارسة التعطيل للمشاريع الإقليمية في
المنطقة وبرغم كل الضغوط الدولية التي تمارس على سوريا نجد هناك يافطة سورية معلقة
بالمنطقة كتب عليها (لا حل ولا تسوية في المنطقة بدون موافقة سوريا).
إذاً، سوريا حسب
تعبير خطابها السياسي غير مستعجلة للوصول لصيغة اتفاق أو تسوية مع إسرائيل ووفقاً
لشروط الاحتلال بالرغم من أنها تطرح شعار (السلام العادل والشامل) وتقرأ مستقبل
المنطقة بقراءة قومية متفائلة، لربما لا يجيدها الآخرون!!.
كما يتعين النظر
إلى مواقف الأكاديميين والسياسيين العرب المتباينة من النظام الشرق أوسطي من
ناحتين: إما أنها نابعة من تماثل مع موقف السلطة التي ينتمون إليها، وإما من حالة
الإحباط والتردي من المواقف العربية المتردية بشأن القضية الفلسطينية، والجانب
الأكبر منها نابع من حالة عدم الثقة بالمشاريع الإسرائيلية التي مارست العدوان على
الأمة العربية على مدى أكثر من خمسين عاماً, وإن حالة السلام بين إسرائيل وبعض
الدول العربية لم تخلق المناخ المناسب لتوازن الثقة بين الجانبين.
ثلثاً- سيناريوهات النظام الشرق أوسطي:
إن النظام الشرق
أوسطي الجديد المطروح على المنطقة، يسعى إلى هندسة جديدة للشرق الأوسط على كافة
الأصعدة, ويجد بعض المهتمين بشؤون المنطقة بأنه جاء ليلغي الأنظمة القديمة التي
شُكلت منذ مطلع الخمسينيات من القرن الماضي ومنها نظام الجامعة العربية ليحل محلها
نظام (متكامل) بهندسته الاقتصادية والسياسية والأمنية,,وغيرها, ويكون بمثابة مظلة
إقليمية تحقق مصالح دول المنطقة والولايات المتحدة الأمريكية.
ولكن، المؤشرات
السياسية لهذا النظام حددت الخريطة الجغرافية التي يمكن أن يشملها النظام بحيث يضم
دولاً في المنطقة ويعزل دولاً أخرى (على الأقل) في مرحلته الأولى بغية ضمان عدم
تكون تحالفات داخل النظام تضر بمصالح الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل, والمعني
الأساس بهذا النظام، هو الدول العربية وإسرائيل التي تسعى الولايات المتحدة
الأمريكية لدمجها في المنطقة, إن الآراء العربية من النظام الشرق أوسطي المقترح
(أو المفروض) على المنطقة متباينة وكذلك هي الحال مع الدول الأخرى غير العربية.
لذا، برزت عدة
سيناريوهات بشأن الهندسة الجديدة للمنطقة منها:
1 ـ السيناريو
الأول: تُحسم جدلية النظام الإقليمي العربي لصالح هيمنة النظام الشرق أوسطي, والاحتمال
المرجح من خلال النظام العربي تحقيق الحالة الانهيارية التي يصبح فيها النظام
متلقياً وليس فعالاً, ويصبح الاحتمال المرجح للنظام الشرق أوسطي هو احتمال تحقق
النظام الشرق أوسطي ذي الاختصاص العام والبنية التنظيمية القوية.
2 ـ السيناريو
الثاني: وفيه يتجاوز النظام العربي الحالة الانهيارية إلى درجة من التنسيق المحدود
ويستوعب النظام العربي بحالته تلك في إطار نظام شرق أوسطي واسع العضوية يغطي مختلف
المجالات, وينتج هذا التنسيق العربي المحدود دفع بعض عناصر المشروع العربي لتتداخل
العناصر الأخرى في المشروعات الإسرائيلية والتركية، وقد يجد هذا السيناريو قبولاً
دولياً لأنه يحقق قدراً أكبر من الاستقرار الإقليمي لعدم إغفاله العنصر العربي في
معادلة التوازن المائي.
3 ـ السيناريو
الثالث: وفيه النظام العربي يستنهض القيم الكامنة فيه ويسيطر على مقدراته ويخطط
لمستقبله وفقاً لأولوياته وطموحاته، ويدخل في معادلة التوازن الإقليمي والدولي من
منطق مصالحه, وفي هذه الحالة فإنه لا مجال للنظام الشرق أوسطي تحت التشكيل.
4 ـ وفيه الحرب
قد تفضي إلى نظام عربي قوي، أو حالة اضطراب أو نظام شرق أوسطي مهيمن, والوضع الذي
تفضي إليه الحرب هو الذي يرجح المسار المائي ويصبح السيناريو العربي مرجحاً في
حالة النظام العربي القوي, وتنتج حالة الاضطراب فرصة للمسارات المركبة، بينما يصبح
المسار التركي ـ الإسرائيلي مرجحاً في سياق النظام الشرق أوسطي المهيمن.
* استقرار منطقة
الشرق الأوسط مطلب دولي ولأسباب استراتيجية,
* إن مجمل
الظروف العربية الحالية تجعل الطموح لتحقيق قدر من التنسيق هو الهدف الأكثر
واقعية,
* إن القوى
الأخرى في المعادلة الإقليمية لديها خططها الواضحة في الشأن المائي التي تسعى
لحيازة القبول الدولي لها,
هناك عدد من
السيناريوهات الأخرى يمكن أن تكون مرشحة كبديل عن مشروع الشرق الأوسط الجديد بحلته
الحالية منها:
1 ـ تعاون
إقليمي بدون مشاركة العرب، وإنما بمشاركة دول الطوق العربي (إيران؛ وتركيا؛
وإسرائيل؛ وإثيوبيا): ويهدف لزيادة شد الخناق على المركز (العرب) من الأطراف,
ويتطلب ذلك موافقة إيران التي قد تلجأ إلى القبول بهذا الخيار بحال تخلي العرب
عنها أو المساهمة في عزلها عن الهندسة الإقليمية الجديدة, أما تركيا وإثيوبيا
وإسرائيل فلهم مصالح مشتركة في إضعاف العرب، وتشكيل حلف عسكري وأمني ولربما
اقتصادي لمحاصرة الدول العربية, وإن أحد نقاط الضعف في هذا التحالف (أو السيناريو)
إن تركيا وإثيوبيا تعتبران من الدول التي يعاني اقتصادهما من عجز مالي، وبالتالي
غير مؤهلين للعب دور اقتصادي في التحالف المذكور, كما أنه من الصعوبة بمكان
اعتبارهما سوقين لتصريف منتجات كل من إسرائيل وإيران كونهما من الدول ذات الدخل
المنخفض.
2 ـ تعاون
إقليمي بدون إسرائيل: أن تمسك الدول العربية زمام المبادرة في الشرق الأوسط وتقترح
نموذجاً لعمل مشترك (اقتصادي؛ وسياسي؛ وعسكري؛ وأمني) مع الدول المجاورة للوطن
العربي بغرض عزل إسرائيل في المنطقة, وهذا السيناريو، سيثير حفيظة الولايات
المتحدة التي لا ترغب بإضعاف دور حليفتها إسرائيل في المنطقة, أما الدول غير
العربية (تركيا؛ وإيران؛ وإثيوبيا) فإنها تستفيد من هذا السيناريو بشكل كبير كونها
ستحصل على سوق تصريف لمنتجاتها السلعية في الوطن العربي, إضافة إلى المساهمة
الفعالة في البناء الهندسي الجديد للشرق الأوسط خاصة أنها تشترك مع الدول العربية
بتاريخ مشترك وديانة واحدة, وهذا، سيدفع عجلة التعاون نحو الأمام، وسيحجم دور
إسرائيل في المنطقة ولربما يخلق حالة من التوتر تعمل الولايات المتحدة على زيادة
وتيرتها بغية إفشال أي مخطط لا يأخذ بيد حليفتها إسرائيل في المنطقة.
" من
الممكن أن ينجح التعاون في منطقة الشرق الأوسط دون إسرائيل، حيث أن نبدأ بإحلال
مفهوم (التعاون الإقليمي) بدلاً من (النظام الإقليمي) وذلك في إطار التنسيق لحل
مشاكل ذات طبيعة إقليمية مشتركة كمشاكل المياه والبيئة والسياحة, على اعتبار أن
الحديث عن نظام إقليمي للشرق الأوسط ليس، ولا يجب أن يكون بديلاً أو نقيضاً لمفهوم
النظام العربي الذي يمهد لتبلور دولة عربية مركزية أو مجموعات عربية كبداية في
سياق قيام النظام العالمي الجديد ".
3 ـ تعاون
إقليمي مع وجود إسرائيل وإيران: وشكل هذا التعاون يختلف عما تطرحه إسرائيل في
مشروعها الإقليمي من حيث آليات التنفيذ والدور الذي يجب أن تلعبه كل دولة في الشرق
الأوسط الجديد, وسيسعى العرب إن يأخذوا زمام المبادرة في النظام الإقليمي الجديد،
بغية إحلال السلام في المنطقة والنهوض بالمشاريع المشتركة, وقد يكون أحد شروط هذا
السيناريو قيادة عربية فعالة في النظام الجديد, وإن إسرائيل سيسمح لها بممارسة دور
محدد ووفقاً لحجمها في المنطقة، ولن تكون مشاريع التنمية في إسرائيل على حساب
المساهمات المالية العربية.
وأعتقد أن هذا
السيناريو يتطلب موقفاً عربياً موحداً يفرض سياسته على النظام الإقليمي الجديد,
وإن حصل ذلك، فإن إسرائيل ستوافق على الدور المرسوم لها في النظام الجديد, أما في حال
استمرار حالتي التمزق والتشتت العربية فإن إسرائيل ستطالب بقيادة هذا النظام
لاعتبارات عديدة منها علاقتها المتميزة بالولايات المتحدة الأمريكية واقتصادها
القوي وأيضاً تفوقها العسكري على جميع دول المنطقة.
4 ـ تعاون
إقليمي بدون إيران: تسعى الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لعزل إيران في
المنطقة، ومن ثم احتوائها عبر فرض شروطها السياسية, وإيران، تعي هذا المسعى
الأمريكي ـ الإسرائيلي ضدها في المنطقة.
لذا، باشرت
بالانفتاح على الدول العربية وبشكل خاص على دول الخليج العربي, وسعت عبر سياستها الجديدة
في تهيئة الأجواء المناسبة في منطقة الخليج لفتح حوار مباشر مع الإمارات العربية
بغرض إنهاء احتلالها للجزر العربية الثلاث في منطقة الخليج.
كما وسّعت أوجه
تعاونها مع العراق عدوها السابق، بغية خلق تحالف جديد (إيران؛ والعراق؛ وسوريا)
والذي أطلقت عليهم الولايات المتحدة الأمريكية محور الشر, وإسرائيل لها مصلحة
كبيرة في استبعاد إيران من أي مشروع شرق أوسطي، كون النظام الإيراني الإسلامي
يعتبر حليفاً قوياً للعرب وقضاياه المصيرية ويقف بحزم إلى جانب المطالب العربية
باسترجاع أراضيه المغتصبة.
وتخشى إسرائيل
مشاركة إيران الفعالة في أي حرب يمكن أن تندلع في المنطقة مع العرب, فميزان القوى
العسكرية العربية، إذا ما أضيف له الترسانة العسكرية الإيرانية سيشكل تهديداً
حقيقياً لأمن إسرائيل في أي حرب قادمة.
وإذا ما أجبر
العرب على هكذا سيناريو فإنهم سيخسرون قوة حليفة قادرة على إجراء تحالف منفرد مع
إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية بمفردها وهذا التحالف سيضر كثيراً الأمة
العربية مستقبلاً.
لذا، يجب الحذر
من استبعاد إيران كقوة عسكرية واقتصادية من أي تعاون إقليمي في المنطقة, وعلى
العرب استغلال العرض الإيراني لمساندة قضايا الأمة والذي ينطلق من مبادئ الثورة
الإسلامية في إيران المساندة للأمة الإسلامية بمزيد من التعاون والترحاب.
5 ـ تعاون
إقليمي عربي ـ إسلامي: هذا السيناريو يشكل الأساس النظري للسياسة الإيرانية في
المنطقة للرد على الاقتراحات الأمريكية ـ الإسرائيلية ومشاريعها حول إحداث نظام إقليمي
جديد في المنطقة, هذا، السيناريو، سيضم فقط الدول الإسلامية ومنها الدول العربية
في المنطقة.
بمعنى آخر، هو
استبعاد لكل من إسرائيل وإثيوبيا, وفي حقيقته كنظام موجّه ضد إسرائيل المزروعة في
المنطقة وبالتأكيد في حال تشكله سيشكل تهديداً كبيراً على وجود إسرائيل.
وهذا، ما لا
ترغب به الولايات المتحدة الأمريكية ويواجه هذا السيناريو جملة من المصاعب منها:
أنه سيكون بديلاً أو تكتلاً داخل منظمة الدول الإسلامية، وكذلك سيجلب ليس عداء
أمريكيا وإسرائيلياً فحسب، وإنما أوروبا التي يمكن أن تعتبره حلفاً عسكرياً
إسلامياً موجهاً ضدها خاصة أنها أخذت تسبغ على أي نشاط إرهابي في اوروبا صبغة
إسلامية.
لذا، نعتقد إن
سُبل نجاح هكذا سيناريو ليست كبيرة لعدم وجود إرادة سياسية مستقلة في أغلب دول جسم
هذا النظام المقترح, وسترفض أغلب الدول العربية المشاركة به خشية من (الغضب)
الأمريكي ـ الأوربي.
6 ـ قيام تحالف
(عربي ـ إيراني ـ باكستاني) خاصة أن دولة مثل إيران تعاني من العداء الأمريكي لها,
وإن الوضع الداخلي في الباكستان (حالة العداء الشعبي ضد الولايات المتحدة
الأمريكية) وأزمتها مع الهند تجعلها تبحث عن حلفاء في المنطقة, ويعمل الحلف
المفترض على فرض الحياد على تركيا أو يضمها للحلف.
وبالتالي سيفشل
المشروع الشرق أوسطي الذي تسعى الولايات المتحدة لفرضه وباستيعاب إسرائيل, وفي هذه
الحالة، حالة الصراع العربي (الإسلامي) ـ الإسرائيلي سيستمر, ولتخفيف وتيرة التوتر
في الصراع المفترض يمكن أن يوافق الحلف (المفترض) على النظام الشرق أوسطي وبوجود
إسرائيل في حال قبولها بالسلام في المنطقة، وبالتالي تتوسع مهام الحلف ليكون مظلة
إقليمية تساهم في حفظ السلام والأمن في منطقة الشرق الأوسط وبعيداً عن تدخلات
الدول الكبرى (8) .
ونعتقد من الطرح
السابق للسيناريوهات المتوقعة في المنطقة، نجاح السيناريو الثالث الذي لا يغفل دور
إيران وإسرائيل, وبنفس الوقت يخلق توازناً إقليمياً بمشاركة إيران كحليف استراتيجي
للأمة العربية مقابل تحالف (لربما يكون ضعيفاً) مكون من تركيا وإسرائيل وإثيوبيا
في النظام الجديد.
ويبقى أن نشير
إلى وجوب اتخاذ موقف عربي موحد من أجل أخذ زمام قيادة هذا النظام الذي سيساهم به
جميع دول المنطقة, وحينئذ، يمكننا الحديث عن أوجه متعددة للتعاون بين الدول
الأعضاء.
كما نعتقد أن
أوجه التنسيق بين الدول الأعضاء في هذا النظام الجديد خاصة النفطية منها كالدول
العربية وإيران سيشكل ثقلاً سياسياً كبيراً، سيفرض نفسه ككتلة إقليمية يتوجب
التعامل معها كإحدى التكتلات الاقتصادية العالمية المهمة, وسيكون لها شأن كبير على
المستوى الدولي.
رابعاً- مناقشة وتحليل للنظام الشرق أوسطي:
النظام الشرق
أوسطي يواجه موجة من الرفض بسبب كون المشروع إسرائيلياً، خاصة من أنصار جبهة الرفض
لدولة إسرائيل في المنطقة أو من الدول التي ما زالت لم توقع معاهدات سلام مع
إسرائيل, والدعوة لعدم مناصرة المشروع الإسرائيلي (نظام الشرق أوسط الجديد) ينطلق
من كونه سيلغي الهوية العربية وسيضفي الهوية الإقليمية على المنطقة.
وبرأينا هناك مغالطة
منهجية في هذا التوجه كون الهوية العربية دلالة عن القومية والشرق أوسطية دالة
جغرافية تضم عدداً من الهويات القومية.
لذا، فإن
المنطلق غير سليم، يضاف إلى ذلك أن القومية العربية ليست شعباً صغيراً قابلاً
للصهر والاندثار شأنه شأن القوميات الصغيرة أو القابلة للاندثار، بدليل أن الهيمنة
العثمانية على المنطقة وسياسة (التتريك) التي اتبعتها لمدة خمسة قرون لم تسفر عن
إنهاء مقومات هذه الأمة، وكذلك الاستعمار الفرنسي على الجزائر الذي استغرق قرناً
من الزمن لم يفلح في سياسته في (فرنسة) الشعب العربي في الجزائر.
وعليه، فإن
الشعوب العربية ليست أقزاماً كما يحلو لحكام العرب تصويرهم، إنهم أمة كبيرة لهما
تاريخ تحسد عليه, أما ما آلت إليه أمورهم في الوقت الحاضر فتتحمله الحكومات
العربية نتيجة سياساتهما الذيلية وجهلها بتاريخهم وحضارتهم وبالتالي فإن الحكام
أقزام أمام أسيادهم من الأمريكيين والإسرائيليين، ويخشون من أي تغير في شؤون
المنطقة بغية إبقاء الأمور كما هي عليه مستورة بأشكال التعاون الخفي مع الولايات
المتحدة الأمريكية وإسرائيل ويعتقدون أن مظلة الصراع العربي ـ الإسرائيلي ما زالت
تشكل الحماية لهم من شعوبهم التي كرهت نغمة أولويات الصراع العربي ـ الإسرائيلي
على الديمقراطية والتنمية في الوطن العربي.
لذا، نجد أن
سياسة الانفتاح على النظام الشرق أوسطي الجديد المفروض على المنطقة من خلال
الولايات المتحدة الأمريكية يجب أن لا يواجه بسياسة الرفض التي لا تقدم ولا تؤخر
في سياق فرض المشروع على المنطقة عالمياً, وأنما يجب أن تستند إلى فرض الصياغات
العربية منهجياً على النظام الجديد بحيث أن يصبح المشروع شكلياً إسرائيلياً (نتيجة
سياسة القطب الواحد المفروضة على المنطقة من قبل أمريكا) وجوهرياً مشروعاً عربياً
يحقق الطموحات العربية ريثما يستعيد الوطن العربي مكانته في النظام الدولي الجديد.
وتأسيساً على ما
سبق، فإننا سنناقش أهم محاور النظام الشرق أوسطي الجديد وما هي التعديلات التي يجب
إدخلها عليه ليتواءم والمصالح العربية في المنطقة ومن أهم تلك المحاور:
تعاني أغلب
البلدان العربية من غياب الديمقراطية، وإن أغلب أنظمتها أنظمة شمولية (قمعية)
والإنسان العربي يقبع تحت هذا الظلم وانتهاك حقوق الإنسان منذ إنشاء الدول
(الوطنية) بعد الحقبة العثمانية سليلة القمع والاضطهاد للشعوب العربية, إن الإنسان
العربي مهمش من قبل الأنظمة العربية، فلم يؤخذ رأيه لا في الحرب ولا في السلام,
وتتصرف الأنظمة العربية في العموم ليس بوحي ذاتها وأنظمتها الشمولية فحسب وإنما
تتلقى معظمها أوامر خارجية لإبقاء الوضع كما هو عليه لاستمرار السيطرة والهيمنة
خاصة على منابع البترول والمنطقة بشكل عام, والشواهد والقرائن تشير إلى أن بقاء
أغلب الأنظمة العربية في الحكم مرهون بتنفيذ سياسات الدول العظمى وخاصة أمريكا.
من واقع تلك
الخريطة السياسية حول الديمقراطية يتبين لنا، بأن الشعوب العربية لا تتحمل أية
مسؤولية عن القرارات التي تم (أو يتم) اتخاذها من قبل الحكام العرب حول الحرب أو
السلام في منطقة الشرق الأوسط.
" بمجرد أن
يقفز الحاكم إلى السلطة بطريقة أو بأخرى وتحت ستار التهديدات الخارجية التي تهدد
البلاد سواء كانت تهديدات قائمة أو متوقعة يتمسك بالسلطة ولا يتنازل عنها أبداً
إلا إذا أقصي بالقوة أو إذا أزهقت روحه بفعل القدر أو البشر, ويفرض نفسه على الشعب
في ظل دساتير وقوانين تحقق له ذلك، وفي ظل انتخابات واستفتاءات زائفة لا معنى لها,
وفي ظل الأحكام العسكرية وقوانين الطوارئ وبطاريات من القوانين الأخرى ذات السمعة
السيئة ".
إذاً، هذا
التهميش المنظم للمواطن العربي من قبل الأنظمة العربية دفع قطاعات واسعة من الشعوب
العربية إلى الانفكاك عن مؤسسات الأنظمة العربية أو الهجرة أو اللا مبالاة لما
يحدث, أما القطاع الذي حاول أن يحتج أو يمارس ضغوطاً على الأنظمة العربية فكان
مصيره إما الإعدام وإما السجن.
" من أخطر
مزالق السياسة العربية الحديثة، أن كثيراً من القادة العرب تولدت لديهم استهانة
بجماهير أوطانهم, وقد اعتمدوا نوعاً من الازدواجية خطاً، إذ أصبحو يتصرفون على
النحو الذي تمليه عليهم الظروف أو الأقوياء لكنهم أمام جماهيرهم يقولون لهذه
الجماهير ما يتصورن أنه موافق لهواها, وذلك يضع فجوة عميقة بين الفعل والقول وبين
المكتوم والمعلن, وفي هذه الفجوة العميقة تسقط المصداقية ويضيع الحد الأدنى اللازم
من الاحترام لأي نظام ".
ولم يقتصر سجل
أنظمة الحكم العربية على ذاك التهميش للمواطن العربي فقط، وإنما سجل هذه الأنظمة
بات من أسوأ سجلات الأنظمة الفاشية لانتهاكات حقوق الإنسان في العالم, وأصبح
المواطن العربي منتهك الكرامة، تعترض سبيل حياته الطبيعية كتلة من الأجهزة
البوليسية والأمنية التي تتدخل حتى في شؤون حياته الشخصية, ولم تنفع المذكرات
والاحتجاجات والمناشدات التي تقوم بها المنظمات العربية والعالمية المختصة بحقوق
الإنسان لمراعاة حقوق الإنسان والالتزام بمقررات جنيف الخاصة بحقوق الإنسان.
و " لا
انفكاك لنا من حالة التردي والانقسام التي نعيشها ولا سبيل للتصدي للعدوان الهمجي
المستمر على الوطن والمواطن من قبل التحالف الاستراتيجي الأمريكي ـ الإسرائيلي إلا
بفك الأسر المضروب على حركة المواطن في كل مجتمعاتنا, إن انتشار القوانين المقيدة
للحريات والقوانين الاستثنائية وهيمنة أنظمة الطوارئ والمحاكم الاستثنائية والخاصة
وغياب سيادة حكم القانون وانتشار ظاهرة التعذيب والتصفية الجسدية في أقطار وطننا
الكبير تسببت في غياب مخل للمواطن العربي عن دائرة الفعل والمشاركة, إن درء
التهديدات التي نتعرض لها لا يتم إلا عن طريق التصفية الكاملة لهذه الترسانة من
القوانين الجائرة وإطلاق الحريات وتصفية المعتقلات وإطلاق سراح المعتقلين
والمسجونين السياسيين وإشاعة الديمقراطية في ديارنا ".
لقد فشلت أغلب
النظم العربية في تحقيق العدالة الاجتماعية، بسبب غياب الديمقراطية, وأدى هذا إلى
حالة من التمزق والتشتت خاصة بشأن القضايا المصيرية، فآلية اتخاذ القرار وماهية
هذه الأنظمة بشكل عام تنزع إلى الفردية والمزاجية ودون دراسة أو تمحيص بقضايا لا
تتحمل الاجتهادات الشخصية, إذًا، فإن الهوة بين الحاكم والمواطن واسعة بحيث لا
يمكن جسرها بغرض الوفاق الاجتماعي وإقامة الوحدة الوطنية لمواجهة التحديات الدولية
والإقليمية.
"
الديمقراطية ليست هي النظام الشرعي الوحيد للحكم فإذا حددت الديمقراطية نفسها
لتحقيق أغراض سياسية فحسب فهي ديمقراطية الأقلية, إذ لا بد أن تكون الديمقراطية
وسيلة وليست غاية سياسية تعمل مع غيرها من الوسائل الاجتماعية والاقتصادية لتحقيق
حياة أفضل للأغلبية والمقياس الحقيقي للديمقراطية يكون بالقدرة على دفع مجموعات
اجتماعية في جسم الحياة السياسية ".
إن النظام
(الشرق أوسطي الجديد) الذي طرحته إسرائيل يتناول مسألة الديمقراطية في المنطقة،
بشكل محاكاة (أو تناغم) مع المطالبات الشعبية في الوطن العربي, وتنطلق إسرائيل (من
وجهة نظرها) في تلك الأطروحات على أنها دولة ديمقراطية في المنطقة.
لذا، يتعين
عليها أن تكون بؤرة لتشع المفاهيم الديمقراطية في الوطن العربي الذي تسوده الأنظمة
غير الديمقراطية, لقد أصابت إسرائيل بطرحها هذا جزءاً من الحقيقية وليس الحقيقية
كلها, وأعتقد أن مشروعها جاء في قسمه مطابقاً لطموحات المواطن العربي، لكنه يتنافى
والحقيقة من وجهتي النظر العلمية والأكاديمية.
فإسرائيل، ليست
دولة ديمقراطية كما تدعي!!, وقبل طرح الحجج على ذلك، يتوجب (علينا) النظر إلى نصف
الكأس الممتلئ بغية إصابة كبد الحقيقة وعدم اعتماد مبدأ إلغاء وجهة النظر المغايرة
وعملاً بمبدأ الإنصاف والحياد العلمي في طرق أوجه القضايا الخلافية من وجهة نظر
أكاديمية.
نعم، يعتمد
النظام في إسرائيل مبدأ الانتخاب الحر للمواطنين في اختيار حكام إسرائيل, وهذا، لا
خلاف عليه وهو أحد سمات الديمقراطية في أنظمة الحكم, لذا، أشرنا سابقاً إلى أن
الشعب الإسرائيلي لا يريد السلام لأنه صوت لحكومة إسرائيلية معادية للسلام, وأشرنا
إلى أن المواطن العربي غير معني لا بالحرب ولا السلام في المنطقة لأنه مغيب ومهمش
من قبل الأنظمة العربية.
إذاً، فإننا لم
تغفل الجزء المملوء من الكأس بالماء!!, ودعونا ننظر إلى الجزء الفارغ من الكأس!!.
إن الديمقراطية
لها أسس ومعايير تحقق للمواطن العدالة الاجتماعية والأمن والعيش الكريم وترفض كل
أشكال التميز العرقي والأثني والعنصري وغيرها من أشكال الاضطهاد, لنعود إلى سؤالنا
السابق هل إسرائيل دولة ديمقراطية؟!!.
بالمعايير التي
ذكرناها، إسرائيل ليست دولة ديمقراطية لأن اعتماد وجه واحد من اوجه الديمقراطية
كتعبير عن أسس الديمقراطية يسقط حجة الالتزام بمبادئ الديمقراطية.
" فإسرائيل
(الديمقراطية) شعار كاذب لأنها بلد تغيب فيها الديمقراطية, إذا يعتمد نظامها على
أشد أنواع الأنظمة تفرقة على أساس عنصري فهي تفرق في المعاملة بين العرب عموماً
وبين الإسرائيليين عموماً أيضاً، ثم تفرق في المجتمع العربي بين عرب الخط الأخضر
(عرب 1948) وبين عرب شرق الخط الأخضر (عرب 1967) ثم تفرق في المجتمع الإسرائيلي
بين اليهود من أصل غربي (الأشكناز) وبين اليهود من أصل شرقي (السفاردم) ثم لا
تتورع أن تطبق نظام التفرقة المقيت بين السفاردم أنفسهم فتقرق بين اليهود من أصل
سوفيتي وبين غيرهم من اليهود الشرقيين، وبذلك فالحكم هناك للصفوة من الأشكناز
".
إذاً، نسف أحد
مبادئ الديمقراطية ألا هو العدالة الاجتماعية يلغي الوجه الآخر التي يمكن لدولة
إسرائيل الالتزام بها في حياتها السياسية.
وعلى العموم، لا
يمكن الفصل بين الحرية السياسية كوجه من أوجه النشاط السياسي عن الحرية الاجتماعية
لأن الثانية هي التي تحدد المساحة الحقيقية للحرية في النظام السياسي.
" فالحرية
السياسية إذاً، لا يمكن فصلها عن الحرية الاجتماعية, فلا يمكن للمواطن أن يتمتع
بحريته الحقيقية في التصويت إلا بضمانات ثلاث: أن يكون حراً من الاستغلال، وأن
تكون لديه الفرص المتساوية والمتكافئة للحصول على نصيبه من الثروة الوطنية، وأن
يعيش حياة آمنة في يومه وغده, وبدون هذه الضروريات الثلاث لا يمكننا القول بأن
الحرية قد تحققت للمواطنين أو بأنهم يعطون أصواتهم في الانتخابات بطريقة سليمة
تكفل لهم الاشتراك الحقيقي في رسم سلطة الدولة التي يتمنونها".
وعليه، فنحن مع
الصياغة الواردة في المشروع الإسرائيلي (الشرق الأوسط الجديد) حول مفهوم إشاعة
الأنظمة الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط, ولكن، ليس بالنموذج الإسرائيلي وإنما
بالنموذج الديمقراطي الحقيقي الذي يضمن العدالة والحقوق لجميع شعوب المنطقة وعلى
قدر المساواة والمسؤولية المترتبة على حجم وتأثير شعوب المنطقة.
وإن دول (الشرق
الأوسط الجديد) بما فيها إسرائيل بحاجة إلى إعادة صياغة أنظمتها السياسية بشكل
ديمقراطي يحقق السلام والرخاء لجميع شعوب المنطقة دون استثناء.
تسعى إسرائيل من
خلال مشروعها الشرق أوسطي، أن تندمج في المنطقة وتفتح لها الأسواق العربية بعد أن
ضاقت بها حدة التنافس في الأسواق الأوروبية, وإن الأسواق العربية لا تستقبل
البضائع الإسرائيلية مباشرة وإنما يتوجب إعادة ترخيصها باسم دولة أخرى وعبر تلك
الدولة يمكن أن تدخل السوق العربية ليس لأن الحكومات العربية تقاطع إسرائيل فحسب
بل إن الحكومات العربية تخشى شعوبها في حال تداول البضاعة الإسرائيلية مباشرة في
الأسواق العربية.
وهذا لا يكلف
إسرائيل بشكل كبير فحسب، بل إن البضائع الأوروبية المنافسة ستكون أرخص ثمناً,
وتخشى أوساط سياسية واقتصادية من غزو إسرائيل للأسواق العربية وسيطرة الاقتصاد
الإسرائيلي على الاقتصادي العربي في حال إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل خاصة أن
آليات النمو الاقتصادي والتبادل التجاري في الوطن العربي متخلفة قياساً بالنجاح
الذي حققه الاقتصاد الإسرائيلي.
والمؤشرات
الاقتصادية تشير إلى أن الدخل القومي الإسرائيلي في العام 2002 بلغ 100 مليار
دولار أمريكي وبلغت نسبة النمو الاقتصادي فيه 10% لنفس العام، وهو يساوي إجمالي
الناتج القومي في كل من: مصر؛ والأردن؛ وسوريا؛ ولبنان؛ والسلطة الفلسطينية، وبلغ
الاحتياطي من العملات الأجنبية لإسرائيل 24 مليار دولار.
ويعتقد ((شمعون
بيريس)):" إن حجم الدولة أو تعداد سكانها لم يعد الآن ضرورياً لتأكيد قوتها،
فالقوة في العصر الحديث تعتمد على عنصرين هما: الاقتصاد والتكنولوجيا".
وبالمقابل فإن
إسرائيل حصلت على إعانات مالية منذ العام 1948 بلغت 350 مليار دولار من أمريكا
والدول الأوروبية.
بمعنى آخر، أن
الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا أصبحتا عاجزتين عن تسديد فواتير المساعدات
والإعانات المتزايدة لإسرائيل وأعلنت البعض منها صراحةً ضرورة اعتماد إسرائيل على
نفسها لأن الاقتصاد العالمي يمر بفترة ركود وأنها غير قادرة على تحمل مزيد من
الأعباء.
أعتقد أن
(الخشية) من (الغزو) الاقتصادي الإسرائيلي غير مبررة، لأن الدول العربية واقتصادياتها
ليست هشة بدرجة أن يمتطيها الاقتصاد الإسرائيلي وإلا فإن الدول الأوروبية
والولايات المتحدة الأمريكية كان لها الأولوية بذلك لأن رأس المال العالمي لا يعرف
القيم ومصالحه وقيمه حيث يتواجد الربح والسوق.
وفيما يتعلق،
بالتكنولوجيا المتقدمة التي تمتلكها إسرائيل قياساً بما هو موجود في الوطن العربي,
فأعتقد أن دولة صغيرة كإسرائيل وحدها غير قادرة على تحديث عالم كالعالم العربي حيث
المساحة وعدد السكان ولربما تكون إسرائيل كدولة في المنطقة شأنها شان سنغافورة
وهونكونك تعيد استنساخ التكنولوجيا العالمية ولمَ لا في حال تكون تلك التكنولوجيا
متوفرة وبأسعار رخيصة وفي متناول اليد!!.
يبقى أن نشير
إلى أن الكفاءات العربية المنتشرة في العديد من المرافق العلمية الأوروبية
والأمريكية حال توفر الفضاء الديمقراطي والاستقرار والأمن في الوطن العربي فإنها قادرة
أن تكون رديفاً قوياً للكفاءات الموجودة في الوطن العربي وبالتالي فإن الهيمنة
الإسرائيلية في هذا المجال قد تكون محدودة التأثير والفاعلية.
الأمر الأخير
الذي يجب الإشارة إليه، أن البضائع الإسرائيلية تحتاج إلى أن تخوض صراعاً ومنافسة
كبيرة لتصل إلى يد المستهلك لأن فترة الصراع الطويل بين العرب وإسرائيل وسجل
إسرائيل الدموي في الذاكرة العربية لن يمحى بالسهولة التي تحلم بها إسرائيل أو أي
نظام عربي بدليل الإخفاق الذي تعانيه البضائع الإسرائيلية في السوق المصرية بعد
مرور أكثر من ثلاثة عقود من السلام بين البلدين.
أما بخصوص
التنمية، فلقد فشلت أغلب الأنظمة العربية في تحقيقها في بلدانها، لأن التنمية لا
تقتصر على وجه واحد من أوجه النشاط العام وإنما هي تفاعل حقيقي بين المشروع
التنموي وآلية التنفيذ والتطوير ألا وهو الإنسان, وفي حالة إخفاق آلية التنمية عن
إنجاز مهامها، فإن أسس التنمية برمتها تخضع للفشل العام, كذلك أخفقت البلدان
العربية في إيجاد تنسيق فيما بينها بشأن التعاون في إقامة المشاريع التنموية
المشتركة، وإن أحد المعوقات لهذا التنسيق هو اختلاف النظم السياسية في البلدان
العربية وغياب الأمن والاستقرار الاجتماعي للمواطنين,
" لا يمكن
تحقيق التنمية إلا في ظل تحقيق الأمن الذي لا يمكن تحقيقه إلا ببناء قاعدة وطيدة
للتنمية, وهذه المعادلة صعبة لا يمكن تحقيقها بجهود إقليمية فحسب بل أيضاً بجهود
عالمية مكثفة تقوم بها كل من الدول المتقدمة والمنظمات العالمية المختصة ".
وهناك العديد من
المشاريع التنموية المهمة لبلدان الشرق الأوسط معطلة بسبب الصراع العربي ـ
الإسرائيلي، إضافة إلى عدم وجود سيولة مالية لتنفيذها, لذا، فإن تدخل المنظمات
الدولية للمساعدة في الجانبين المالي والتكنولوجي لتنفيذ تلك المشاريع خاصة
المشتركة منها سيدفع المنطقة نحو مزيد من الاستقرار والأمن, كما أنها ستحقق مزيداً
من التنسيق بين دول الشرق الأوسط.
وتتطلب مشاريع
عديدة جهوداً مشتركة لتنفيذها خاصة على المستويين الإقليمي والدولي, وإن عملية
التنسيق لإنجاز تلك المشاريع يجب أن يسبقها إبرام معاهدات نهائية للسلام، وتلك
المعاهدات يجب أن تكون عادلة لجميع شعوب المنطقة لضمان استمرارها وعدم شعور أحد
الأطراف بالغبن أو إنه مجبر على التوقيع عليها, وهذا، قد يدفع أحد الأطراف الذي
يشعر بالغبن أن يتنصل من المعاهدة في حالة تغير الظروف الإقليمية والعالمية لأنها
تخل بأمنه القومي.
" فالنظام
الإقليمي الذي يبنى على العدالة أكثر من أن يبنى على القوة لا يمكن أن يستمر تحت
مظلة نظام عالمي جديد مبني على عدم العدالة باستخدام القوة وعدم المساواة, وإن
مفتاح حل التناقضات في المنطقة وغيرها هو تعزيز القانون الدولي وإعادة بناء سلطان
التنظيمات الدولية وإعادة تصحيح أسس العلاقة بين الشمال والجنوب والشرق والغرب
".
إن الخلاف بين
الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة والدول العربية من جهة أخرى حول مدلول
الإرهاب ما زال في أوجه, فالولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل تجدان أي نشاط
موجّه بفعل السلاح هو نشاط إرهابي وبغض النظر عن الهدف المعُلن للجهة التي تمارسه،
أما إرهاب الدولة التي تمارسه الدولتان فله عشرات التفسيرات في قواميسهم
الدبلوماسية, والدول العربية تجد أن الفعل الموجه بالسلاح إن كان من أجل حقوق
مشروعة كحق تحرير الأراضي المحتلة وكحق تقرير المصير والدفاع عن النفس فهو حق
مشروع.
لذا، فإن
القائمة التي نظمتها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بالمنظمات (الإرهابية)
في أغلبها تضم المنظمات والدول التي تعادي مصالح الولايات المتحدة الأمريكية
وإسرائيل في العالم, وبالضد من ذلك فإن تلك المنظمات قد تجد مراعاة ودعماً من
الأنظمة العربية خاصة منها التي تناضل من أجل تحرير الأراضي المحتلة من قبل
إسرائيل، على سبيل المثال: حزب الله اللبناني ومنظمتا حماس والجهاد الإسلامي
الفلسطينيتان,,وغيرها.
إذاً، نحن أمام
معضلة تحديد مفهوم الإرهاب وكذلك تحديد مفهوم الأصولية التي تطلقها الولايات
المتحدة الأمريكية وإسرائيل على كل المنظمات الإسلامية في العالم ووصفها بالمنظمات
الإرهابية, فإذا كانت الأصولية ودلالتها أعمال العنف التي تمارسها الحركات
والمنظمات الدينية في العالم فإنها قابلة للمناقشة والأخذ والرد, وإن كان القصد
منها صبغة المنظمات الإسلامية (الأصولية) فقط فإنها مردودة على أصحابها.
فالأصولية، إن
كانت أهدافها (إرهابية) كما يُزعم فهي تشمل المنظمات اليهودية (حركة شايس
الإسرائيلية وغيرها من المنظمات اليهودية المتطرفة) والمسيحية (البروتستانت
والكاثوليك وصراعهما في أيرلندا) والإسلامية (كحركة الأخوان المسلمين في كل من مصر
وسوريا والجبهة الإسلامية في الجزائر,,وغيرها).
أما أن تقحم
منظمات إسلامية أهدافها ذات طبيعة تحريرية ومناهضة للاحتلال والاستعمار ضمن قائمة
الأصولية فهذا إجحاف كبير بحق الإسلام, إن التنسيق في هذا المجال على المستويين
الإقليمي والدولي يضع الحكومات العربية في موقف حرج أمام شعوبها على المستويين
الأخلاقي والديني.
إذاً، المطلوب
إعادة تعريف مفهومي الإرهاب والأصولية قبل مطالبة الآخرين بتقديم الدعم والمساعدة
في مكافحة الإرهاب, فمثلاً حركتا حماس والجهاد الإسلاميتان في الأرضٍ المحتلة
وكذلك حزب الله اللبناني لا يتجرأ أي نظام عربي على اعتبارهم منظمات إرهابية لأنها
تحظى بدعم غير محدود من الشعوب العربية كونها حركات مناهضة للاحتلال.
إن المنظمات
الإرهابية، هي تلك المنظمات التي تعتمد أسلوب الإرهاب بقصد الإرهاب لتحقيق مآرب
وأهداف ذاتية وعلى حساب الآخرين, وبالتالي فإنها لا تحظى بأي دعم على المستويين
الحكومي والشعبي, وتستند حركات التحرر الإسلامية على أهداف وطنية تدعو إلى إنهاء
الاحتلال وتحقيق مشروعها الوطني، وهذا مطلب يحظى بدعم ورعاية مقررات جنيف والأمم
المتحدة في إنهاء الاحتلال للأراضي العربية المحتلة من قبل إسرائيل.
وعليه، فإن تلك
الأهداف تسقط ادعاءات وتصنيفات الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل, وعند إنهاء
مسببات النضال لتلك المنظمات وعدم تحولها إلى النضال السياسي، يمكن الحديث أو
الاتفاق على صياغة جديدة لتصنيفها كمنظمات إرهابية.
إن المتابع
لأغلب أوجه التنسيق بين الحكومات العربية، لا يجد توافقاً كاملاً بين تلك الأنظمة
على القضايا المشتركة عدا التنسيق والاتفاق الكاملين بين وزراء الداخلية العرب, أي
اتفاق الأجهزة الأمنية للحفاظ على تلك الأنظمة من شعوبها وقنوات الاتصال وتبادل
المعلومات فيما بين تلك الأجهزة كبيرة, ويجب أن لا يغيب عن بالنا هناك تنسيق بين
الأجهزة الأمنية العربية والعالمية بشكل كبير في عدة أوجه خاصة بما يتعلق الأمر
بما يسمى بالأصولية والإرهاب.
فالسلطة
الفلسطينية حققت أكبر إنجاز في تبادل المعلومات الأمنية مع الأجهزة الأمنية
الإسرائيلية وبشهادة الإسرائيليين أنفسهم خاصة بما يتعلق بما يسمى بالمنظمات
(الإرهابية).
فهذا رئيس
الوزراء الإسرائيلي الأسبق واليميني المتطرف ((بنيامين نتياهو)) يفاجأ في العام
1996 بحجم التنسيق بين الأجهزة الأمنية الإسرائيلية والفلسطينية بقوله:" لم
يكن هناك كثير لا أعرفه!! شيء واحد كان بمثابة مفاجأة لي لم أتوقعها وهو حجم
التعاون بين الأمن الفلسطيني والأمن الإسرائيلي, وهذه النقطة تحسب لهم (ويقصد حزب
العمل الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية)".
إن هذا التشابه
بين العقلية الإسرائيلية والإرث الحضاري الأمريكي " جعلكم كأمريكيين هدفاً
صعب الوصول إليه, لم يكن في استطاعتكم فهم ما نقول!!, فبالنسبة لكم كانت تهيئة
الفرصة لشعب ما كي يستقر ويتطور ظاهرة صحية تحاكي ما فعله آباؤكم الأوائل, ومما
زاد من صعوبة مهمتنا (كعرب) في بسط قضيتنا أمامكم، حقيقة أن الإرث اليهودي ـ
المسيحي جزء من حضارتكم, فالإسلام بالنسبة لكم فكر غريب وليس هناك من يهتم بالتعمق
في الإسلام سوى بعض الأساتذة, أما بعد أزمة النفط عام 1973 فقد بدأ آخرون الاهتمام
بالإسلام ليس انطلاقاً من محاولة إيجاد عناصر مشتركة في ميراث الأمم, بل انطلاقاً
من اعتبارات اقتصادية جديدة كان أبرزها قطع النفط".
إن الموقف
الأمريكي من الإسلام أخذ منحىً آخر منذ أحداث 11 أيلول عام 2001، وبات الهاجس
الأكبر للأمريكان العمل على الحد من أي نفوذ لأي نشاط ذي توجهات إسلامية في
العالم، وإن لم يكن لديه أية علاقة بالإرهاب, فهذا الخلط العشوائي بين الموقف من
ديانة سماوية ومن نشاطات معادية لأمريكا اتخذت من الإسلام واجهات لها يسقط الادعاء
الأمريكي بأنها دولة راعية للعدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم.
أما حالة
(الكراهية) التي تبرزها وسائل الإعلام الغربية في الدول الإسلامية ضد الإدارة
الأمريكية (وليس ضد الشعب الأميركي) فناتجة عن السياسات اللامسؤولة للإدارة
الأمريكية في العالم والتي تكيل بمكيالين ضد الشعوب الإسلامية خاصة بصراع الشرق
الأوسط.
إن الأصولية غير
مقتصرة على الإسلام في العالم، فهناك حركات ومنظمات مسيحية ويهودية أصولية مارست
(وتمارس) سياسة الإرهاب ضد مجتمعاتها لكن الإعلام الغربي لم يلقِ بالمسؤولية على
تلك الديانة السماوية, فقط حين يتعلق الأمر بالأصولية الإسلامية فإن الديانة
الإسلامية تمس باعتبارها مسؤولة عن تلك الحركات والمنظمات.
"
فالأصولية موجة عالمية غير محصورة في دولة أو دين بعينه، بل هي رد فعل طبيعي
للإنسان الحديث في عالمه الآخذ في التوغل نحو مزيد من المشاكل والتساؤلات, ويضع
لظاهرة الأصولية الأمريكية المسماة (الدين الجديد) تفسيرات أحدها يرى فيها دلالة
على ازدياد الجو الرجعي اليميني في أمريكا الذي أخذ في التوسع والانتشار منذ أوائل
السبعينيات, وينظر التفسير الثاني إلى الأصولية الأمريكية على أنها رد فعل لتيار
الليبرالية الجامح ".
إذاً، من يجدون
بأن النظام الشرق أوسطي الجديد أداة لقمع الحركات الإسلامية (الأصولية) أو حركات
التحرر فإنهم واهمون!!, لأن التنسيق بين الأجهزة الأمنية الإقليمية والعالمية
(كحكومات ظل في العالم) على أحسن ما يرام وليس هناك خلاف بين تلك الأجهزة الأمنية
على الاستراتيجية على المستويين الإقليمي والعالمي، إلا فيما يتعلق بتحقيق مصالحها
الذاتية وعلى حساب شعوب دول المنطقة.
وأعتقد، أن
تعريف الإرهاب والأصولية وإسقاط المبررات والحجج من برامج ما يسمى الحركات
الأصولية كفيل بتخفيض وتيرة اللجوء إلى العنف كأسلوب وحيد لتحقيق المطالب
المشروعة, وإن انتزاع تلك المبررات خاصة إنهاء الاحتلال للأراضي العربية سينعكس
إيجاباً على الاستقرار والأمن لجميع شعوب المنطقة.
يعتبر ملف نزع
أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط أحد الملفات الساخنة خاصة الأسلحة النووية منها
والتي تطالب الدول العربية بضرورة تخلي إسرائيل عنها، بغية إيقاف الحالة المحمومة
لتطوير وشراء السلاح في منطقة الشرق الأوسط خاصة في فترتي الثمانينيات والتسعينيات
من القرن الماضي .
فقد بلغت
مشتريات السلاح أرقاماً فلكية، وهناك سعي جاد بين دول الشرق الأوسط للحصول على
تكنولوجيا السلاح النووي بغية تعديل ميزان القوى العسكرية مع إسرائيل, ولم يقتصر
الأمر على إسرائيل والعرب، وإنما الصراعات الإقليمية الأخرى كانت وما زالت الدافع
لانزلاق المنطقة إلى آتون الحروب بغرض السيطرة والهيمنة أو لتحقيق أهداف
استراتيجية عالمية تسعى لفرض سياساتها على دول المنطقة.
لذا، فإن شعوب
الشرق الأوسط باتت تعيش حالة من عدم الاستقرار وهي معرضة لخطر السلاح النووي، حيث
يمكن أن يستخدمه أحد المتعطشين للدماء من جنرالات الحرب ليقضي على شعوب وتاريخ
وحضارات المنطقة.
وتستثمر الدول
الشرق أوسطية في المعدل ما مجموعه 60 مليار دولار أمريكي سنوياً على مشترياتها من
الأسلحة " وخلال حربي (تشرين عام 1973) و (الخليج الأولى أعوام 1980 ـ 1988)
اشترت الدول العربية وكذلك إيران بوجه خاص أسلحة بمبلغ إجمالي قدره 180 مليار
دولار, ومنذ حرب (الخليج الثانية عام 1990 ـ 1991) وقعت الدول العربية وإيران
طلبات لشراء أسلحة من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا والصين وكوريا
الشمالية بمبلغ يصل إلى ما مجموعه 30 مليار دولار (14) وهذا الاستثمار الضخم (أو التلف) في رأس المال
قد أوجبته الثورة التكنولوجية التي رفعت سعر الأسلحة، إذا تبلغ كلفة مقاتلة متقدمة
من طراز F15
أو ميراج 2000 حوالي 60 مليون دولار، وكلفة مروحية آباتشي 20 مليون دولار, أما ثمن
الدبابة الغربية فيبلغ بين (4 ـ 8) ملايين دولار، والدبابة الشرقية واحد مليون
دولار وكلفة صاروخ سكود B/C
أرض ـ أرض بين (1 ـ 2) مليون دولار، بينما يبلغ ثمن صاروخ سكود D بين (4 ـ 6)
ملايين دولار".
وإن تلك الأرقام
الفلكية، يمكن استثمارها في حالة السلام في استنهاض مشاريع التنمية المستقبلية
للمنطقة, لقد أثقلت تلك الموازنات العسكرية الهائلة للتوازن الاستراتيجي كاهل
المواطنين في منطقة الشرق الأوسط, وأفقرت العديد منها، فلقد بلغت ديون دول منطقة
الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ما قدره 217 مليار دولار أمريكي عام 1996, وبالرغم من
أن النظام الشرق أوسطي ، يدعو إلى نزع أسلحة الدمار الشامل والأسلحة النووية فإنه
لم يضع آليات عمل أو برنامجاً زمنياً محدداً.
وبهذا الصدد فقد
أكد وزير خارجية مصر آنذاك ((عمرو موسى)) في العام 1995 أن شروط بلاده للمساهمة في
النظام الشرق أوسطي تمر عبر ثلاث بوابات هي: السلام الشامل ونزع السلاح النووي
وقيام دولة فلسطينية.
وعلى ما يبدو
فإن الأوساط اليمينية من المجتمع الإسرائيلي غير مستعدة لإعادة الأراضي العربية
المحتلة أو حتى الموافقة على إقامة دولة فلسطينية.
" إن
إسرائيل ليست قادرة على التخلي عن السيطرة العسكرية على سلسلة جبال الضفة الغربية
ولا حتى عن هضبة الجولان التي تحمي شمال البلاد دون تعريض نفسها لخطر حقيقي في
الحرب, لذا، فلا يمكن الحديث عن السلام والأمن الإسرائيلي، وفي نفس الوقت نطالب
بانسحاب إسرائيل إلى حدود غير قابلة للدفاع عنها,,, ونجد أن دولة فلسطينية لا تشكل
تهديداً تكتيكياً فحسب، وإنما هي تهديد استراتيجي من الدرجة الأولى على وجود دولة
إسرائيل, وسيزداد الوضع خطورة إذا ما استخدمت الدولة الفلسطينية نقطة انطلاق لتوسع
الإسلام الأصولي,,, وإن المطالبة بقيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية تتعارض
كلياً مع السعي لتحقيق سلام حقيقي, إن وجودها يضمن حالة عدم استقرار ونزاع مستمر
يؤدي في النهاية إلى حرب حتمية".
في الحقيقة نحن
أمام معضلة كبيرة، فالمطلوب من العرب الجلوس إلى طاولة المفاوضات والشروع بمفاوضات
مع إسرائيل وفقاً لقرارات الشرعية الدولية 242 و338 بغية التوصل إلى حل نهائي
بالإضافة إلى النظام الشرق أوسطي الذي يعتمد أساسه على قيام سلام شامل ونزع
الأسلحة .
وبنفس الوقت،
نجد أن النوايا الإسرائيلية غير صادقة في الشروع بمفاوضات الحل النهائي, وعلى ما
يبدو، فإن الضغوطات الدولية على إسرائيل هي التي دفعتها للجلوس إلى طاولة
المفاوضات مع العرب دون رغبة صادقة في إيجاد حلول نهائية لصراع تجاوز عمره نصف
قرن.
إن إسرائيل تريد
مفاوضات مع العرب على أساس الأمن وليس على أساس الانسحاب من الأراضي العربية
المحتلة للعام 1967 وفقاً لقرارات الشرعية الدولية, ويعتقد رئيس وزراء إسرائيل
الأسبق ((بنيامين نتنياهو)) لكي تصمد معاهدة السلام مع سوريا لوقت طويل " لا
يجوز لإسرائيل أن تتخلى عن مواقعها الدفاعية والإنذارية الموجودة على هضبة الجولان
مقابل ترتيبات أمنية هشة (ترتكز) بشكل رئيسي على مناطق منزوعة السلاح ومقلصة
القوات يمكن إغراقها بقوات معادية في ساعات محدودة ".
" إن السذج
وحدهم هم الذين يحترمون صوت العقل، وهم يتعاملون مع العلاقات الدولية, فسياسة
إسرائيل يجب أن تقوم على اعتبارات الأمن وحدها: الهجرة ومساندة دولة كبرى ودولة
بلا حدود وأخيراً ضرورة تطويق العرب,,,فعلينا تشجيع اليهود للهجرة إلى إسرائيل، إذ
إن هذا سيحل مشكلة الأمن في المدن البعيدة ويعبد الطريق لتوسعنا في المنطقة
".
إن اليمين
المتطرف الإسرائيلي الذي تم التصويت له في الانتخابات الأخيرة، ليس لديه أي
استعداد للانسحاب أو إقامة دولة فلسطينية، ويدعو فقط للتفاوض على أمن إسرائيل ولا
شيء أخر, إذاً، ما معنى الطروحات حول نزع السلاح أو تقليل الموازنات العسكرية في
المنطقة طالما يطالب العرب بسلام مُذل يحقق الرغبة الإسرائيلية بالعيش بسلام على
أرض عربية مغتصبة!!.
" إن أي
حديث عن سوق مشتركة أو سوق مفتوحة في الشرق الأوسط، أو عن تعاون في الشؤون
الإقليمية, لا يمكن النظر فيه إلا إذا توافرت له عوامل الاستقرار الأمني والثقة
بين الدول التي يقوم بينها هذا التعاون, ومن المؤكد أن هذه العوامل لا يمكن أن
تتوافر إذا ما ظلت خيمة السلاح النووي الإسرائيلي تشغل فضاء المنطقة, وإذا، ما ظل
الأمن القومي العربي رهين ذلك السلاح، لأن شهره كفيل بأن يولد التوترات المتتابعة،
ويزيد حالة عدم الاستقرار وانعدام الثقة حدة, وأن يحصر أشكال التعاون في أضيق
الحدود إن لم يطوها ".
" القوة
النووية الإسرائيلية، لا تملك العمق الاستراتيجي اللازم (للضرب النظيف) فهي موجودة
على تخوم الشريط النفطي ذي القابلية الشديدة للانفجار, كما أن التلويح باستعمال
السلاح النووي سيقابله بالضرورة تلويح مقابل بأسلحة ردع لا تقل فتكاً عن السلاح
النووي كالأسلحة الجرثومية والكيماوية,,,إن السلاح النووي الإسرائيلي لم يعد يمنح
الدولة العبرية أكثر من (حصانة سيكولوجية)".
" فالتسلح
ليس هو الوسيلة الوحيدة لحل مشكلة الأمن، وإن كان يشكل جزءاً هاماً من
المشكلة,,فالأمن القومي لا بد أن يرتكز على التنمية وعلى قدرة الأمم المتحدة على
التحرك قبل حدوث الصدامات لمنعها إذ إن التحرك بعد حدوث العدوان لم يعد
كافياً".
إذاً، التسليح
ليس هو الوسيلة الوحيدة لحل مشكلة الأمن, وإن كان يشكل جزءاً هاماً من المشكلة,
ولتحقيق السلام العادل، يجب أن يكون هناك توازن في القوى والمصالح بين كافة أطراف
الصراع.
" إن
الاتفاقيات الرديئة لا يمكن أن تستمر لأنها تعتمد على خلل توازن القوى، وتوازن
القوى شيء متغير وهو نفس ما يحدث للتطبيع بالقوة, فالسلام أو التطبيع لا يمكن
فرضهما لأن الغرض وهو حفظ السلام يتناقض مع الوسيلة المستخدمة لتحقيقه وهي الظلم
والقوة, كل هذه الاتفاقيات مؤقتة تتساقط في أول وقفة يختل فيها توازن القوى، وهذه
الاتفاقيات تعتبر فترات باردة يقوم اللاعبون فيها بإعادة ترتيب أوراقهم
وإمكانياتهم استعداداً لجولة قادمة" .
ولنزع أسلحة
الدمار الشامل والأسلحة النووية لا بد من اتخاذ خطوات جريئة من كلا الجانبين،
تعتمد مبدأ التخفيض المتبادل لتلك الأسلحة لضمان أمن وسلامة الجانبين, ولتبيان
وجهات نظر الجانبين الإسرائيلي والعربي في نزع السلاح من المنطقة، نورد أدناه
تصورات الجانبين.
1 ـ يجب وقف
تزويد كافة الدول العربية بالسلاح المتقدم نظراً إلى أنها متفوقة على إسرائيل في
الأسلحة التقليدية.
2 ـ فرض رقابة
على أسلحة الصواريخ العربية ذات المدى المتوسط والطويل (القادرة على بلوغ أهداف
إسرائيلية) كمرحلة أولى قبل إزالتها تماماً.
3 ـ تجريد الدول
العربية من الأسلحة الكيماوية.
4 ـ تقليص حجم
الجيوش العربية بنسبة عالية حتى تمحى إمكانياتها على مباغتة إسرائيل في أي هجوم.
5 ـ إن إسرائيل
يمكن أن تجاري الدول العربية في مجال واردات الأسلحة الحديثة وتخفيض الأسلحة
التقليدية، لكنها لا تستطيع قبول أي تخفيض في ترسانتها النووية قبل تحقيق السلام
فعلياً وقيام النظام الشرق أوسطي الجديد ونظام الأمن الجماعي، واستقرار هذا
النظام.
ويعتقد شمعون
بيريس " إن للأمن العسكري وجهين: وجه دفاعي ووجه هجومي وكلاهما لم يعد يعتمد
الآن على حجم الجيوش أو أسلحتها التقليدية, فالوجه الهجومي يعتمد الآن على أسلحة
الدمار الشامل (الصواريخ والأسلحة النووية) وإما الوجه الدفاعي فهو التحقق من أن
المجال المحيط بالدولة لا تتجمع فيه أو توجد أية أسلحة للدمار الشامل ".
1 ـ إن التسلح العربي
كمي أكثر منه نوعي، ولا يمكن وضع كل الأسلحة العربية في خانة واحدة واعتبارها
موجهة ضد إسرائيل, لأن هناك صراعات ونزاعات مع دول عديدة غير إسرائيل.
2 ـ إن الدول
العربية لا تقبل أي تخفيض في حجم جيوشها وأسلحتها قبل حدوث تقدم حقيقي في عملية
السلام يتمثل في التزام إسرائيل بقرارات الشرعية الدولية وإعادة الأراضي المحتلة
إلى الدول العربية.
3 ـ لإنشاء
منطقة منزوعة السلاح في الشرق الأوسط وإزالة أسلحة الدمار الشامل، لا بد أن تقوم
إسرائيل أولاً بتوقيع معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية وإزالة ما تملكه منها.
4 ـ إن الدول
العربية تقبل بقاعدة عدم التوازن في إجراءات الحد من التسلح لصالح إسرائيل ولكن
على أن يبدأ سريان هذه القاعدة بعد التوصل إلى السلام.
5 ـ الدول
العربية توافق على أن تكون أية أراضٍ تنسحب منها إسرائيل منزوعة السلاح وخاضعة
لنظام الإنذار المبكر.
6 ـ الدول العربية
موافقة أيضاً على تقديم بعض المبادرات من جانبها بهدف بناء الثقة ولكن ليس قبل
الوصول إلى اتفاقيات سلام.
إن الأفكار
المطروحة بشأن الشرق الأوسط وتحديداً منها المشاريع المشتركة، تحتاج إلى تمويل
مالي, لذا، اقُترح تشكيل بنك مالي إقليمي يعمل على تغطية النفقات المالية لتلك
المشاريع, ويستمد البنك رأس ماله من عدة مصادر منها: مساهمات دول المنطقة والشركات
العالمية ومؤسسات المال الدولية كالبنك الدولي,,وغيرها.
ويحدد ((شمعون
بيريس)) مصادر رأس مال البنك من:" أموال سيتم جمعها من دول المنطقة نفسها,
إذ، يجب أولاً: أن تتضمن اتفاقيات السلام اتفاقيات ثانوية تخفض بموجبها تكاليف
التسليح بمقدار الثلث, وثانياً: من مساهمة الشركات الدولية الكبيرة برأس مال عن
الاستثمار في القطاع الخاص، حيث سيولد تطوير البنية التحتية المادية, وهي
المواصلات والاتصالات والمصادر الطبيعية (بصورة خاصة تحلية المياه) وطلبات للمعدات
كما سيولد أيضاً فرص عمل جديدة, وثالثاً: هي المعونة المباشرة التي يمكن أن تأخذ
طريقها إلى السكان المعوزين مثل أهالي قطاع غزة ، وذلك باستخدام المصادر المالية
الخارجية وأفرادها للأغراض الإنسانية".
وتطالب الأوساط
المالية دول المنطقة باعتماد سياسة مالية جديدة وتحسين أداء نظامها المالي بما
يتناسب والأنظمة المالية العالمية كي يصار إلى التعامل الشفاف ودون أية قيود
وعراقيل تؤثر على سُبل التعامل المصرفي بين دول المنطقة, وفي مؤتمر عمان الاقتصادي
للعام 1995 تم الحصول على وعود من دول العالم للمساهمة في البنك الإقليمي.
وتشكل تلك
المساهمات ما قدرها 5 مليارات دولار أمريكي، وباقي المساهمات من المؤمل أن تأتي من
فرنسا وألمانيا وبريطانيا ودول الخليج العربي, وتجدر الإشارة إلى أن رأس المال
المقترح للبنك الإقليمي يبلغ 40 مليار دولار أمريكي.
ويعتقد أن تقوم
الولايات المتحدة الأمريكية بالضغط على الدول النفطية خاصة الخليجية منها للمساهمة
بالنصيب الأكبر من رأس مال البنك بعد التوصل إلى سلام عادل على كافة المسارات في
المنطقة, كما تعهدت الولايات المتحدة الأمريكية بممارسة ضغطها على دول الاتحاد
الأوربي خاصة منها فرنسا وألمانيا وبريطانيا للمساهمة المالية في البنك الإقليمي.
تطالب إسرائيل
دول المنطقة النفطية بتخصيص 1% من عوائدها النفطية لصالح البنك الإقليمي بغية
الشروع بإنجاز مشاريع التنمية المعطلة بسبب التمويل, وتعتقد إسرائيل أن المدخل
الاقتصادي في الشرق الأوسط هو الكفيل بالوصول إلى تسوية دائمة في الشرق الأوسط
ويعيد الاستقرار والأمان لجميع شعوب المنطقة.
ويعتقد ((شمعون
بيريس)) أنه يجب تبني تكتيك ((جان مونية)) حول السوق الأوروبية المشتركة في وضع
الشرق الأوسط " وهو مقتنع بأن المساهمة في الميدان الاقتصادي فيما يتعلق
بالتطور الصناعي من شأنها أن تخلق حالة ذهنية قابلة لإسقاط الكراهية الرسمية
الموجودة بين عدد من الدول العربية خاصة دول شمال أفريقيا وبيننا".
ويقترح الجانب
الإسرائيلي وضع البنك تحت مظلة البنك الدولي وحمايته، إلا أنه سيكون منفصلاً عنه
من الناحية التنظيمية وسيكون بإمكان هذا البنك التعامل بصورة سريعة وفعالة مع
احتياجات المنطقة.
لا يوجد رأي
عربي رسمي مبلور ومحدد من مجمل النظام الشرق أوسطي، بل توجد آراء مختلفة سواءً
للدول أو الأكاديميين العرب، وتلك الآراء يمكن تقسيمها إلى:
1 ـ الدول التي
لها علاقات مع إسرائيل والدول التي تسعى (للهرولة) لحد اللهاث وراء العلاقة مع
إسرائيل، فإنها تؤيد النظام الشرق أوسطي، وبالتالي البنك الإقليمي, وتوجد دولاً
أخرى لها بعض التحفظات أو اقتراحات على تعديل بعض بنوده، وأخيراً هناك دول عربية
ترفض المشروع جملةً وتفصيلاً وترى أن المشروع البديل يمكن أن يكون مشروعاً عربياً
ـ إسلامياً وهذا يتفق مع تطلعات بعض دول منطقة الشرق الأوسط كإيران.
وتشير الإحصاءات
إلى أن رأس المال العربي المستثمر خارج المنطقة ]يصل إلى نحو 800 مليار دولار،
بينما ظلت المشاريع والاستثمارات المشتركة في الحدود الدنيا (3 ـ 7% من إجمالي
الصادرات و 9% من إجمالي الواردات لعام 1995) في حين لو تم التكامل الاقتصادي
الإقليمي (العربي ـ الإسلامي) فإن هناك مستقبلاً (مشرقاً) من الانتعاش الاقتصادي
والنهضة العلمية والتكنولوجية والاستقلال الذاتي لدول المنطقة.
2 ـ الأكاديميين
العرب، هم أيضاً لا يتفقون على رأي موحد، بل البعض منهم يعتقد بأن النظام الشرق
أوسطي سيعمل على نزع الهوية العربية ـ الإسلامية ويطلق يد إسرائيل في المنطقة,
ومنهم من يرى أن المشروع يحتاج إلى دراسة في كافة أوجهه قبل الشروع بالموافقة أو
الرفض.
3 ـ والرأي
الأخير يدعو للانخراط في النظام الشرق أوسطي، فالنظام الاقتصادي العربي ليس نظاماً
هشاً بالقدر الذي يدعو للقلق فبمجرد إدخال بعض الإصلاحات عليه يغدو نظاماً قادراً
على فرض سطوته في الأسواق العالمية بفضل الرساميل الكبيرة التي يمتلكها, فحجم
التوظيفات المالية العربية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية بلغت 800 مليار
دولار في عقد التسعينيات، فلو تم استعادتها وتوظيفها لصالح اقتصاديات الدول
العربية فإنها ستعمل على إنعاش مشاريع التنمية في المنطقة.
وسيدفع الدول
الغربية لإعادة حساباتها في المنطقة, لذا، فإن مساهمة العرب في النظام الإقليمي
وبنكه المالي ستكون لصالح العرب وليس لإسرائيل!!.
في كل الأحوال،
فإنه للوهلة الأولى يبدو أن للبنك المالي الإقليمي مهام محددة بشأن تمويل مشاريع
التنمية في المنطقة، لكن بنفس الوقت نجد أنه في مؤتمر عمان الاقتصادي لعام 1995
طرحت إسرائيل 218 مشروعاً بكلفة 24.7 مليار دولار, في حين إن قيمة المشاريع
العربية (مصر؛ والأردن؛ وفلسطين) التي طرحت لم تتجاوز كلفتها 12.5 مليار دولار، أي
إن تكاليف المشاريع الإسرائيلية بلغت الضعف.
بمعنى آخر،
إسرائيل سوف تستفيد بشكل أكبر من التمويل المالي للبنك الإقليمي بالرغم من أن
المساهمة المالية العربية هي الأكبر.
وهذا لا يبرز
التفوق الإسرائيلي في مجال طرح المشاريع واستثمار أموال البنك وإنما يظهر ضعف
الأداء العربي وعدم وجود مراكز للدراسات التنموية المستقبلية, ولم يقتصر هذا
الأداء العربي الضعيف على قمة عمان وإنما (للأسف) في كل المنتديات الاقتصادية
العالمية خاصة الأوروبية منها التي خصصت مساعدات مالية من أرباح شركاتها لإقامة
مشاريع في دول المنطقة، فإذا بحصة الأسد تذهب إلى إسرائيل لا بسبب وقوف هذه الدول
إلى جانب إسرائيل وإنما لخلوا الجعبة الرسمية العربية من دراسات وحرص على المصالح
العربية العليا!!.
" ومن سوء
الحظ أن السياسة العربية الحديثة ـ في أواخر القرن العشرين ومطلع القرن الواحد والعشرين
ـ تعرف كيف (تتأقلم) لكنها لا تعرف كيف (تتعلم)".
1 ـ غياب
الديمقراطية في الوطن العربي عموماً.
2 ـ الديمقراطية
في إسرائيل ليست نموذجاً يحتذى به لأنه عنصري.
3 ـ الديمقراطية
الحقيقية لجميع شعوب المنطقة ضمان حقيقي للعدالة والسلام في منطقة الشرق الأوسط.
4 ـ تحديث
الأنظمة في الوطن العربي تحديداً شأن داخلي تتكفل به الشعوب العربية مع أنظمتها،
ولا بأس من دعم دولي لضمان التحديث والمساعدة والإشراف على تنفيذه عبر منظمات
الأمم المتحدة لضمان نزاهة الانتخابات على سبيل المثال وحرية العمل السياسي.
5 ـ دعم أي
مشروع لإنشاء محاكم لمجرمي الحرب وانتهاك حقوق الإنسان لضمان الديمقراطية في منطقة
الشرق الأوسط وتحت رعاية وإشراف الأمم المتحدة.
6 ـ تحديث
الأنظمة الاقتصادية العربية بما يتواءم والانفتاح الاقتصادي بين الدول العربية
أولاً ومن ثم الدول الشرق أوسطية.
7 ـ تحديث
الأنظمة الجمركية بين الدول العربية بغية إعطاء أفضلية للتبادل السلعي بين الدول
العربية منها للدول الشرق أوسطية, على الأقل، في الفترة الأولى من الانفتاح
الاقتصادي.
8 ـ اعتماد مبدأ
التفاضل في تشجيع السلع العربية المتداولة في الأسواق العربية على أن لا تغفل
الجوانب الاقتصادية الأخرى كالجودة والسعر التنافسي.
9 ـ إن استئصال
الإرهاب وتخفيف وتيرة العنف من المنطقة، يجب أن يرافقها بالدرجة الأولى إنهاء
مسببات التوتر وتحقيق الأهداف المشروعة للمنظمات والحركات التحريرية في المنطقة.
10 ـ الأصولية
والإرهاب مفهومان ملتبسان يجب إعادة صياغتهما بما يتواءم وظروف وطبيعة المنطقة
والعالم، وإقصاء دلالتهما (الأمريكية والإسرائيلية) وشموليتهما للمنظمات الإسلامية
فقط، بل من المفترض أن تشمل كل المنظمات الإرهابية الأصولية في العالم، بغية عدم
إعطاء مسوغات وحجج لمحاربة الإسلام من خلالهما.
11 ـ إزالة
أسلحة الدمار الشامل والأسلحة النووية من المنطقة كفيل بخلق مناخات مناسبة للأمن
والاستقرار لشعوب المنطقة.
12 ـ التقليل من
سباق التسلح وتخفيض عدد القوات المسلحة في جميع دول المنطقة، يساهم في توفير
الاعتمادات المالية المناسبة للشروع بالتنمية والمباشرة بالمشاريع التنموية بين
دول المنطقة.
13 ـ المساهمة
الدولية لضمان السلام، لا تتعين بالإشراف العسكري والهيمنة وإنما بمنح مزيد من
الإعانات والمساعدات والقروض للنهوض بخطط التنمية في المنطقة وتأمين الاستقرار
والعيش الكريم للمواطنين.
14 ـ البنك
المالي الإقليمي المفترض، يجب أن يغطي مستلزمات وبرامج التنمية في دول المنطقة على
ضوء حاجتها الأساسية خاصة بالنسبة للدول التي يعاني اقتصادها من الضعف وتتزاحم
متطلباتها التنموية لتنعكس إيجاباً على دخل مواطنيها.
15 ـ المشاريع
المشتركة، يجب أن تحظى بأولويات البنك الإقليمي بغية تدعيم أسس السلام وخلق مزيد
من الأواصر بين دول المنطقة.
16 ـ المساهمات
المالية العالمية في البنك المفترض، يجب أن تكون لصالح جميع دول المنطقة وليس على
حساب اقتصادياتها وإملاءات الدول المساهمة.