مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 32 السنة الحادية عشرة 2008

 

 

 

كتـاب «دور الفكر في السياسة والمجتمع»(*) تأليف صاحب الربيعي ـــ قراءة: د.خلف الجراد

ينطلق الكاتب صاحب الربيعي في تحليله لدور الفكر في التحولات السياسية والمجتمعية من أطروحة وإشكالية مفادها أنّ «النظريات السياسية والاجتماعية نظريات خارجة عن السياق العلمي, ولم يجر التحقق من صدقها على صعيد الواقع في بيئات اجتماعية مختلفة, وأكّدت معظم نتائج تطبيقاتها العملية في بيئات محدّدة على عدم صدقها مع الواقع المعاصر, كونها تمثّل حقباً تاريخية مغايرة, ولم تجار ما شهده العالم من حداثة وعصرنة»(ص7).‏

يتناول الكتاب المحاور الرئيسة للأبعاد الفكرية للنظريات السياسية والاجتماعية, ومفهوم الحزبية والمؤسسات السياسية, ومسألة الاستبداد والتحرر في المجتمع.‏

فهو يفرّق بين المفهوم النظري والمفهوم العلمي, مشيراً إلى أنه لا يجوز تعميم الفرضيات (السياسية والاجتماعية) على المجتمعات كافة, لأن استنتاجاتها تخصّ مرحلة تاريخية محدّدة, ولأنّ آليات الصراع الاجتماعي وعوامله متغيّرة بفعل التقدم والتحديث. في حين أن مقدار الخطأ في المفهوم العلمي محدود نتيجة إخضاعه للتجربة للتحقق من صدقه, لذلك يمكن تعميمه دون الخشية من حدوث إخفاقات في تطبيقاته العملية في بيئات مختلفة. ومع ذلك فإن العلم التطبيقي لا يعرف الثبات, ويتسم بالشك الدائم في صحّة النتائج, ويأخذ بالحسبان مقدار الأخطاء الجزئية المتوقعة عند التعميم.‏

وبغية البرهنة على صدق هذه الأطروحة المتشككة يستعين الباحث بمجموعة من المقولات والآراء الفلسفية, المنطلقة من فكرة عدم إمكانية التحقق من صدق النظريات الاجتماعية والسياسية. ويستند في ذلك إلى رأي وليم جيمس القائل: «إن صحة الفكر تعود إلى إمكانية التحقق من صدقه أو عدمه, فالتثبّت والتحقّق والتحليل هي التي تحدد الحقيقة وتؤلّف لبّها وجوهرها».‏

ويرى الكاتب أنّ أكثر من 20 دولة في العالم اعتمدت وعلى مدى 80 عاماً من التجربة على النظرية الماركسية أساساً لنظمها السياسية, وبإسقاط المنهج التجريبي عليها ظهر أن هناك فشلاً ذريعاً لحق بها نتيجة إتباعها رؤية دوغمائية بقوالب فكرية ونصوص جامدة, ولم تتمكن من مجاراة حركة التطور والعصرنة في العالم. (ص15)‏

أمّا «النظام الليبرالي» فإنه يشكّل برأي صاحب الربيعي الصورة المتقدمة للنظام الديمقراطي, حيث قدّم الحلول لبعض المشكلات التي عاناها النظام الديمقراطي, خاصة في مجال معالجة حقوق الأقليات العرقية والإثنية, في ظل وجود حكم أغلبية برلمانية مستمّدة شرعيتها من صناديق الاقتراع, لفرض توجهاتها من خلال آليات النظام الديمقراطي على فئات المجتمع.‏

وقد ضمن النظام الليبرالي حرية ممارسة الشعائر الدينية والحريات الشخصيّة, واشترط عدم تدخل الدولة في الشؤون الخاصة للأفراد والجماعات.‏

وفي الجانب الاقتصادي اعتمد الفكر الليبرالي سياسة الباب المفتوح للاقتصاد, ورفض تدخل الدولة في فرض نهجها على مرافق النشاطات الاقتصادية, ومنح الحرية للقطاع الخاص في ممارسة نشاطه بحرية لإنعاش الاقتصاد المحلّي, وعلى الصعيد الدولي تحتكم الدولة إلى قوانين السوق والنظام المصرفي التجاري وأنظمة السوق العالمية.(ص20)‏

ويستشهد الكاتب مرات عديدة بآراء «فرانسيس فوكوياما» صاحب نظرية «نهاية التاريخ», والذي يؤكد أن «التطور الاقتصادي يتطلب النظام الديمقراطي الليبرالي, لأنه أولاً قادر على معالجة تعقيد المصالح المتأزمة التي يؤلّدها الاقتصاد الحر, وثانياًَ: المجتمعات المتقدمة تكنولوجياً, تساهم في انهيار الأنظمة الشمولية ونظام الحزب الواحد, وثالثاً: نجاح التصنيع ينتج مجتمعات تسود فيها الطبقات الوسطى, وهذا النوع من المجتمعات يفرض المشاركة السياسية والمساواة».‏

ثم يتوقف عند دور الفكر في السلطات السياسية والحزبية, مشيراً إلى أن معظم الأنظمة والأحزاب السياسية في منتصف القرن الماضي في العالم استندت إلى مذاهب فكرية تدعو للالتزام بالقيم (الميتافيزيقية) لتحرير البشرية من براثن العداء والكراهية, وما أفرزته الحروب العالمية من نتائج سلبية, تسبّبت في تصعيد حالة الكراهية والعداء بين الشعوب, وعلى حساب مبادئ التسامح والمحبة بينها.‏

فالمعروف أنّ الأحزاب السياسية المتبنية للتوجهات الفكرية الداعية إلى العدالة والمساواة بين البشر حققت انتصاراً كبيراً على غيرها من الأحزاب التي انحسرت توجّهاتها في تحقيق المصالح القطرية والفئوية.‏

ولكن هذا الانتصار تراجع مع نهاية القرن الماضي نتيجة إخفاقه في تحقيق أهدافه على صعيد الواقع, فصدق الفكر لا يعود إلى ماهيته النظرية فحسب, بل إلى مدى تطابقه مع الواقع, فإنّ حقّق غايته تم الاعتراف بصدقه.‏

والواضح أن المؤلِّف شديد الإعجاب بالبراغماتية أو النفعية, فمبدأ السعي وراء المصالح أهم لديه من التوجهات الفكرية والأخلاقية والقيمية, التي يصعب تحقيقها. ويكرّر في هذا المنحى القول بأن «مبدأ تحقيق المصالح مع المجتمع هو الأساس لكسب المؤيدين, لما يحققه من منفعة لجميع فئات المجتمع, فصدق الفكر يعني مدى تحقيقه للمنفعة عند إسقاطه على الواقع»(ص29).‏

وبهذا فإن المنهج البراغماتي, نهج عملي ومحدد المسارات في تطبيقاته, ويستند إلى التجارب لقياس صدق الأفكار لتحقيق المنافع, رافضاً المسارات النظرية غير التطبيقية, ويخطط للمستقبل ولا يهتم بماهية الفكر إلا بقدر ما يخدم نتائج التجربة لتحقيق المنفعة المباشرة.‏

ولدى حديثه على العلاقة بين الفكر والسلطة يلح المؤلف على أهمية الاستقلالية الفكرية كركيزة أساسية للإبداع الإنساني, وإلاّ فإنه يصبح أداة لخدمة توجهات فئوية مضادة للتوجهات العامة. كما يؤكد على رفض الهيمنة السلطوية والحزبية على المفكرين ونبذ كل أنماط الرقابة وفرض القيود على حركة الإبداع الفكري.‏

ومن جهة أخرى ينتقد الكاتب بشدّة سعي البعض للربط بين المنظومة الفكرية والحزبية .. جاعلين الحزب المرجعية العليا للفكر, في حين أن هؤلاء المدّعين بحقوق الملكية الفكرية جُلّهم من الجهلة والأميّين, وغير ملمّين بأبسط مبادئه وماهيته, «وليس لديهم مسوّغات مقنعة لهذا الادعاء الفارغ».(ص33)‏

ويرى صاحب الربيعي «أن المثقّف المنضوي تحت لواء حزب سياسي على أساس فكري يغالط نفسه, لأن الحزب أداة لتحقيق المصالح.. والفكر مجرد وسيلة للوصول إلى الغاية المتمثلة في تحقيق مصالح منتسبي الحزب. لذا يتعين عل المثقف أن يترك مسافة آمنة بينه وبين الحزب, حتى لا يفقد حريته».(ص34)‏

وفي الفصل المخصَّص لتحليل الحزبية والمؤسسات السياسية, يعّدد الكاتب الآليات التنظيمية في الكيانات الحزبية وقضايا الصراع على السلطة, ووسائل التربية في أحزاب العالم الثالث, التي تعتمد في معظمها على ترسيخ مفهوم التضحية في ذهن العضو الحزبي, وفرض الطاعة والإذعان عليه وتحمله من الخسائر ما يفوق طاقته الفعلية.‏

أما بشأن دوافع العمل الحزبي, فإن الربيعي يعتقد أن معظم قيادات الكيانات الحزبية في الدول المتخلّفة المهيمنة على السلطة تتبادل المصالح مع الدول الكبرى, وعلى حساب المصالح الوطنية لضمان بقائها في السلطة أمداً طويلاً. ولأنها لا تمتلك المؤهلات العلمية والثقافية لخوض المنافسة الحرّة لتحقيق مصالحها وجدت ضالّتها في الكيانات الحزبية, متخذة سلالمها سبيلاً للقفز على هرم الدولة.‏

ولدى مناقشته النتائج المترتبة على سلوك السياسيين في المجتمعات, يتوصل الكاتب إلى الاستنتاج بأن جميع المجازر الوحشية التي ارتكبت عبر التاريخ قام بها السياسيّون, وما من تخلّف أصاب المجتمع إلاّ بإشرافهم, وما من حروب اندلعت وحصدت الملايين من البشر إلا وكانت بقرارهم.‏

فالسياسيّون الجهلة مسؤولون عن كبوة الأمة العظيمة الشأن, لأنهم مشغولون بتحقيق رغباتهم وفرض توجهاتهم غير السوية بالعنف والاستبداد على المجتمع, فهم مستعدون لعرض الوطن والمجتمع في المزاد العلني في السوق الدولية للحفاظ على سلطانهم.‏

وبالمقابل, فإنّ الكاتب يفترض أو يتوقع أن «السياسي في الدول المتحضِّرة.. يحظى بالتحصيل والدراسة والإدراك والفهم والثقافة الضرورية لأداء المهام السياسية»(ص52). ونعتقد أن هذه رؤية طوباوية وغير واقعية للسياسة والسياسيين في الدول والمجتمعات التي يطلق عليها «المتحضِّرة», حيث أن المسألة نسبية تماماً ولا يمكن التعميم في النواحي القيادية والسلوكية والثقافية والأخلاقية. وهناك مئات الأمثلة المضادة لرؤية الكاتب المبسطة وغير المتوازنة في هذا الإطار.‏

ومن جهة أخرى يضع المؤلِّف شروطاً وواجبات عديدة «للسياسي السوي», المُطَالَب بإنجاز مهامه بدقة ومهنية عالية, تدل على قدرته وكفاءته وثقافته.‏

ويؤكد في هذا المقام ضرورة احترام السياسي لكلماته وتصرفاته, حتى ولو كانت متعارضة مع مصالحه. لكنه سرعان ما يناقض طرحه المثالي فيعترف بأن العامة غالباً ما يُخْدَعون بالسياسيين ووعودهم, حيث يرفعون شعارات ترضي الجمهور, في حين يعملون بعكسها تماماً, وهذا ما يطلق عليه في السياسة «الديماغوجية», أي فن خداع الجمهور لتحقيق الأجندة الخفية.‏

والطريف أن الكاتب يضفي على المثقفين صفات مثالية غير واقعية, فيؤكد جازماً أن: المثقف السياسي والمحترف للعمل السياسي بالدراسة والتحصيل والتجربة ينأى ينفسه عن الأنماط المبتذلة للسياسة, حتى يحظى بمصداقية وثقة أقرانه من السياسيين, فيتماشى سلوكه وأداؤه مع ما يطرحه من آراء وأفكار ويكون ملتزماً بتعهداته مع الآخرين.(ص56)‏

كما يشير صاحب الربيعي إلى أهمية السمعة الشخصية للسياسيين, مؤكداً على ضرورة عدم وجود هوة بين السمعة الحسنة والسلوك الشخصي اليومي للسياسيين. فالسياسي السوي هو الذي يتطابق سلوكه وتصرفاته وضميره الحي مع ما يكتسبه من سمعة, من دون الحاجة إلى شرائه الذمم والأقلام المأجورة لتلميع صورته في أعين الناس.‏

ويخصص الكاتب فصلاً لدراسة مسألة الاستبداد والتحرر في المجتمع. حيث يحلّل أسباب التخلّف وانحطاط شأن الأمة, وغالباً ما يكون ذلك بسبب فساد حكامها وضعفهم, ومن مؤشرات انهيارها إساءة السلطات للعلماء والمفكرين والمثقفين, وتفشي الجهل والفقر.‏

ثم يُفصِّل في التأثيرات السلبية للاستبداد, كتحول الحاكم إلى ديكتاتور يفرض أوامره وتوجهاته على المجتمع, وتتحول الدولة من دولة تمثل مؤسسات المجتمع إلى دولة استبدادية تُحكم سلطتها على المؤسسات لتحقيق مصالحها الخاصة.‏

وبالنتيجة فإنه يدعو إلى التصدي لدولة الاستبداد, لأنها ليست خارجة على حدود المجتمع وأعرافه وتقاليده الممثلة له وحسب, وإنما لأن ذلك من «مهام المجتمع الدولي الساعي لنبذ العنف والاستبداد في العلاقات الدولية».‏

وهنا نجد أننا أمام طرح إيديولوجي غير واقعي, لأن العنف والاستبداد والقوة والضغوط هي المسيطرة في العلاقات الدولية, وما قامت وتقوم به الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان والعراق, وما يقوم به الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة سوى نماذج صارخة لممارسة العنف والعقوبات الجماعية.. إضافة إلى ما تمارسه الدول الكبرى في مجلس الأمن الدولي من مواقف وسياسات قرارات منافية لما يتحدث عنه الكاتب بشأن العلاقات الدولية.‏

ويعود الربيعي لدراسة العلاقات بين السياسة والمصالح, فيؤكد أن السياسة تستند إلى مبدأ تحقيق المصالح بغض النظر عن عدد الضحايا الذين تسحقهم تحت أرجلها. فمبدأ تحقيق المصالح في السياسة هو صراع سلمي في شكله المعلن, وفي شكله الخفي حياكة للمؤامرات وخوض الحروب التي يمكن أن يذهب ضحيتها ملايين البشر.‏

وفي معرض مناقشته لقضية بناء الدولة الحديثة, يشير المؤلِّف إلى الأهمية الكبيرة لعملية بناء مؤسسات الدولة الحديثة والنخب السياسية والثقافية, على أساس مبدأ التعددية, كصيغة من التنافس العادل والمنصف من أجل الوصول إلى السلطة.‏

ويعدِّد أبرز التحديات التي تواجه المجتمع المتخلِّف, مثل الاستبداد وتغييب النخب السياسية والثقافة الفعالة, وبروز زعامات عشائرية وفئوية. إضافة إلى أنماط التعارض بين النخب المثقفة الواعية وسائر أفراد المجتمع لاختلاف التوجهات, خاصة منها المتعلق بالأعراف والقيم الاجتماعية السلبية السائدة التي تعشش في وجدانه ويرفض التخلي عنها ويعدها جزءاً من مقدساته, ومن ثم فإن المساس بها يُعدّ مساساً بذاته.‏

و لا يهمل الكاتب التوقف عند مسألة الرأي العام وأهميته في العمل السياسي, وكذلك قضية احترام الاختلاف والقبول بالرأي الآخر. مع تأكيده بأنه ليس من المجدي استيراد الصيغ السياسية والتنظيمية الجاهزة وفرضها على مجتمعات تفتقر إلى الأسس الأولية وشروط الوعي بماهية الديمقراطية.‏

وأخيراً يرى صاحب الربيعي أن المجتمعات النامية مضطرة للمرور بمراحل عديدة للوصل إلى النظام السياسي المناسب لها. أما عملية القفز على المراحل فإنها تؤدي إلى حالة من الانفصام بين المجتمع وشكل النظام, فالعبرة ليست باعتماد النظام السياسي الأمثل وإنما في صلاحيته للمجتمع.‏

لقد أثبتت التجارب السابقة لاستيراد الأفكار وصيغ التجارب الجاهزة من البلدان الاشتراكية إلى المجتمعات المتخلفة إخفاقها الذريع.فعملية النقل الحَرْفي لتجارب الآخرين وتطبيقها في مجتمع مختلف تماماً من حيث التوجهات والقيم الدينية والحضارية والإرث التاريخي, سببت متاهات حقيقية وإساءات بالغة, وقادت إلى صدمات كبيرة.‏

وإذا كانت أغلب المجتمعات المتخلّفة تعاني من نزاعات طائفية وإثنية وعرقية ودينية, فإنّ الانتقال الديمقراطي يتطلب تسوية عادلة بين تلك المجموعات تقوم على إرساء مبدأ المواطنة الكاملة والعدالة الاجتماعية الشاملة وتكافؤ الفرص.. وبغير ذلك لا يمكن النجاح في الفترة الانتقالية, أو بناء مؤسسات فعالة, من شأنها إجراء التغيير المطلوب والمأمول.‏

(*) صادر عن دار «صفحات للدراسات والنشر» بدمشق عام 2007.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

 

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244