الصراع المائي بين مصر و دول حوض النيل: دراسة في التدخلات الخارجية

"1990-2010"

الأربعاء, 01 سبتمبر 2010 18:34

اعداد / صفا شاكر إبراهيم محمد

 

 مـقـدمـة
    لا يقل أمن المياه أهمية عن الأمن القومي حيث أن التفسير المصري لمفهوم الأمن القومي لم يعد قائمًا على الجانب الإستراتيجي وحده, بل امتد ليواكب ويتلاءم مع الأمن المائي ولقد كانت المياه محلاً للصراعات منذ أمد بعيد فلقد كانت بداية تمثل صراع على مياه البحار نظرًا لأهميتها في مجال التجارة وتوزيع مناطق النفوذ إلا أنه ظهر مؤخرًا على المسرح العالمي أن المياه العذبة هي محل الصراع القائم, بعد أن تم حسم الصراع على المياه المالحة (بحار ومحيطات بموجب اتفاقيات عقدتها الدول وبعضها البعض).
    و يعتبرعقد التسعينيات هو عقد الصراع على موارد المياه, وفي منطقة الشرق الاوسط حيث المصادر المحدودة للمياه والتي تتركز في أحواض الأنهار الرئيسية مثل نهر النيل.
     ومع التطور التكنولوجي الهائل الذي شهده العالم وبخاصة عقد التسعينيات تزايدت معدلات التنمية, ومن ثم تزايدت الحاجة على الموارد وبخاصة الطبيعية منها, وتأتي في مقدمتها المياه, واتلي أصبحت سلعة إستراتيجية نظرًا لعدم وجود بدائل لها في الوقت الذي يوجد للطاقة بدائل أخرى, ومن ثم فقضية الحفاظ على الموارد المائية وتعظيم الاستفادة منها تتصدر قضايا الأمن القومي وتزداد حدة في تلك الدول التي تقع منابع مصادرها خارجها, وبالتالي عدم القدرة على السيطرة عليها ومن بينها مصر, فمصر تعتمد على المياه بدرجة يبلغها اعتماد شعوب من قبل على مصادر المياه مثل اعتمادها على نهر النيل وبدونه تصبح مصر صحراء جرداء, وتشارك مصر في نهر النيل تسع دور وهي " السودان أثيوبيا أوغندا كينيا تنزانيا روندا بوروندي الكنغو ".
    وتتفاوت هذه الدول من حيث اعتمادها على مياه نهر النيل حيث تعد مصر الأكثر اعتمادًا على مياهه وبالتالي كان طبيعيًا أن يمتد مفهوم الأمن المائي إلى المنابع الرئيسية في حوض النيل ليعتبر أي عمل يجري في هذا الحوض يهدف للتأثير على حصة مصر المائية المقررة سنويًا وهي 55.5 مليار م3. عملاً يمس الأمن القومي المصري بشكل مباشر ومع التسليم بوجود اتفاقيات قانونية تنظم حصول مصر على حصتها المقررة سنويًا. وفي ظل المتغيرات الإقليمية والدولية التي تمت من خلال التطورات المتلاحقة التي شهدها العالم منذ نهاية الثمانينيات والتسعينيات فأن مصر تواجه تحديًا حقيقيًا وهو دخول فاعلين جدد إلى منطقة حوض النيل ( إسرائيل الولايات المتحدة ) و (البنك الدولي ) وما أطلقه من مفاهيم جديدة منها ( تسعير المياه وخصخصة المياه وبورصات المياه ) بما قد يعنيه من نشوء صراع بين تلك الدول خلال السنوات المقبلة إذا يمكن أن تخرج القضية عن النطاق الإقليمي ويصبح للأطراف الخارجية دور تجاهها ومن ثم ظهور أعباء إضافية على عاتق صانع القرار المصري وتهديد للأمن القومي المصري. وتلعب القوى الخارجية دورًا فاعلاً ومؤثرًا في أنشطة وتفاعلات النظم الإقليمية وذلك من خلال تأثيرها في أنماط تفاعلات النظم الإقليمية ويتجلى الدور الذي تمارسه القوى الخارجية في نمط تفاعلات النظم الإقليمية في أحد أمرين, فقد تلعب دورًا منشأ لتلك التفاعلات (صراعات تعاون) وقد تلعب دروًا محفزًا لتلك التفاعلات, وقد تلعب الدورين معًا.
    ومن ثم سوف تنطلق الدراسة في تحليل محددات الصراع في حوض النيل ومعرفة ما إذا كانت داخلية بالأساس أما أنها تنتج من محددات خارجية واستنتاج دور القوى الخارجية المؤثرة في الصراع المائي بين مصر ودول حوض النيل وما تتركه هذه القوى من تداعيات على العلاقات بين مصر ودول حوض النيل.

أولاً: المشكلة البحثية
    حظيت مشكلة الصراع الدولي وعلاقة ذلك بالصراع على المياه باهتمام كبير في الأونة الأخيرة في الأوساط الأكاديمية والبحثية ولدى دوائر صانعي القرار على مستوى الدولة وفرضت مشكلة المياه نفسها كواحدة من الموضوعات الرئيسية التي تحمل أملاً في التعاون المستقبلي أو تنذر بصراعات دولية وتشوب حروب بشأنها وأيضًا التخوف من دور القوى الخارجية وحقيقة الدور الذي تلعبه في العلاقات داخل النظام الإقليمي لحوض النيل والذي بات يمثل هاجس في علاقات الدول داخل النظام الإقليمي وبالتالي كان لابد من معرفة الدور الذي تلعبه القوى الخارجية في إطار العلاقات بين الدول ما بين صراعات وعلاقات تعاونية لذلك كان التساؤل الرئيسي هو " ما هو أثر التدخلات الخارجية على الصراع المائي بين مصر ودول حوض النيل ؟ ".

ثانياً: الأسئلة الفرعية
1-     ما هي محددات الصراع المائي الدولي داخل حوض النيل ؟
2-     ما هي مجالات الصراع المائي بين دول حوض النيل ؟
3-     ما هو  الدور الإسرائيلي في الصراع بين مصر ودول حوض النيل ؟
4-     ما هو الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة الأمريكية في الصراع بين مصر وحوض النيل ؟
5-     ما هو دور البنك الدولي في الصراع المائي بين مصر ودول حوض النيل ؟
6-     ما هي تداعيات التدخلات الخارجية على العلاقات المائية بين مصر ودول حوض النيل ؟

ثالثاً: أهمية الدراسة

أ. الأهمية العلمية (النظرية) :
    معظم الدراسات في العالم العربي تشير إلى الصراع من وجهة الصراع العربي الإسرائيلي وتهدف الدراسة إلى دراسة وتحليل وتفسير الظاهرة الصراعية الدولية في ضوء الصراع المائي والتدخلات من القوى الخارجية في النظام الإقليمي المائي لدول حوض النيل.
    وأيضًا ذلك لأن قضية المياه باتت تمثل اهتمامًا كبيرًا للباحثين والأكاديميين وصانعي القرار من منطلق أنها جزء لا يتجزأ من الأمن القومي.

ب: الأهمية العملية (الأهمية التطبيقية) :
    لم يعد استخدام الأنهار الدولية قاصرًا على الزراعة والملاحة ولكنه تجاوز ذلك إلى العددي من الاستخدامات المتطورة (الصناعية والكهربائية والتجارية .. إلخ) والتي أثرت بدورها في كم ونوع مياه الأنهار الدولية مما أدى إلى تزايد فرص نشوب صراعات والنزاعات المائية في أنحاء متفرقة من العالم, وفي ظل هذا التصور, فأن الجهود الرامية لبحث ودراسة مشاكل المياه بصفة عامة ومشاكل الأنهار الدولية بصفة خاصة تتمتع بقيمة نظرية وعملية حيث يمكن الاستفادة منها في تطوير أفضل السبل للانتفاع العادل والمشترك لموارد النهر الدولي المائية والطبيعية بما يساعد على تنظيم شئون الأنهار الدولية, وتأتي الدراسة تزامنًا مع تزايد الاهتمام بمشكلة المياه وتحظى بالاهتمام العالمي, ومن ثم فكان لابد من مسايرة هذا الاهتمام ودراسة هذه الظاهرة في إطار الصراعات على المياه داخل حوض النيل وطبيعة العلاقات وما مدى تأثير هذه الصراعات على الأمن القومي المصري وبالتالي مساعدة صانع القرار على انتهاج سياسات وقرارات تأخذ ذلك في الاعتبار.
رابعاً: أهداف الدراسة
    بعد استعراض الأهمية العلمية والعملية للدراسة, يمكن التوصل إلى مجموعة من الأهداف تسعى الدراسة إلى الوصول إليها في البحث :
1-     معرفة العلاقه بين محدودية الموارد المائية والصراع الدولي في حوض النيل.
2-     توضيح مدى خطورة غياب الإطار القانوني الجامع في العلاقات بين مصر ودول حوض النيل.
3-     التحقق من الدور الذي تلعبه القوى الخارجية في العلاقات داخل النظام الإقليمي لحوض النيل.
4-    التوصل إلى تداعيات التدخلات الخارجية على العلاقات المائية في حوض النيل.

خامساً: نطاق البحث
1- النطاق الزمني :
     تركز الدراسة على الفترة من 1990 حتى 2009, وترجع أسباب اختيار بداية عقد التسعينات حيث أنه شهد عدة تطورات على المستوى العالمي والإقليمي أيضًا وأهم التطورات هي انتهاء الحرب الباردة وتغير خريطة القوى الدولية, وعلى المستوى الإقليمي أيضًا فأن كثير من الدول في حوض النيل بدأت تنتهج سياسات تضر بمصالح مصر في حوض النيل, وأيضًا بدأت في سياسات تنموية تستلزم الحصول على كميات إضافية من خلال إنشاء السدود وهذا كان بداية تخوف من جانب مصر وتنتهي الدراسة عند 2010 حيث أنها الفترة الممكنة للدراسة للتحقق من أهداف البحث ومواكبة التطورات الحالية.
2- النطاق المكاني :
    النطاق المكاني للدراسة هو دول حوض والنظام الإقليمي لهذه الدول وبالأخص تركز الدراسة على الدول ذات العلاقات " الصراعية أو التعاونية " مع مصر وتقوم الدراسة بالاهتمام بمنطقة حوض النيل والتي أدى الجفاف وشح الأمطار فيها (منابع النهر) إلى الاهتمام العالمي بهذه المنطقة كما أنه سوف يتم التركيز على مصر والتي يمثل النيل لها شريان الحياة وتمثل قضية المياه لها بعدًا في الأمن القومي.
3- النطاق الموضوعي :
    على الرغم من أن هناك عدة حقول تتقاسم مجال الدراسة من قانون وبيئة واقتصاد وجغرافيا, إلا أن الدراسة تنصرف إلى حقل العلاقات الدولية  في اطار علم السياسه لذلك لا يتم خلال الدراسة الانتباه إلى أية صراعات داخل حدود الدولة وإن كانت تتعلق بالمياه.وسوف يتم التحليل السياسي وفقا لنظريات العلاقات الدولي.




سادساً: الإطار النظري للدراسة

أ- الإطار المفاهيمي:
1. مفهوم الصراع الدولي ( ) :
     الصراع (بشكل عام ومبسط على نطاق واسع) هو موقف من التعارض بين اثنين أو أكثر من الفاعليين الاجتماعيين ويكون الصراع دوليًا حينما يكونا الفاعلون المنغمسون فيه دوليين, ويمثل الصراع أحد جانبي التفاعلات الدولية في حين يمثل التعاون الجانب الأخر من تلك التفاعلات, ويتباين تعريف الصراع تبعًا للمنظور الذي يتم من خلاله تعريف الظاهرة الصراعية, فمثلاً المنظور السياسي للصراع يشير إلى أنه موقف تنافسي خاص, يكون طرفاه أو أطرافه, على دراية بعدم التوافق في مواقفهم المستقبلية المحتملة, والتي يلجأ من خلاله أحد الأطراف أقلهم إلى تبني موقف لا يتوافق مع مصالح الطرف الثاني.
    والصراع الدولي يكون مائيًا إذا كانت المياه موضوعه أو مادته أو سببه وبصفة عامة يعرف الصراع الدولي بأنه موقف تنافسي يكون كل من أطرافه عالمًا بعدم التوافق في المواقف والمصالح التي يتبناها الطرف الآخر.
    ولا يجب الخلط بين مفهوم الصراع والحرب فالصراع هو مرحلة قبل الحرب, أما الحرب هي استخدام القوات المسلحة.
    ومفهوم الصراع المائي أو الصراع الدولي على المياه الذي تتبناه الدراسة. لا يقصد به القتال أو الحرب من اجل المياه, وإنما هو ما قبل القتال الذي يعتبر الوسيلة الأخيرة التي لم يعد هناك بد من استعمالها صراع سياسي وعلمي وتقني واقتصادي وقانوني.
مؤشرات مفهوم الصراع الدولي :
    من أفضل الإسهامات العلمية في مجال تحديد مؤشرات " الصراع الدولي " هو ذلك الإسهام الذي قدمه " إدوارد عازار " " وتماس سولون " في إطار صياغتها الاقتراب " تحليل التصرفات " لفهم وتفسير أنماط التفاعلات " التعاونية والصراعية " بين الوحدات الدولية, من خلال دراسة وتحليل مختلف جزئيات السلوك اللفظي والفعلي, الكبيرة والصغيرة, التي تكون جسم السلوك الخارجي للدولة ومن خلال الاضطلاع على الدراسات السابقة المتعلقة بتحليل الصراع المائي فقد تم التوصل إلى ثلاث مؤشرات للصراع المائي في أي حوض من احواض الأنهار الدولية :
‌أ-    الصراع حول اتفاقيات المياه المبرمة في الحوض النيل.
‌ب-    الصراع حول معايير تقاسم المياه المشتركة في الحوض.
‌ج-     الصراع حول شرط الأخطار المسبق قبل الشروع في تنفيذ أية مشروعات مائية في الحوض.
2. مفهوم الأمن المائي :
    بدأت أدبيات العلاقات الدولية والدراسات الإستراتيجية منذ بداية التسعينات من القرن العشرين تركز على إعادة تعريف " مفهوم الأمن " بحيث يتضمن ثلاث أنواع من التهديدات بخلاف التهديدات العسكرية وهي التهديدات السياسة والاقتصادية والبيئية, وصار مفهوم الأمن المائي أحد مكونات مفهوم الأمن القومي.
    يرتبط مفهوم " الأمن المائي " بمفهوم " الميزان المائي " ويقصد بالأخير الموازنة والمقارنة بين إجمالي حجم الموارد المائية التقليدية وغير التقليدية في فترة زمنية معينة, وبين إجمالي حجم الاحتياجات المائية اللازمة لسد مختلفة الاحتياجات.
    الأمن المائي هو وضعية مستقرة لموارد المياه هو وضعية مستقرة لموارد المياه يمكن الاطمئنان إليها حيث يستجيب فيها عرض المياه للطلب عليها. أما عندما لا يستطيع عرض المياه أن يلبي الطلب عليها, ينخفض مستوى الأمن المائي وبالعكس وهو مفهوم نسبي حيث يجري الحديث عنه عادة في مستويات مختلفة في البلدان المختلفة ( ).
3. محدودية الموارد المائية :
    يقصد بالموارد المائية إجمالي ما يتاح للدولة من مصادر مياه تقليدية وغير تقليدية في فترة زمنية معينة.
    ويختلف تعريف محدودية الموارد المائية باختلاف المعيار الذي يتم الاستناد إليه في القياس وبصفة عامة تتعدد المؤشرات والمقاييس التي يمكن الاعتماد عليها لتحديد حالة محدودية الموارد المائية فهناك عدة مؤشرات لتـحـديـد ظـاهـرة " محدودية الموارد المائية ".
أ- المؤشر الكمي
يمكن قياسه استنادًا إلى مؤشرين فرعيين.
1-     أن يكون نصيب الفرد من المياه أقل من خط الفقر العالمي (1000 م3 / للفرد / السنة).
2-     أن يكون حجم المتاح من المياه أقل من المطلوب للاستخدام المائية.
ب- المؤشر الكيفي : يقاس بدرجة " تلوث " المياه والتي يترتب عليها عدم القدرة على استعمالها رغم توافرها بكميات كبيرة.
جـ - المؤشر الاقتصادي  يقاس بعدم توافر منشآت مائية لازمة لنقل وتوصل المياه إلى المستخدمين في المنازل والمصانع وذلك للفقر الاقتصادي.
4. مفهوم السياسة المائية :
    يمكن تعريف السياسة المائية بأنها " الإطار الذي يتم من خلاله إدارة الموارد المائية واستنباط مجموعة القواعد الناظمة لذلك على المستويين الداخلي والخارجي.
الإطار المنهجي:

1- منهج دراسةالحاله :
    يعني هذا المنهج بدراسة وحدة واحدة دراسة متعمقة كلية مستفيضة بغية الوصول إلى فهم اعمق لها وعمل نوع من التعميمات بالنسبة للوحدة المدروسة ويقوم أسلوب منهج دراسة الحالة على التعمق في الدراسة والدخول في اغوارها وعدم الاكتفاء بالوصف الخارجي أو الظاهري للموقف أو الظاهرة.
    ويتضح مدى ملائمة أسلوب دراسة الحالة لموضوع الدراسة, من أنه يعين الباحث في الحصول على حقائق متعلقة بمجموعة الظروف المحيطة بموقف معين أو معرفة العوامل المشاركة التي يمكن استخدامها في وصف وتحليل وتفسير العمليات السياسية التي تقوم بها الدول, نتيجة لعملية التفاعل الصراع بينهم, وسيتم دراسة الصراعات المائية الدولية وتفسيرها والتدخلات من جانب القوى الخارجة ودراسة مدى كونها فاعلاً مؤكدًا في العلاقات داخل النظام الإقليمي لحوض نهر النيل ما بين علاقات صراع أو تعاون.

2- منهج تحليل النظم  ( ):
    تطور منهج النظم في ميادين معرفية أخرى غير علم السياسة ثم استعارة علم السياسة في مقدمتهم ديفيد استون وهم بسبب البحث عن إطار فكري يوجه وينظم البحوث السياسية وقد عرف استون النظام السياسي بأنه التفاعلات التي تتعلق بالتخصيص السلطوي للقيم في المجتمع, أي بتوزيع الموارد بموجب القرارات ينصاع لها الأفراد وقدم إطار لتحليل النظام السياسي يرى فيها دائرة متكاملة ذات طابع ديناميكي تبدأ بالمدخلات وتنتهي بالمخرجات مع قياس عملية التغذية العكسية بالربط بين المدخلات والمخرجات.
تقييم منهج النظم :
    لقد زود حقل السياسة بمفاهيم جديدة وأيضًا لفت الانتباه إلى مشكلات هامة للبحث مثل ما هي أغراض النظام السياسي, ما هي الوحدات المكونة للنظام ؟ كيف يتعامل النظام السياسي مع البيئة ؟ ما هي محددات البيئة ؟
    وله عيوب أيضًا مثل صعوبة التحويل الإجرائي للمفاهيم المستخدمة, أي وضع مؤشرات لها تقبل الملاحظة والقياس.
تطبيق المنهج في الدراسة :
    سوف يتم استخدام المنهج في دراسة وتحليل الدراسة على النحو التالي:
    فسوف يتم تحديد أسباب الصراع ومحددات الصراع الدولي في حوض النيل ويمثل ذلك مدخلات للنظام الإقليمي لحوض النيل من محدودية المياه وغيرها وفي إطار البيئة الداخلية للنظام يتم دراسة مجالات الصراع وأيضًا دور القوى الخارجية الذي يلعب دورًا أساس في بلوره العلاقة داخل النظام وبالتالي التوصل إلى نتيجة ذلك من علاقات صراع أو تعاون في شكل اتفاقيات مثلاً, وأيضًا من ذلك يتم التوصل الي قرارت للتعامل مع مخرجات النظام من علاقات صراعية أو تعاونية والتي تعمل بدورها على وجود تغير في شكل العلاقات من خلال القرارات والسياسات وبالتالي تتحول إلى محددات مرة أخرى للعلاقة بين دول النظام الإقليمي.

سابعاً: تقسيم الدراسة

     تنقسم هذه الدراسة إلى:
مـقـدمـة.

الفصل الأول : المحددات الداخلية للصراع المائي بين مصر ودول حوض النيل.
    المبحث الأول : الوضع المائي كمحدد للصراع.
    المبحث الثاني : الوضع القانوني كمحدد للصراع.

الفصل الثاني : دور التدخلات الخارجية في الصراع بين مصر ودول حوض النيل.
المبحث الأول : الدور الإسرائيلي في الصراع المائي بين مصر ودول حوض النيل.
المبحث الثاني : دور الولايات المتحدة في الصراع المائي بين مصر ودول حوض النيل.
المبحث الثالث : دور البنك الدولي في الصراع المائي بين مصر ودول حوض النيل.

الفصل الثالث : تداعيات التدخلات الخارجية على الصراع المائي بين مصر ودول حوض النيل.
المبحث الأول : تداعيات التدخلات الخارجية على مواقف دول الحوض من اتفاقيات المياه.
المبحث الثاني : تداعيات التدخلات الخارجية على التعاون بين مصر ودور حوض النيل في ظل الأزمة الراهنة.
الـخـاتـمـة؛ و تتضمن أهم ما توصلت إليه الدراسة من نتائج, و كذلك مجموعة من التوصيات.
    
 
الـفـصـل الأول
مـحـددات ومـجـالات الـصـراع بـيـن مـصـر ودول حـوض الـنـيـل
     الصراع الدولي لا يحدث في فراغ وإنما هناك تفاعل يتم في بيئة الصراع الدولي سواء في المحيط الإقليمي أو الدولي له وقد يكون التفاعل سلبًا أو إيجابًا وهذه البيئة تنقسم إلى بيئة داخلية (والتي تتجسد في عناصر ومكونات النظام) ثم هناك البيئة الخارجية (وهي تشكل الإطار الخارجي الإقليمي والدولي) وبهذا المنطق نستطيع القول بأن الصراع الدولي ما هو إلا سلوك استجابي لمجموعة من المتغيرات التي تحدد نمط وحجم ودرجة الصراع وهي لذلك تعرف بمحددات الصراع الدولي.
     وبالنظر إلى النظام الإقليمي لحوض النيل, يلاحظ موجات الجفاف التي تتعرض معظم دول حوض النيل مع بداية ثمانينات القرن المنصرم قد أدت إلى تكالب الدول على مياه النهر ومصادر المياه التي تعتبر محدودة, وبذلك فقد أصبح الوضع المائي في حوض النيل الذي ينصرف إلى الخصائص الطبوغرافية والميتولوجية والهيدرولوجية قد أفرز نمط من التفاعل الصراعي المائي في حوض النيل وقد ساعد على تبلور تلك الصراعات الوضع القانوني في الحوض الذي يعاني غياب الإطار القانوني, العام والشامل الذي ينظم شئون النهر.
     وعلى ذلك فأن الدراسة ترى أن الوضع المائي في حوض نهر النيل, بالإضافة إلى الوضع القانوني في ذلك الحوض يمثلان معا محددات الصراع المائي في النظام الإقليمي لحوض نهر النيل, وهو سوف يتم تحليله من خلال هذا الفصل لكل من المحددين ( )
الـمـبـحـث الأول
الـوضـع الـمـائـي كـمـحـدد للـصـراع الـمـائـي بـيـن مـصـر ودول حـوض الـنـيـل

     يمكن تحليل العلاقة بين الوضع المائي في حوض النيل والصراع الدولي من خلال استخدام مؤشرات للتحقق ما إذا كانت دول حوض النيل تعاني من محدودية في الموارد المائية أما وفرة مع التركيز على الموارد المائية المصرية وتأثير ذلك على الصراع بين مصر ودول حوض النيل.
أولاً : المؤشر الكمي للمحدودية
     استنادًا إلى المعيار الكمي نستطيع القول بأن دول حوض النيل لا تعاني من محدودية في مواردها المائية بل تمتاز بالوفرة والحجة أنه اعتمادًا على مؤشر خط الفقر المائي الذي تجاوزه جميع دول الحوض فيما لو تم اعتماد تقسيم الإيرادات المائية تقسيمًا متساويًا بين دول الحوض.
     درجة اعتماد دول حوض النيل ليست متساوية في اعتمادها على مياه النيل فهي تقل كلما اتجهنا جنوبًا حيث تزداد الأمطار والأنهار والبحيرات وكلما اتجهنا إلى الجنوب ناحية مصب الحوض قلت الأمطار ومن ثم زادت درجة الاعتماد على النهر وخصوصًا في شمال السودان وتصل إلى أقصاها في مصر التي تعتمد على النيل في توفير كل مواردها المائية السطحية تقريبًا. فهو يوفر لمصر ما يزيد عن 95 % تقريبًا من إجمالي احتياجاتها المائية وبالإضافة إلى ذلك فأنه تجدر الإشارة إلى أن جميع دول الحوض باستثناء مصر لها مصادر مائية اخرى من داخل أراضيها أو من خارجها غير نهر النيل ( ).
     وتعتبر مصر هي الدولة الوحيدة في حوض النيل التي تستخدم تقريبًا كل إيرادها المائي, ومصر قد تكون أكثر بلدان شمال أفريقيا وشرق أفريقيا معاناه حيث تتباعد فترات هطول الأمطار ويعتمد سكانها كليًا على مياه النيل, وتتزايد احتياجاتها من مياه الشرب والغذاء بإطراد سريع بين الأعداد المتزايدة للسكان بها ولذلك يرجح أن تتعدى احتياجاتها من مياه الشرب والغذاء (الاحتياجات المائية) الإمدادات السنوية للمياه.
     وهو ما يعني أن مصر هي الدولة الوحيدة في حوض النيل التي تعاني من محدودية في مواردها المائية وذلك إذا ما تم مقارنة احتياجاتها المائية بما يتوافر لديها من مصادر للمياه المتجددة.
     والخلاصة أن جميع دول الحوض لم تتعرض ولم تعاني من محدودية في المياه حيث لا تزال استخدامها أقل بكثر من مواردها المائية المتجددة سنويًا, وبالتالي فأن هناك محدودية في دولتي المصب في حين تتمتع دول المنبع بوفرة في مواردها المائية.

ثانيًا : المؤشر النوعي للمحدودية :
     تمتاز مياه نهر النيل في جميع أنحاء مجراه من أقصى منابعه وحتى السد العالي بالنقاء الشديد ويرجع ذلك إلى أن سمات الطبوغرافية والميترولوجية والهيدرولوجية للنهر تلعب دروا في جعل مياهه نقية باستمرار ( ).
1-     من الناحية الطبوغرافية : يمتاز النهر بالإنحدار الشديد من الجنوب إلى الشمال وضيق المجرى في بعض المناطق والعمق الشديد في مناطق أخرى وكل ذلك يساعد على جريان المياه باستمرار وبسرعة ومن ثم فهي ليست مياه راكدة كالمستنقعات.
2-     من الناحية الميتروبولوجية : تعرض المياه للشمس يمنع تكون البكتريا في المياه وبالتالي تصبح مياه النهر نقية.
3-     الهيدرولوجية : تتعدد  الروافد لحوض النيل وتنوع في مواسمها وتتباين في كميات الإيراد المائي الذي تحمله, الأمر الذي يساعد باستمرار على التجدد المستمر لمياه النهر.
لذا فأن مياه النهر من الناحية النوعية جيدة ونستطيع القول أنه ليس هناك محدودية من الناحية النوعية.

ثالثًا : المؤشر الاقتصادي للمحدودية :
    بعد أن استعرضنا المؤشر الكمي والذي من خلاله خلصنا إلى نتيجة موادها أن دول حوض النيل باستثناء دولتي المصب وبخاصة مصر لا تعاني من محدودية في مواردها المائية, وأيضًا من الناحية النوعية نجد أن مياه النهر تحظى بنقاء عالي وجودة من الناحية النوعية.
    ولكن يبقى هناك عامل غاية في الأهمية وهو المؤشر الاقتصادي وكيف يؤثر على استغلال مياه النهر ويخضع المؤشر الاقتصادي إلى عدة عوامل منها الفقر ونسبة السكان وهو ما سوف يتم التعرض له.
    طبقًا لتقرير التنمية الصادر عن البنك الدولي في عام 2004, تعتبر دول حوض النيل من أفقر الدول النامية, فهي جمعيًا عدا مصر- تقع في فئة الدول الأقل دخلاً, وتعتبر مصر هي الدولة الوحيدة التي تقع في فئة الدول ذوات الدخل المتوسط ( ), وقد انعكست حالة الفقر الشديد التي تعتبر السمة الرئيسية لدول حوض النيل عدا مصر على قدرات تلك الدول على توفري البنية الأساسية ذات الصلة بالمياه.
    تفتقر هذه الدول إلى بنية أساسية لازمة لنقل وتوصيل المياه إلى كافة مواطنيها فضلاً عن عدم وجود تغطية معقولة لشبكات الصرف الصحي في معظم تلك البلدان. ويلاحظ أن جميع دول حوض النيل باستثناء مصر تعجز عن إيصال إمدادات المياه بصورة دائمة لنسبة كبيرة من مواطنيها وهو ما يجعلنا نستطيع القول أن دول حوض النيل تعاني من (فقر مائي) بالمفهوم الاقتصادي بمعنى عدم توافر الموارد المالية اللازمة لتشيد البنية الأساسية ذات الصلة بمنظومة نقل وتخزين وتوصيل المياه إلى القطاعات العريضة من شعوب تلك الدول.
    وبعد استعرض المؤشرات الثلاث لقياس " محدودية الموارد المائية " يتضح أن حوض نهر النيل غنى كميًا ونوعًا بموارده المائية, بيد أنه فقير جدًا بموارده الاقتصادية, وفقير في قدراته التنظيمية اللازمة لإدارة تلك الموارد المائية, ويترتب على ذلك أن المحصلة النهاية هي توفر المياه مع عدم استطاعة نسبة كبيرة من شعوب تلك الدول على استخدام المياه في الشرب أو للصرف الصحي, ومن ثم فأن النتيجة النهائية لهذه العملية على وجه العموم هي محدودية الموارد المائية في حوض نهر النيل وذلك نظرًا لضالة القدرة على استخدام المياه من ناحية, وسوء إرادتها والتخطيط لها من ناحية ثانية وإذا كنا قد وصلنا إلى نتيجة مؤداها محدودية في الموارد المائية في حوض النيل استنادًا إلى تفاعل المؤشرات الثلاثة (الكم والنوع والموارد الاقتصادية) معًا فأن هذه " المحدودية " قد تزداد حدتها مع الوقت وذلك بسبب تأثير عدد من العوامل منها : التغيرات المناخية التي يترتب عليها ارتفاع في درجة الحرارة بشكل عام, التأثيرات الناتجة عن التلوث البيئي, بالإضافة إلى الزيادة الكبيرة في أعداد السكان مع ما يترتب عليها من ضغوط اقتصادية وخصوصًا في مجال الزراعة, للوفاء بالاحتياجات الغذائية المتزايدة.
    وبعد تحليل المؤشرات التي يمكن من خلالها تحديد ما إذا كان هناك محدودية في الموارد المائية في النهر أما هناك وفرة في تلك الموارد وقد خلصنا أنه نتيجة تفاعل المؤشرات الثلاثة المحدودية فأن تلك الدول تعاني من محدودية في الموارد المائية بالإضافة إلى عدة متغيرات تؤثر على الوضع المائي في حوض النيل مثل المتغيرات البيئية والمناخية وما يصحب ذلك من دورات الجفاف, بالإضافة إلى التغيرات الديمغرافية الناتجة عن تزايد أعداد السكان في دول حوض النيل, بالإضافة إلى عدم التوازن الإقليمي في توزيع الموارد المائية علاوة على الفقر الشديد في الموارد الاقتصادية.
    وقد تفاعلت هذه العوامل هذه العوامل والمتغيرات في منظومة واحدة في حوض نهر النيل خلال الفترة محل البحث (1990 - 2010) لتفضي إلى قيام ظاهرة الصراع المائي الدولي بين دولتي المصب والتي تعاني من محدودية المياه مع دول المنبع التي تتمتع بوفرة المياه وتعاني من فقر الموارد الاقتصادية لاستغلال المياه.
    فمصر تعتمد على أكثر من 95 % من احتياجاتها للمياه في حين تحتاج أثيوبيا 1 % من مياه النهر وكينيا 2 % تقريبًا وتنزانيا 3 % والكونغو 1 % وبوروندي 5 % والسودان 15 % ذلك لأن كثافة هطول الأمطار في هذه الدول تجعلها غير محتاجة إلى النهر, وهو ما يفضي في النهاية إلى عدم التوازن في توفير المياه مما يخلق صراع على المياه.




الـمـبـحـث الـثـانـي
الـوضـع الـقـانـونـي كـمـحـدد للـصـراع الـمـائـي بـيـن مـصـر ودول حـوض الـنـيـل
    لم يتم الاهتمام بالقانون الدولي للأنهار الدولية إلا حديثًا, وفي السنوات الأولى من القرن العشرين عندما بدأت تتعقد العلاقات الدولية المتعلقة باستخدام مياه الأنهار الدولية.
    إذا لم تكن الأنهار الدولية واستخداماتها واستغلالها في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين من الأهمية بحيث تتطلب تنظيمًا دوليًا, حيث كانت احتياجات الناس محدودة, وكان التطور العلمي والفني في مراحله الأولى من التقدم ومن ثم انحصرت الاتفاقيات التي ابرمت على تنظيم الملاحة في الأنهار الدولية وبالنظر إلى حالة حوض نهر النيل والصراع المائي بين دول الحوض فأننا نستطيع القول أنه لا يوجد إطار قانوني جامع مانع يحدد بشكل واضح ومتفق عليه مختلف المسائل الإجرائية, وينظم بدقة سائر الشئون القانونية للنظام الهيدرولوجي لحوض النيل ( ).
    وبالتالي فإنه من البديهي أن غياب الإطار القانوني الجامع الذي يحظى بقبول الجميع يفتح مجالاً للصراع المائي الدولي بين دول حوض النيل وسوف يتم استعراض ذلك من خلال الاتفاقيات بين دول حوض النيل وتحليلها ثم بيان كيف يفتح ذلك مجالاً للصراع وما هي مجالات الصراع بين الدول.

الاتفاقيات الدولية المائية بين دول حوض النيل :
    لقد تم عقد العديد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية بين دول حوض النيل وإن كان معظمها ثنائيًا. حيث يوجد ما يزيد على عشر وثائق واتفاقيات دولية قائمة على تنظيم واستغلال المياه في النهر منها ما تم توقيعه في الفترة الاستعمارية بواسطة القوى الاستعمارية كدول متعاقدة نيابة عن مستعمراتها في ذلك الوقت ومنها ما تم توقيعه بعد حصول تلك الدول على الاستقلال كاتفاق 1959 الموقع بين مصر والسودان.
أولاً : بروتوكول 1891
    وقعت بريطانيا وإيطاليا في 15 أبريل 1891 بروما بروتوكولاً يحدد مناطق نفوذهما في دول الحوض الواقع في شرق أفريقيا حتى مشارف البحر الأحمر ويقضي البند الثالث منه ألا تقوم إيطاليا بتشييد أي أعمال على نهر عطبرة من شأنها أن تعمق انسيابه إلى النيل على نحو محسوس وهي الفقرة الوحيدة التي تعني بتنظيم استغلال المياه ( ).
    وجوهر هذه الاتفاقية هو التزام أطرافها بعدم إقامة أو تنفيذ أي مشروعات مائية على حوض نهر عطبرة الأثيوبي السوداني, بغير التشاور مع مصر مسبقًا.
ثانيًا : معاهدة 1902
    في 15 مايو 1902 تم توقيع في أديس أبابا على معاهدة بين بريطانيا والإمبراطورية الأثيوبية لترسيم الحدود بينها وبين السودان.
     تنص بصراحة على تنظيم استغلال مياه النيل والأزرق وبحيرة تانا ونهر السوباط وضرورة الأخطار المسبق قبل الشروع في أية مشروعات من قبل أثيوبيا من شأنها أن تؤثر على انسياب المياه ( ).
ثالثًا : اتفاق 1906 بين بريطانيا والكونغو
     وقعت كل من بريطانيا ودولة الكونغو على اتفاق بلندن في 9 مايو 1906 تعهدت فيه حكومة الكونغو بألا تقيم أو تسمح بإقامة أي اشغال على نهر " سمليكي" أو نهر " سانجو " أو بجوار أي منهما, يكون من شأنها خفض حجم المياه التي تتدفق في بحيرة ألبرت, ما لم يتم ذلك بالاتفاق مع الحكومة السودانية ( ).
رابعًا : اتفاق 1906 بين فرنسا وبريطانيا وإيطاليا
     ينص البند الرابع منها على أن تعمل هذه الدول معًا على تأمين دخول مياه النيل الأزرق وروافده إلى مصر ( ).
خامسًا : اتفاقية عام 1925
     مجموعة من الخطابات المتبادلة بين بريطانيا وإيطاليا وتعترف فيها إيطاليا بالحقوق المائية المكتسبة لمصر والسودان في مياه النيل الأزرق والأبيض وتتعهد بعدم إجراء إشغالات عليهما من شأنها أن تنقص من كمية المياه المتجهة نحو النيل الرئيسي.
سادسًا : اتفاقية 1929
     عبارة عن خطابين متبادلين بين كل من رئيس الوزراء المصري آنذاك محمد محمود وبين المندوب السامي البريطاني لويد, وكان الخطابين موقعين بتاريخ 7 مايو 1929 ومرفق بهما تقرير للجنه المياه الذي سبق إعداده في عام 1925 وكان توقيع بريطانيا على هذه الاتفاقية نيابة عن كل من السودان وأوغندا وتنجانيقا (تنزانيا حاليًا), وأهم ما ورد في تلك الاتفاقية :
‌أ-    ألا تقام بغير اتفاق مسبق مع الحكومة المصرية أعمال ري أو توليد قوى أو أي إجراءات على النيل وفروعه أو على البحيرات التي ينبع منها سواء في السودان أو في البلاد الواقعة تحت الإدارة البريطانية من شأنها انقاص مقدار المياه الذي يصل لمصر أو تعديل تاريخ وصوله أو تخفيض منسوبه على أي وجه يلحق ضررًا بمصالح مصر.
‌ب-    وتنص الاتفاقية أيضًا على حق مصر الطبيعي والتاريخي في مياه النيل ( ).
سابعًا : اتفاقية لندن 1934
     بين كل من بريطانيا نيابة عن تنزانيا وبين بلجيكا نيابة عن روندا وبوروندي وتتعلق باستخدام كلا الدولتين لنهر كاجيرا.
ثامنًا : اتفاقية 1953
     موقعة بين مصر وبريطانيا نيابة عن أوغندا بخصوص إنشاء خزان أوين عند مخرج بحيرة فكتوريا وهي عبارة عن مجموعة من الخطابات المتبادلة خلال عامي 1949 و 1953 بين حكومة مصر وبريطانيا, وأهم نقاطها هي :
‌أ-    أشارت الاتفاقيات المتبادلة إلى اتفاقية 1929 وتعهدت بالالتزام بها ونصت على أن الاتفاق على بناء خزان أوين سيتم وفقًا لروح اتفاقية 1929 .
‌ب-    تعهدت بريطانيا في تلك الاتفاقية نيابة عن أوغندا بأن إنشاء وتشغيل محطة توليد الكهرباء لن يكون من شأنها تخفيض كمية المياه التي تصل إلى مصر.
تاسعًا : اتفاقية 1959
     وقعت بالقاهرة بين مصر والسودان وجاءت مكملة لاتفاقية 1929 وليست لاغية لها, حيث تشمل الضبط الكامل لمياه النيل الواصلة لكل من مصر والسودان في ظل متغيرات جديدة ظهرت على الساحة آنذاك وهو الرغبة في إنشاء السد العالي وتضم اتفاقية الانتفاع الكامل بمياه النيل على محدد من البنود من أهمها :
‌أ-    احتفاظ مصر بحقها المكتسب من مياه النيل وقدره 48 مليار متر مكعب سنويًا وكذلك حق السودان المقدر بأربعة متر مكعب سنويًا.
‌ب-    موافقة الدولتين على قيام مصر بإنشاء السد العالي وقيام السودان بإنشاء خزان الروصيرص على النيل الأزرق وما يستتبعه من أعمال تلزم السودان لاستغلال حصتها.
‌ج-     كما نص هذا البند على أن توزيع الفائدة المائية من السد العالي والبالغة 22 مليار متر مكعب سنويًا, توزع على الدولتين بحيث يحصل السودان على 14 مليار متر مكعب وتحصل مصر على 7.5 مليار متر مكعب ليصل إجمالي الحصة السنوية لمصر  55.5 مليار متر مكعب و 18.5 مليار متر مكعب للسودان.
‌د-    قيام السودان بالاتفاق مع مصر على إنشاء مشروعات زيادة إيراد النهر بهدف استغلال المياه الضائعة في بحر الجبل وبحر الزراف وبحر الغزال وفروعه ونهر السوباط وفروعه على أن يتم توزيع الفائدة المائية والتكلفة المالية الخاصة بتلك المشروعات مناصفة بين الدولتين.
‌ه-    إنشاء هيئة فنية دائمة مشتركة لمياه النيل بين مصر والسودان.

عاشرًا : اتفاقية 1991
     بين مصر وأوغندا التي وقعها الرئيس مبارك والرئيس الأوغندي موسيفني, ومن بين ما ورد بها :
‌أ-    أكدت أوغندا في تلك الاتفاقية احترامها لما ورد في اتفاقية 1953 التي وقعتها بريطانيا نيابة عنها وهو ما يعد اعترافًا ضمنيًا باتفاقية 1929.
‌ب-    نصت الاتفاقية على أن السياسة المائية التنظيمية لبحيرة فيكتوريا يجب أن تناقش وتراجع بين كل من مصر وأوغندا دخل الحدود الأمنة بما لا يؤثر على احتياجات مصر المائية ( ).
ومن خلال هذه الاتفاقيات نلاحظ أنه لا يوجد اتفاقية جماعية تجمع كل دول حوض النيل وأن الموجود الآن هو اتفاقيات قديمة كانت ذات طابع ثنائي ( ), لذلك فهي لا تحظى بالقبول العام من جميع دول الحوض.
 إن مياه النيل المشتركة بين عشر دول ليس هناك قانون دولي يحكمها, كما أنه ليس هناك اتفاقية مشتركة بين جميع دول حوض النهر بشأنها, ومن ثم تصبح الحاجة ملحة لاتفاق جماعي بين دول حوض النيل.
    فغياب الإطار القانوني الحاكم له الجامع لدول حوض النيل قد ترك أثاره حتى الآن على العلاقة بين دول حوض وذلك نظرًا لأن هذه الاتفاقيات هي اتفاقيات ثنائية في غالبها, فأنها لا تشكل إطار قانونيًا جامعًا لحوض النيل وقد بادرت دول الأحباس العليا لحوض النيل بإعلان رفضها وتبرئها من تلك الاتفاقيات بعد حصولها على الاستقلال, ومن ناحية أخرى فأن الإطار القانوني الذي يتم التفاوض بشأنه في إطار مبادرة حوض النيل (
NBI) والتي مرت بجولات تفاوض كثيرة نجد أن الخلاف بات حادًا على الإطار القانوني الحاكم لهذه المبادرة حتى الوقت الراهن وبخاصة بعد مفاوضات شرم الشيخ 14 أبريل 2010 ولم تستطيع دول حوض النيل التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن الإطار القانوني وانقسمت دول الحوض في اختلافها إلى فريقين, دولتي المصب مصر والسودان ومن ناحية اخرى دول " المنبع النهائية " فلا تعترف دول المنبع بحقوق مصر التاريخية في حصتها فيحوض النيل والاتفاقيات المبرمة في فترة الاستعمار وقد بدأت أزمة بين مصر ودول حوض النيل عندما طالبت أوغندا وكينيا وتنزانيا التفاوض مع مصر بشأن حصتها من مياه النيل عام 1964 ووقعت تنزانيا مع روندا وبروندي اتفاقية عام 1977 تنص على عدم الاعتراف باتفاقية 1929 كذلك اثيوبيا التي قام عام 1984 بتنفيذ مشرع سد " فيشا " أحد روافد البحر الأزرق مما يؤثر على حصة مصر بحوالي 5 مليارات متر مكعب وتدرس أديس أبابا حاليًا مشروعات مشتركة مع إسرائيل على النيل مباشرة يفترض أنها ستؤثر على حصة مصر ( ) وهو سوف يتم شرحه تفصيليًا لاحقًا.
    من خلال التحليل السابق يلاحظ أن اتفاقيات نهر النيل عانت منذ مدة طويلة بل وحتى الآن ولو على نحو غير مباشر معاناة شديدة ومزمنة ناتجة عن الموجات العاتية من الاعتراضات التي تعصف بها بين الحين والآخر ونستطيع أن نجزم بأنه لم يلق اتفاقيات نهر دولي أخر معاناة مثل اتفاقيات نهر النيل التي مثلت دومًا (بؤرة حساسة) في العلاقات بين دول حوض النيل بعضها البعض أو علاقاتها مع الدول الأخرى. وكان الخلاف دومًا على الاتفاقيات التي عقدت في الحقبة الاستعمارية ( ).
    ومن ثم فأن هذه الاتفاقيات الثنائية لا تحظى بالقبول الكامل من دول حوض النيل. ولذلك فأن الوضع القانوني أدى إلى أن أصبح النظام الإقليمي لحوض النيل يخلو من أي إطار قانوني مؤسس عام وشامل ويحظى بقبول مختلف الدول النامية.
    وساهم ذلك الوضع في خلق بيئة ملائمة لإمكانية ظهور منازعات مائية في حوض النيل وبالتالي فن الوضع القانوني يمثل محدد لإمكانية وجود صراع في حوض النيل. وهو ما يعني أن الوضع القانوني في حوض النيل قد شكل محددًا للصراع المائي بين دول المصب من ناحية ودول المنبع من ناحية أخرى.
    وقد خلق هذا الوضع مجالات للخلاف والصراع بين هذه الدول حول :
1-    الصراع حول تقاسم المياه المشتركة في حوض النيل, والدعوة إلى إعادة توزيع الحصص والأنصبة المائية بين الدول.
2-    الصراع حول مدى (مشروعية) الاتفاقيات السابقة التي وقعت في نهايات القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين ومدى مرجعيتها كإطار قانوني ينظم المسائل الإجرائية والهيدرولوجية المتعلقة بالنهر.
3-    الصراع حول مدى (لزومية) شرط الإخطار المسبق عند القيام بمشروعات مائية قطرية من قبل دول منابع النهر.
إذا نظرنا إلى النظام الإقليمي لحوض نهر النيل, فسنجده خاليًا من اتفاق عام يحدد معايير تقاسم مياه النيل. وعدا اتفاقيتي عام 1929 وعام 1959 الموقعتان بين مصر والسودان (دولتي المصب) بشأن تحديد عملية إيرادات نهر النيل المائية, فأنه لا يوجد أي اتفاق ينظم ذلك, لذلك بقيت مسألة (تقاسم مياه النيل إحدى القضايا الخلافية والصراعية في ملف العلاقات بين دول حوض النيل).
    إما الصراع حول مشروعية الاتفاقيات فهو يمثل أحد مجالات الصراع ويتمحور في الجدل السياسي والقانوني بين دول الأحباس العليا لنهر النيل من ناحية والتي تطرح مسألة عدم مشروعية الاتفاقيات نظر لكونها لم تكن عضو فيها أو لم تكن حصلت على استقلالها ومن ناحية أخرى دول المصب تقابل ذلك بالتمسك في هذا الصدد بقاعدتي : " التوارث الدولي للمعاهدات " و " الحق التاريخي المكتسب ".
    فيما يخص شرط الإخطار المسبق فأن دولتي المصب وخصوصًا مصر تصر على إعمال شرط الإخطار المسبق بشأن جميع المشروعات المائية في حوض النيل. في حين تصر دول المنبع على عدم التقييد بالإخطار المسبق لأية مشروعات مائية تزعم على إنشائها.
    ومن خلال ما سبق نرى أن كل ذلك يفضي إلى توترات بين دول المصب ودول المنبع وبالتفاعل مع الوضع المائي فأن حدة التوتر تزداد مما يؤدي إلى زيادة احتمالات عدم الاستقرار في العلاقة بين دولتي المصب ودول المنبع وعاد التوتر مرة أخرى في عام 2006 عندما أعلنت كينيا عن نيتها الانسحاب من اتفاقية 1929 واستمرت التوترات حتى الآن وتدور الخلافات بين مصر ودول حوض النيل على ثلاث بنود تصر مصر والسودان على تضمنيها في الاتفاق الإطاري فيما تتحفظ بقية الدول عليها وهي ( ).
1-     الاعتراف بحقوق مصر والسودان في استخدامات مياه نهر وفقًا للمعاهدات التاريخية المنظمة لها بصرف النظر عن أنها وقعت في خلال فترة الاستعمار.
2-    ضرورة الأخطار المسبق لدول المصب بأي مشاريع تقام على مجرى النهر وفروعه وتؤثر على تدفق المياه وكميتها.
3-    التزام الدول جميعًا باحترام قاعدة التصويت بالإجماع عند النظر في تعديل أي من البنود الأساسية للاتفاقية التي تمس مصالح دول حوض النيل وأمنها أما البنود الأخرى الأقل أهمية فيمكن التصويت عليها وفق قاعدة الأغلبية المطلقة على أن تكون دولتي المصب فيها.
الاتفاقيات المنظمة لاستخدامات المياه في النهر أكدت على ضرورة الاستغلال لمياه النهر بما يعود بالنفع على كل دول حوض النيل من دون الإضرار بالحقوق التاريخية لمصر في هذه المياه, وانطلاقًا من أهمية هذه الاتفاقيات كونها تضمن الحقوق التاريخية لمصر والسودان في مياه النيل تصر القاهرة والخروط على ضرورة تضمين بنود هذه الاتفاقيات في أية اتفاقية جديدة تنظم مياه النهر واستخداماتها غير أن هذا التوجه يقابل برفض من دول المنبع ولاسيما كينيا وأوغندا وتنزانيا على اساس أن هذه الاتفاقيات تم توقيعها في عهد الاستعمار ولا تمثل إرادة شعوبها وهكذا مثلت هذه الاتفاقيات مصدر لعدم المتوافق بين دول المنبع ودول المصب وتزايد فرص الصراع بدلاً من التعاون مع تداخل عوامل أخرى مع الإطار القانوني من شأنها زيادة حدة التوترات بين دول المصب والمنبع.



الـفـصـل الـثـانـي
دور الـتـدخـلات الـخـارجـيـة فـي الـصـراع الـمـائـي بـيـن مـصـر وحـوض الـنـيـل

    تلعب القوى الخارجية دورًا مؤثرًا وفاعلاً في أنشطة وتفاعلات النظم الإقليمية وذلك من خلال تأثيرها في أنماط تفاعلات النظم الإقليمية.
    ويكون دور القوى الخارجية متجليًا في أحد أمرين أو كليهما معًا فقد تلعب تلك القوى دور " منشأ " للصراع أو التعاون, أو تقوم بدور محفزا للتفاعلات الصراعية أو التعاونية.
    وبعد الانتهاء من تحليل الفصل الأول والتوصل إلى أن ظاهرة الصراع المائي في النظام الإقليمي المائي لحوض نهر النيل نابعة بالأساس من محددات داخلية سواء كانت متعلقة بالوضع المائي ومحدودية المياه وبالتحديد حسب المعيار الاقتصادي للمحدودية, أو المتعلقة بغياب الإطار القانوني العام والشامل. ونظرًا لذلك فأننا نستطيع القول بأن دور القوى الخارجية في النظام الإقليمي لحوض نهر النيل هو دور محفز للصراع.
    وعلى هذا فأن الدراسة في هذا الفصل تسعى إلى تحليل وتفسير الدور الذي تلعبه القوى الخارجية المؤثرة في الصراع المائي بين مصر ودول حوض النيل, وسوف يتم تقسيم الفصل إلى ثلاث مباحث :
    أولهما : دور إسرائيل في الصراع المائي في حوض النيل.
    ثانيًا : دور الولايات المتحدة في الصراع المائي في حوض النيل.
    ثالثًا : دور البنك الدولي في الصراع المائي في حوض النيل.

الـمـبـحـث الأول
الـدور الإسـرائـيـلـي فـي الـصـراع الـمـائـي
بـيـن مـصـر ودول حــوض الـنـيـل
     يسعى المبحث إلى التحقق من الدور الذي تلعبه إسرائيل كقوى خارجية محفزة للصراع المائي في حوض النيل تحقيقًا لمصالحها الوطنية في هذه المنطقة.
     والتحرك الإسرائيلي في دول حوض النيل هو جزء من تحركها في القارة الأفريقية بوجه عام ويستند إلى إستراتيجية محكمة. فمياه النيل تمثل اهتمام لإسرائيل وتطلع للإفادة منها ( ).
     وثمة محددين يمثلان ثابتين أو ركيزتين تنطلق منها السياسة المائية الإسرائيلية لتنفيذ إستراتيجيتين مستمرتين ومتزامنتين في حوض نهر النيل.
أ) المحددان هما:
1-     المكانة المحورية للمياه في الفكر الإستراتيجي الإسرائيلي.
2-     حالة الشح المائي التي تعاني منه إسرائيل.
ب) أما الإستراتيجيات فهما :
1-     إستراتيجية الدور المباشر ويتمثل في المشروعات الإسرائيلية.
2-     إستراتيجية الدور غير المباشر والذي تجسده الإستراتيجية الإسرائيلية الرامية إلى " محاصرة " السياسة المصرية وتطويرها إقليميًا وشد أطرافها سياسيًا وإستراتيجيًا لإضعافها جيوبولتيكيًا ( ).
أ) محددات الدور الإسرائيلي في النظام الإقليمي لحوض النيل :
1- المحدد الأول : المكانة المحورية للمياه في الفكر الإستراتيجي الإسرائيلي :
    يمكن الاستدلال على المكانة المحورية للمياه في الفكر الإستراتيجي الإسرائيلي من خلال التدفق في تصريحات رموز العمل السياسي والاقتصادي والاجتماعي لاسرائيل.
    الدور الإسرائيلي له أبعاد تاريخية قديمة وظهرت الفكرة بشكل واضح في مطلع القرن العشرين عندما تقدم الصحفي اليهودي " هرتزل " مؤسس الحركة الصهيونية عام 1903 إلى بريطانيا وهو صاحب كتاب مشروع " الدول اليهودية " إلى توطين اليهود في سيناء واستقلال ما فيها من مياه جوفية وبعض مياه النيل ورفضت لأسباب سياسية تتعلق بالظروف الدولية والاقتصادية في ذلك الوقت.
    وتمضي الوقائع التاريخية السياسية لتؤكد على أن المياه هي الأساس لقيام الوطن اليهودي, وأن مصادر المياه هي حدود ذلك الوطن. وأن طرح مشاريع الوطن القومي في غير منطقة في العالم كان فقط بديلاً في حالة أن الظروف لم تسمح بقيام هذا الوطن في فلسطين ( ).
    وتؤكد وقائع التاريخ السياسي أن الحركة الصهيونية وضعت دائمًا التحكم بمصادر المياه في أولوياتها فقد مثلت هذه المسألة همًا حيويًا ومحورًا اساسيًا في إستراتيجية الحركة الصهيونية منذ تأسيسها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
    فمع تأسيسها رفعت شعار " حدود إسرائيل من النيل إلى الفرات ".
    وقد كان موضوع المياه حاضر دائم في نشاطات زعماء الحركة الصهيونية الدولية وبشكل خاص مع الدول التي كانت في موقع التقرير لمصير المنطقة حينئذ وهما بريطانيا وفرنسا ( ). فقد كان موضوع المياه وهو الموضوع الأول في الرسالة التي وجهها " جاييم وإزيمان " " 1874 - 1952 " باسم الحركة الصهيونية إلى " لويد جورج "  رئيس الوزراء البريطاني في ذلك الحين بتاريخ 29 نوفمبر 1919 لعرضها على مؤتمر الصلح المنعقد في باريس, وقد جاء فيها:
    " إن مستقبل فلسطين الاقتصادي كله يعتمد على تزويدها بالمياه لتأمين الري والإنتاج الكهربائي والتزود بالمياه يجب أن يأتي بشكل أساسي من منحدرات جبل الشيخ ومنابع نهر الأردن ونهر الليطاني ولهذه الأسباب نرى أنه من الجوهري أن تضم حدود فلسطين الشمالية الليطاني إلى مسافة 25 ميلاً فوق المنحنى ومنحنى جبل حرمون الجنوبية, لضمان السيطرة على منابع الأردن ( ).
    ومع أن الظروف السياسية التي رافقت مراحل تحقيق المشروع الصهيوني لم تكن ملائمة لتحقيق جميع الأطماع الصهيونية المائية, إلا أن ذلك لا يعني أبدًا التخلي عنها بعد قيام " إسرائيل " بل على العكس تمامًا, فكلما أتيحت فرصة مواتية تستغلها إسرائيل لتحقيق ما يمكن تحقيقه من أطماعها في المياه العربية, وبعد عدوان يونيو 1967 واحتلال " إسرائيل " لأغلب منابع المياه المحيطة بها أو بمجاريها في سوريا ولبنان والضفة الغربية, تحولت قضية المياه إلى أحد العناصر المهمة في طروحات إسرائيل حول مفهومها للأمن في عمليات التسوية السياسية الجارية ومما يزيد من حساسية الموضوع المائي كون جميع الأطراف المعنية تقف على أبواب مرحلة من المتوقع أن تعلب فيها المياه الدور المهم في تحديد ملامح التفاعلات السياسية في المستقبل ( ).
     ومما يؤكد جدية المواقف الإسرائيلية من موضوع المياه العربية ما صرح به " إسحاق شامير " في مارس 1991, بأنه " على استعداد لتوقيع معاهدة حظر أسلحة الدمار الشامل وقبول التفتيش على المنشآت النووية الإسرائيلية مقابل اشتراك إسرائيل في اتفاقيات لإعادة توزيع المياه في المنطقة ".
     وفي عام 1993 كتب " شمعون بيرز " وزير الخارجية الإسرائيلية آنذاك كتابًا بعنوان " الشرق الأوسط الجديد " خصص جزءًا كبيرًا منه لموضوع المياه فيقول : " لقد كانت المياه ولا تزال تمثل عاملاً رئيسيًا في السياسة المعاصرة, كما أن العلاقات بين دول المنطقة كانت وستظل تتشكل عمومًا بفعل السياسيةالمائية ". ( )
    من كل ما سبق يتضح أن المياه تحتل مرتبة متقدمة في أولويات العقيدة الإستراتيجية الإسرائيلية, وتمثل قيمة عليا في سلم القيم التي تشكل عقل ووجدان وضمير وثقافة المجتمع الإسرائيلي وذلك منذ بزوغ الفكرة الصهيونية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر, وحتى الآن.
2- المحدد الثاني : ندرة المياه في إسرائيل
      تعاني إسرائيل نقصًا حادًا في مصادرها المائية, وقد زادت حدة هذا الوضع بعد موجات الهجرة اليهودية المكثفة من دول أوربا الشرقية والاتحاد السوفيتي السابق ( ).
     ووفقًا للعديد من المصادر المحلية الإسرائيلية, فأن مصادر المياه الإسرائيلية لا تزيد عن 1850 مليون م3.
     ولذلك فقد أشار تقرير " إسرائيل 2020 ( ) " إلى أن محصلة السكان تمثل هاجسًا مفزعًا لإسرائيل, الأمر الذي يشكل تهديد كبير على الموارد عمومًا وعلى المياه بشكل خاص حث تسببت الزيادة السكانية في إسرائيل في تناقص المعدل الذي يحصل عليه الفرد من المياه العذبة المتجددة سنويًا 229 م3. ومن المتوقع أن يقل المعدل إلى 264 م3 للفرد / السنة عام 2025 .
     وتجدر الإشارة إلى أن إسرائيل قد أعلنت رسميًا " حالة الجفاف " في 15 أبريل 1999 وطالب " آرييل شارون " وزير خارجيتها آنذاك, الدول الأوربية مساعدتها لمواجهة الأزمة المائية التي تعاني منها إسرائيل.
وخلاصة القول :
    أن حالة " العجز المائي الإسرائيلي " ليست نتاج متغير واحد فقط وهو محدودية الموارد المائية المتجددة سنويًا في إسرائيل, وإنما هي محصلة تفاعل جملة من المتغيرات كالزيادة السكانية الطبيعية, والتدفق المستمر للمهاجرين اليهود, والتوسع الزراعي, وتزايد معدلات التنمية الصناعية والتلوث البيئي وتتفاعل تلك العوامل مع بعضها البعض ( ).
ب) إستراتيجيات الدور الاسرائيلي في الصراع المائي في حوض نهر النيل :
    ينتج عن تفاعل المحددين (المكانة المحورية للمياه في الفكر السياسي والإستراتيجية وندرة المياه في إسرائيل), لجوء السياسة الإسرائيلية إلى تبني إستراتيجية عسكرة المياه (
Water militarization strategy), وذلك على الصعيدين الداخلي والخارجي فعلى الصعيد الداخلي تزداد سيطرتها على مصادر المياه التي احتلتها بالقوة. وعلى الصعيد الخارجي, يمتاز سلوكها السياسي بالسعي إلى السيطرة المباشرة أو غير المباشرة على مصادر المياه السطحية بها, لسد احتياجاتها المحلية المتزايدة ( ). وفي سياق تحقيق أهداف السياسة الإسرائيلي في حوض نهر النيل, تتبنى إسرائيل إستراتيجيتين متباينتين رغم أنهما متزامنتين لتحقيق أهداف سياستها المائية التوسعية.
الإستراتيجية الأولى : إستراتيجية محاصصة مصر في مياه النيل :
    تستند المطامع الإسرائيلية في نهر النيل إلى نص التوراة القائل " فقطع مع إبراهيم ميثاقًا بأن يعطي لنسله هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات ".
    وعلى هذا الأساس تحددت الأطماع الصهيونية في نهر النيل عبر تاريخها الطويل, فلم يكن هناك حلم استعماري ارتبط بالمياه كما كان الحلم الصهيوني وارتباطه بمياه النيل وحتى الفرات, مرورًا بدجلة والأردن واليرموك والليطاني وقد شكلت نظرة إسرائيل تجاه مياه النيل جزءًا من النهج الإسرائيلي تجاه المياه المشتركة بينها وبين الدول العربية والتي قامت بترجمته من خلال طرح العديد من المشروعات حول اقتسام " محاصصة ", مياه النيل مع الدول النامية ( ). والحصول على حصة مائية من نصيب مصر من مياه النيل. وقد قامت إسرائيل بمشاريع تطلعيه لاستغلال مياه نهر النيل وفيما يلي عرض موجز لتلك المشروعات.
1- مشروع هرتزل (1903) :
    ظهرت فكرة هذا المشروع في مطلع القرن الحالي عندما تقدم الصحفي اليهودي " هرتزل " مؤسس الحركة عام 1903 إلى الحكومة البريطانية بفكرة توطين اليهود في سيناء واستغلال ما فيها من مياه جوفية وكذلك بعض من مياه النيل, وقد وافق البريطانيون مبدئيًا على هذه الفكرة على أن يتم تنفيذها في سرية تامة وقد استتبع ذلك إرسال بعثة صهيونية كشفية إلى مصر.
    إلا أن المشروع الصهيوني قوبل بالرفض لأسباب سياسية واقتصادية حيث تمثلت الأسباب الاقتصادية في أن المشروع الصهيوني كان يتضمن تهديد للخطة البريطانية الهادفة إلى ربط الزراعة المصرية بالصناعة البريطانية, أما الأسباب السياسية فترجع في مجملها إلى الظروف الدولية في ذلك الوقت والتي فرضت إتباع سياسة الوفاق الودي بين بريطانيا وفرنسا 1904 تأهيل لمواجهة الخطر الألماني ( ).
2- مشروع " إلشيع كالي " 1974 :
    في عام 1974 طرح إلشيع كالي تخطيطًا لمشروعه الذي ينطلق من خلفيه عامة مفادها " أن المنطق الأساسي في هذا المشروع هو أن كميات ضئيلة من المياه لا يزيد عن 1 % من مياه النيل أي 800 مليون م3 سنويًا من أصل 80 مليار م3 متوسط التدفق السنوي بالمقياس المصري (نحو 0.5 % من إيراد النهر عند أسوان) لا تشكل عنصرًا مهمًا من الميزان المائي المصري يمكن نقلها في اتجاه الشمال إلى قطاع غزة والنقب الإسرائيلي.
    وقد نشر المشروع تحت عنوان " مياه السلام " ويقوم المشروع على توسيع ترعة الإسماعيلية (قناة السلام) التي تتغذى من روافد دمياط في الدلتا وقناة سيناء المتفرعة منها من أجل تامين قدرة النقل المطلوبة, وتتراوح هذه القدرة بين 100 مليون م3 سنويًا في حال اقتصر التزويد على قطاع غزة, ونمو 500 مليون م3 في حالة تزويد مستهلكين أخرين.
    وقد قوبل هذا المشروع بالرفض المصري على الصعيدين الرسمي والشعبي ( ).
    وقد عاد هذا المشروع في الظهور أكثر من مرة وكانت أولها عام 1978 فيما أطلق " إلشيع كالي " عليه مشروع " حل نموذجي لنقض المياه في إسرائيل ", وفي عام 1986 وبمناسبة انعقاد مؤتمر " أرماندهامر " للتعاون الاقتصادي في الشرق الأوسط في جامعة تل أبيب, قام " كالي " بتطوير مشروعه تحت عنوان" خطة مياه الشرق الأوسط " في ظل السلام, ومرة أخرى في منتصف عام 1989 وخلال انعقاد ندوة التعاون الاقتصادي لدول الشرق الأوسط في سان لوزان ثم طرح مشروع " كالي " من جديد وتم طلب بيع مصر لإسرائيل حصة من مياه النيل قدرها 1 % من إيراد النيل.
مشروع " بؤر " (1979) :
    قدم خبير المياه الإسرائيلي " شاؤول أولو زوروف " النائب السابق لمدير هيئة المياه الإسرائيلية مشروعًا للسادات خلال مباحثات كامب ديفيد عام 1979 يهدف إلى جر مياه النيل إلى إسرائيل عبر شق ست قنوات تحت مياه قناة السويس, تقوم بدفع المياه إلى نقطة سحب رئيسية في سيناء ويتم رفع المياه بالضخ إلى ارتفاع عشرات الأمتار لتدفع بقوة الجاذبية على طول ساحل سيناء وبإمكان هذا المشروع نقل 1 مليار م3 لري الصحراء النقب منها 150 مليار م3 لقطاع غزة, ويتميز هذا المشروع من وجهة نظر إسرائيل بضمان استمرارية جريان المياه وحل مشاكل التخزين ( ).
    ومن الجدير بالتنويه والذكر أن مصر لديها ثوابت في السياسة المائية راسخة في ذهن صانع القرار فيما يخص المياه وهو رفض بيع المياه دوليًا وبالتالي فهي ترفض كل مقترحات إسرائيل ومشاريعها حول نقل أو تحويل أو بيع مياه النيل لإسرائيل وأيضًا ما يزيد من هذا التوجه المصري هو الرأي العام المصري الذي يرفض بشدة مجرد أن يكون هناك تعاون مائي مصري إسرائيلي ومن ثم الرفض النهائي لأية صيغة من صيغ " محاصصة " في مياه النيل من قبل إسرائيل سواء بالبيع أو بأي وسيلة اخرى وبالتالي فأن إستراتيجية إسرائيل في محاصصة مياه النيل مع مصر لن تحقق مراد إسرائيل في الحصول على مياه النيل وذلك طبقًا لثوابت السياسة المائية المصرية والتي حتى الآن تؤكد على رفض المقترحات الإسرائيلية ومن هنا فأن إسرائيل قد اتجهت إلى تبني إستراتيجية غير مباشرة لتحقيق أهدافها وهي :
ثانيًا : إستراتيجية الدور غير المباشر لإسرائيل في حوض النيل : محاصرة السياسة المصرية في الدائرة النيلية :
    رغم أن الاهتمام الإسرائيلي بمصادر المياه ينصرف مباشرة إلى المياه المتدفقة إليها وإلى جوارها من الضفة الغربية وغزة ومرتفعات هضبة الجولان السورية والمياه الأردنية واللبنانية عبر نهري الأردن واليرموك ( ), إلا أن إستراتيجية إسرائيل ترمي إلى الحصول على مصادر أبعد وأكثر غزارة (مياه النيل). ونظرًا لأنها لم تنجح خلال قرن كامل في تحقيق هدفها أو حلمها في محاصصة مصر في مياه النيل, فقد بدأت تخطط لإستراتيجية أخرى للضغط على مصر من خلال إتباع إستراتيجية التطويق "
Containment " لمحاصرة دولتي المصب وبالخصوص مصر.
    في دائرتها الإقليمية وقد ترجمة إسرائيل إستراتيجية " التطويق " تلك عبر صياغة علاقات طاولت مختلف المجالات وبخاصة الاقتصادية منها والتي أتاحت لإسرائيل فرص التغلغل في حوض النيل تحت شعارات " المساعدات الفنية البحتة ".
    وسوف تقوم الدراسة في هذا الجزء بعرض إستراتيجية التغلغل الإسرائيلية في منطقة حوض النيل لمحاصر مصرفي محيط دائرتها النيلية وذلك من خلال التعرض لماهية التغلغل, وأهداف وتطوره تاريخيًا, والعوامل التي تساعد عليه, وأخيرًا آلياته ومظاهره.
1- ماهية التغلغل الإسرائيلي :
    التغلغل الإسرائيلي يعني محاولة الدول الاستعمارية استخدام إسرائيل كأداة لاستعادة نفوذها في مستعمراتها السابقة باعتبارها دولة وسيطة لا تثير الحفائظ أو الأحقاد لدى الشعوب. وذلك من خلال القيام بمنح القروض لبعض الدول الأفريقية الحديثة العهد بالاستغلال لتنمية مواردها الاقتصادية أو القيام بمشروعات عمرانية أو مدها بالخبراء وتقديم منح لتدريب الأفريقيين في بلادها ( ).
2- أهداف الوجود الإسرائيلي :
    يشير التوجه الإسرائيلي نحو القارة الأفريقية وبخاصة دول حوض النيل إلى خصوصية واضحة ترتبط بجانبين أساسيين :
    أولهما يتمثل في عملية الربط الأيديولوجي والحركي بين الصهيونية وحركة الجامعة الأفريقية والزنوجة.
وثانيهما يتعلق بدرجة التعمد الإسرائيلي في التعامل مع جماعات أفريقية بعينها بهدف تدعيم استمرارها في السلطة وإن كانت حاكمة أو توسيعًا لدورها في نشر حالة عدم الاستقرار السياسي في بعض الدول. وبطبيعة الحال لا تمثل منطقة حوض النيل استثناء من هذا التوجه. بل يمكن القول أن منطقة شرق أفريقيا تحظى بأهمية خاصة في الإستراتيجية على الدوام وهو ما يوضحه تحركها النشط في هذه المنطقة والذي من أهم أهدافه فك العزلة الإسرائيلية ( ).
ويمكن التوصل إلى عدة أهداف لإستراتيجية إسرائيل في حوض النيل ومنها :
    أولاً : تحقيق الأمن القومي وتأمين الوجود والتي تمثلت في الفترة منذ قيام الدولة وحتى منتصف الستينيات.
    ثانيًا : إثبات الشرعية السياسية اتلي تنطوي على ضمن الوجود دوليًا, والاعتراف القانوني والواقعي بها في المنطقة, والتي برزت في الفترة من منتصف الستينات وحتي مطلع السبعينات.
    ثالثًا : الهيمنة الإقليمية تأكيدًا للصفة الاستعمارية العنصرية للدولة الإسرائيلية وللشعب اليهودي والإصرار على التدخل في شئون الدول الأخرى وانتهاك سيادتها كما تهدف إسرائيل إلى النفاذ إلى عمق الأمن القومي المصري الجنوبي, وتوظيف دول المنبع لحصار دول المصب ( ).
بداية التغلغل الإسرائيلي :
    تعود بدايات التغلغل الإسرائيلي وتطوره تاريخيًا في أفريقيا عمومًا وفي حوض النيل على وجه الخصوص إلى نتائج الاعتداء الثلاثي على مصر عام 1956, فلقد امتازت فترة الإمبراطور " هيلاسيلاس " بتعزيز العلاقات الإسرائيلية الأثيوبية, وفي عام 1956 فتحت إسرائيل قنصليتها في أديس أبابا.
    بيد أن مسار " العلاقات السياسية " تحديد بين إسرائيل وأفريقيا وخصوصًا دول حوض النيل لم تمض على خط مستقيم وتمثل حقبة الستينات وما قبل 1967 ذروة التوسع الإسرائيلي في أفريقيا, ويرى المحللون أن الفترة التالية على عام 1967 تعتبر فترة مقاطعة إسرائيلية مع دول حوض النيل ( ).
    ويرى البعض أن اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية قد مهدت لقيام مرحلة جديدة من العلاقات بين إسرائيل ودول حوض النيل وهي مرحلة يمكن أن يؤرخ لها بتاريخ استئناف العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل والكونغو في مايو 1982 فمنذ ذلك الحين وقد أخذت إسرائيل تكثيف جهودها الدبلوماسية والكونغو في مايو 1982 فمنذ ذلك الحين وقد أخذت إسرائيل تكثيف جهودها الدبلوماسية لإعادة علاقاتها مع دول القارة وخاصة في الجزء الشرقي فيها ( ).


العوامل المساعدة على التغلغل الإسرائيلي :
    لقد استطاعت إسرائيل تحقيق طفرة كبيرة في علاقاتها الأفريقية وإثبات تواجد قوى سواء على المستوى الدبلوماسي الرسمي, أو على مستوى المعاملات التجارية, والفنية والتعاون العسكري وخرجت إسرائيل من نطاق العزلة, وأصبحت فاعلاً إقليميًا منافسًا, وقد ساهمت عوامل عديدة في تهيئة الظروف المناسبة لإفساح المجال أمام إسرائيل.
    أولاً : إمكانات المنافسة المتوافرة لها (فنيًا وعسكريًا).
    وثانيا: قدرتها على تلبية الحاجات الاقتصادية للدول الأفريقية الفقيرة.
    وثالثا : تواجدها المؤثر في منطقة حوض النيل والبحر الأحمر (فيما عدا الصومال وجيبوتي والسودان), إضافة لتواجدها في جنوب السودان, حيث تؤيد حركة الجيش الشعبي لتحرير السودان (بزعامة جون جارانج) ( ).
مؤشرات وآليات ومظاهر التغلغل الإسرائيلي في دول حوض النيل:
    تتعدد وتتنوع مؤشرات وآليات ومظاهر التغلغل الإسرائيلي في حوض النيل, لتشمل جميع النواحي سياسيًا وعسكريًا وثقافيًا ومائيًا وعلى الرغم من أن بعض هذه المظاهر قد لا تكون ذات طبيعية مائية أو فنية إلا أنها تهدف في المقام الأول حسب الإستراتيجية الإسرائيلية إلى تحقيق أهداف ذات صلة بالسياسة المائية الإسرائيلية وسوف يتم استعراض هذه الآليات والمظاهر مع التوسع في البعد المائي.
    بداية يجب الإشارة أن إسرائيل في سبيل تحقيق هدفها الأساسي في محاصرة مصرفي بيئة حوض النيل تستند إلى ثلاثة آليات :
    الأولى : تشجيع جيل جديد من القادة الجدد الذي ينتمون إلى الأقليات في بلدانهم ويرتبطون مع الولايات المتحدة وبالطبع إسرائيل بعلاقات وثيقة, ومن هؤلاء هليس زيناوي في أثيوبيا, أسياسي أفورقي في أريتريا, جون جارانج في جنوب السودان, يوري موسيفني في أوغندا.
    والثانية : محاصرة الأمن القومي العربي, ولاسيما في امتداده المصري والسوداني وفق إستراتيجية " حلف المحيط " أي إقامة تحالفات مع الدول والجماعات الآثنية المعادية للعرب هذا من ناحية ومن ناحية أخرى الاستفادة من تواجدها في المنطقة للتلويح بورقة المياه في مواجهة السياسة المصرية.
    الثالثه : إتباع سياسة المنح والتدريب ( ).
على صعيد التغليل السياسي :
    لقد استغلت إسرائيل الصراعات الآثنية في حوض النيل لتحقيق سياساتها في هذا المجال الحيوي لذلك فقد ركز الإسرائيليون على دعم حركات التمرد والحركات الانفصالية بهدف " تحفيز " الصراعات في تلك المنطقة ويتضح ذلك بالوجود المباشر لإسرائيل في دول حوض النيل.
1- إسرائيل وارتيريا :
    وقعت ارتيريا مع إسرائيل في فبراير 1996 اتفاقية أمنية عسكرية ولم تكن هذه أول اتفاقية بين ارتيريا وإسرائيل فتتعدد مظاهر التعاون في المجالات, وقد تعززت العلاقات بين إسرائيل واريتريا خلال عامي 2001 , 2002حيث قامت اريتريا بالتوسع في منح تسهيلات لاسرائيل تعززوجودها وفي المداخل الجنوبية  للبحر الأحمر, وخاصة الجزر المنتشرة في هذه المداخل ( ).
2- إسرائيل ومنطقة البحيرات العظمى :
    تؤكد العديد من الدراسات على أن إسرائيل لعبت دورًا فعالاً في الصراع الذي شهدته منطقة البحيرات العظمى خلال عام 1994 سواء في روندا وبوروندي أو الكونغو الديمقراطية حيث كانت الأسلحة الإسرائيلية تصل إلى تلك الدول من إسرائيل عبر قنوات رسمية وغير رسمية فضلاً عن الاستشاريين العسكريين حيث تستضيف الكونغو وحدها أكثر من 150 مستشار عسكري إسرائيلي وتشير التقديرات إلى أن قيمة الأسلحة المصدرة إلى الدول والميلشيات في هذه المناطق وصلت إلى أكثر من 600 مليون دولار خلال عام 2002 ( ).
3- العلاقات الإسرائيلية الأثيوبية :
    استطاعت إسرائيل المحافظة على وجودها الدائم في أثيوبيا بغض النظر عن طبيعة النظام الحاكم, وهو ما يؤكد أن هدف الوجود في أثيوبيا وبقية دول حوض النيل بما يحيل أهمية بالغة ضمن السياسة الخارجية الإسرائيلية ( ). ومما عزز من العلاقات الإسرائيلية الأثيوبية ارتباط الأثيوبيين لسلالة سليمان وارتباطهم الروحي بالأماكن المقدسة في الأماكن المحتلة (القدس).
    وبناءًا على ذلك أمدت إسرائيل أثيوبيا بأسلحة ومعدات عسكرية وذخائر في مجال الأمن الداخلي وحرب العصابات فضلاً, عن تدريب الطيارين الأثيوبيين بالقوى الجوية الإسرائيلية, ومن ناحية اخرى قد صادقت الحكومة الإسرائيلية بالإجماع في 16 فبراير 2003 على اقتراح وزير الداخلية إيلي يشاي, باستجلاب أبناء طائفة الفلاشة من أثيوبيا إلى إسرائيل وهو الأمر الذي نفاه مسئول العلاقات العامة في وزارة الإعلام الأثيوبية, بأن الحكومة لم تتفق مع إسرائيل أو غيرها من أجل التهجير الجماعي المواطنين إثيوبيين خارج بلادهم ( ).
مؤشرات التغلغل الاقتصادي الإسرائيلي في حوض النيل :
    يوجد كثير من مؤشرات التواجد الإسرائيل من حيث البعد الاقتصادي في دول حوض النيل على مستوى الزراعة والعمالة والتبادل الجاري والفني فهناك تحرك إسرائيلي في منطقة حوض النيل سواء في مجال البحوث الزراعية أو الأنشطة العمالية, ولقد أعطت إسرائيل قطاع الزراعة اهتمامًا يفوق اهتمامها بالقطاعات الأخرى انطلاق من كونه النشاط الأساسي  لمعظم كاسبي الدخل في حوض النيل ( ). وتشترك إسرائيل في مشروعات زراعية تقوم على استغلال المياه في بحيرة فيكتوريا وأيضًا مشروعات أثيوبية حول منابع النيل في مجالات الزراعة والكهرباء ( ).
    وتأتي العلاقات التجارية كأحد مؤشرات زيادة التأثير الإسرائيلي في دول حوض النيل, بل في كافة أرجاء أفريقيا, حيث تشهد العلاقات تطورًا متزايد خاصة في أثيوبيا والكونغو وبجانب هذا التبادل التجاري يوجد إقامة الغرف التجارية المشتركة والمعونات والمنح وقد خصصت إسرائيل لهذا أحد المراكز المتخصصة بوزارة الخارجية تقتصر مهامه على تعميم وتطبيق التعاون الأسر أفريقي ( ). وجدير بالذكر أن حجم التبادل التجاري بين إسرائيل ودول أفريقيا يقل إلى أكثر من مليار دولار.
مؤشرات التغلغل المائي الإسرائيلي في حوض نهر النيل :
    على الرغم من نفي معظم المسئولين المتخصصين بالمياه في مصر وأثيوبيا والسودان وإسرائيل حول مدى وجود دور إسرائيل في منابع النيل وذلك ملاحظ في تصريحات المسئولين أنه ليس هناك يد خفية لإسرائيل وأن مصر متغلغلة في دول حوض النيل بما يكفي, ومن ناحية أخرى تنفي أثيوبيا الدعم الإسرائيل والتعاون في إنشاء السدود وفي مجالات أخرى.
    إلا أنه في مقابل ذلك فأن هناك وجهة نظر معارضة لذلك وترى أن هناك تغلغل مائيًا لإسرائيل في دول حوض النيل وتدعمه ادلة وبراهين كما سيتم التوضيح على النحو التالي :
    نشرت مجلة السياسة الدولية مقالاً بقلم " أسامة الغزالي حرب " يقول فيه.
     " إن تحرك إسرائيل في دول حوض النيل هو جزء من تحركها في القارة الأفريقية بوجه عام, والذي يستند إلى إستراتيجية محكمة, ينبغي الاعتراف بأنها حققت بنجاحات لا يمكن إنكارها. وفي هذا الإطار فبالرغم من أن الخارجية المصرية قللت من أهمية زيادة وزير الخارجية الإسرائيلي الأخيرة إلى منطقة شرق أفريقيا, بما فيها بعض دول حوض النيل إلا أن ذلك لا ينفي على الإطلاق اهتمام إسرائيل بمسألة مياه النيل, وتطلعها الدائم للإفادة منها, وكذلك حرصها على توثيق العلاقات مع بلاد المنبع في حوض النيل, وعرض خدماتها المستمرة لتطوير مشروعات المياه في تلك البلاد. ومع أنه من قبيل المبالغة تصوير كل تحرك إسرائيلي في تلك المنطقة على أنه موجه ضد مصالح مصر المائية فأن من الخطأ الفادح التغاضي عنه " ( ).
     وقد أكد تقرير للجنة الشئون العربية بمجلس الشورى المصري عام 1991 بعنوان " أزمة المياه في المنطقة العربية " على تورط إسرائيل في أثيوبيا والخطط الإسرائيلية لمساعدة أثيوبيا في إنشاء ستة سدود على النيل الأزرق ( ).
     وهي سدود تشكل تهديدًا مباشرًا لا يردا مصر من نهر النيل, ورأت اللجنة في تقريرها أن " إسرائيل تحاول ضرب دفاعات مصر الجنوبية وفرض الحصار على الموارد الإستراتيجية لنهر النيل " وأضاف التقرير أنه بدأ واضحًا إن إسرائيل اتجهت إلى توسيع دائرة حركتها في حوض النيل, حيث امتد نشاطها إلى أوغندا وجنوب السودان ( ).
    في عام 1996 أعلن " د. محمد المهدي راضي " وزير الري المصري الأسبق عن وجود اتفاق بين إسرائيل وأثيوبيا على إقامة سد لتوليد الكهرباء, فضلاً عن موافقة البرلمان الأثيوبي على المشروع بإنشاء خزانين على النيل الأزرق, وهو ما يتبعه موافقة البنك الدولي على تمويل المشروعين دون أن يشترط حصول أثيوبيا على موافقة باقي الدول حوض النيل كما هو معمولة به وفق العرف السائد ( ).
    يكتشف العديد من الخبراء بأن إسرائيل من خلال مكتبها الاستخباراتي في نيروبي وتعاونها مع كينيا في مختلف المجالات السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية هي المحرض الرئيسي في قضية توتر العلاقات المائية بين مصر وكينيا في أواخر عام 2003 على أثر قيام الأخيرة بالإعلان عن انسحابها من معاهدة حوض النيل التي ابرمت عام 1929 وكان الأوغندية للقول " بأنه يجب التفاوض بين دول حوض النيل لمراجعة القضايا الخلافية والتوصل إلى حل يرضي جميع الأطراف وفي حالة عدم التوصل إلى اتفاق عبر التفاوض, فأن بلادها سوف تتخذ نفس الموقف الذي اتخذته زميلتها الوزيره الكينيه ( ).
     وهناك عشرات الوثائق الصهيونية التي ترصد هذا الدور في السعي لحصار مصر أفريقيًا ومائيًا والتحرك مع دول المنابع النيل.
    فقد كشف المحلل السياسي "مايكل كيلو", مؤلف كتاب " حروب مصادر الثروة " أن " إسرائيل " لعبت دورًا كبيرًا مع دول حوض النيل لنقض المعاهدات الدولية التي تنظم توزيع المياه في حوض النيل, فاعتبر أن هذا الأمر يأتي في إطار إستراتيجية الصهيونية وأوضح أن إسرائيل لعبت دورًا بين دول حوض النيل ضمن مخطط أمريكي سيء لانتزاع النفوذ في تلك الدول من أوروبا عمومًا وفرنسا على وجه الخصوص, ولذلك فأن الإدارة الأمريكية توفر لإسرائيل كل سبل التأثير على دول مثل "أثيوبيا وكينيا ورواندا وأوغندا والكونغو" وقد كشف الكاتب الأمريكي "مايكل كيلو" عند اجتماع عقد في تل أبيب بين أعضاء بالكنيست الصهيوني ووزراء أثيوبيين, تناولت بحث إقامة مشاريع مشتركة عند منابع نهر النيل, وإن الأجندة الصهيونية تقوم على اقناع الوزراء الأثيوبيين باستكمال المشاريع المشتركة التي كانت قد توقف العمل بها, وأشار إلى أن هذه المشروعات تتضمن إقامة أربعة سدود على النيل لحجز المياه, وتوليد الكهرباء, ضبط حركة المياه باتجاه السودان ومصر ( ).
    وهكذا يتضح الوجود الإسرائيلي والتغلغل المائي في حوض النيل وأنه ليس مجرد اتهامات معممة بل أن القول بالدور الإسرائيلي في الصراع المائي يستند إلى أدلة وأسانيد عديدة وسوف يتم التعرض لأثار هذا الدور في الصراع في سياق تحليلي للأزمة المائية بين مصر ودول حوض النيل وتقيم هذا الدور.

الـمـبـحـث الـثـانـي
دور الـولايـات الـمـتـحـدة الأمـريـكـيـة فـي الـصـراع الـمـائـي بـيـن مـصـر ودول حـوض الـنـيـل

     من خلال تحليل المبحث السابق نلاحظ أن الدور الإسرائيلي في منطقة حوض النيل يأتي في شكلين أو نمطين أحدهما مباشر, والآخر غير مباشر.
ولكن دور الولايات المتحدة الأمريكية يتخذ شكلاً غير مباشر فقط وتلعب الولايات المتحدة الأمريكية دورين بالأساس في حوض نهر النيل.
    الاول : دور عام تسعى من خلاله إلى " محاصرة " السياسة المصرية والسودانية في ذلك المحيط الإقليمي بما يخدم تثبيت النفوذ الأمريكي سياسيًا وإستراتيجيًا في ذلك الإقليم, ومن ثم التمهيد لدور إسرائيلي فاعل من خلال إعادة رسم خريطة التوازن الإقليمي بمنطقة حوض النيل.
    الثاني : العمل على إعادة رسم الخريطة الجيوبوليتيكة للسودان من خلال إتباع سياسة خارجية تهدف إلى خلف سودان جديد موال للولايات المتحدة الأمريكية.
وبطبيعة الحال فإن الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة الأمريكية, سواء كان تجاه دول حوض النيل ككل أو تجاه السودان يؤثر ولا شك بشكل مباشر أو غير مباشر في أحيان أخرى على التفاعلات في تلك المنطقة ومن ثم يؤثر على ديناميات الصراع المائي الدولي في حوض نهر النيل, ومن هنا تأتي أهمية دراسة دور الولايات المتحدة الأمريكية في حوض نهر النيل على النحو التالي توضيحه في هذا المبحث.

أولاً : السياسة الأمريكية تجاه حوض نهر النيل
    علاقة الولايات المتحدة الأمريكية بأفريقيا مرت بمراحل كثيرة ولكل مرحلة سمة تميزها ففي مرحلة ما قبل بداية الحرب الباردة اتسمت بالعزلة وكف الأيدي عن التدخل في الشئون الداخلية للقارة. ولكن خلال الحرب الباردة انتقل الصراع بين القطبين الكبيرين إلى الساحة الأفريقية, وفي مرحلة بعد الحرب الباردة تغير التوجه الأمريكي تجاه دول حوض النيل وأصبحت تهدف إلى دمج القارة في منظومة الاقتصاد العالمي, وتحويل قناعتها الأيديولوجية قبل نشر مبادئ الفلسفة الليبرالية ( ).
أهداف ومصالح السياسة الأمريكية في القارة الأفريقية :
    أهداف اقتصادية : تهدف إلى فتح أسواق جديدة في مناطق مختلفة من العالم ومن أبرزها القارة الأفريقية التي تمتاز بوجود فرص هائلة للاستثمار, وأسواق مفتوحة للمنتجات الأمريكية.
    أهداف سياسية : ترفع الولايات المتحدة مبدأي : الديمقراطية وحقوق الإنسان كركيزتين أساسيتين للسياسة الخارجية الأفريقية إلا أن ذلك مجرد أداة تستغلها لتحقيق مصالحها وليست هدفًا تسعى إليه في حد ذاته حيث تتعامل مع هدف تشجيع الديمقراطية لدى النظم الأفريقية الحاكمة بمبدأ النسبية. وتهدف بالأساس في علاقتها مع أفريقيا إلى الحد من النفوذ الأوروبي في القارة ( ).
    أهداف عسكرية : تسعى الولايات المتحدة إلى تحسين قدرة القارة على التعامل مع المشكلة الأمنية المؤثرة على الأمن العالمي بصفة عامة والأمن الأمريكي بصفة خاصة وأهمها الإرهاب وتسعى إلى معظم الحلول السلمية للنزاعات المسلحة في المناطق التي تحظى بالاهتمام الإستراتيجي وفقًا للمنظور الأمريكي ( ).
     ويأتي الاهتمام الأمريكي بمنطقة حوض النيل باعتبارها إحدى أبرز المناطق ذات المناطق ذات الأهمية الإستراتيجية وفقًا للمنظور الأمريكي إن هذه الأهمية الإستراتيجية لحوض النيل, دفعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى توظيف الدول النيلية غير العربية لاستعمالها كأداة للضغط على مصر والسودان باعتبارهما الدولتان العربتين المتحالفتان ضد إسرائيل.
     وفي هذا السياق يبرز الدور المائي للولايات المتحدة الأمريكية في حوض النيل, والذي يرتبط بالمصالح الأمريكية في المنطقة والتي تركز على دعم الوجود الإسرائيلي بهدف استمرار إسرائيل في القيام بدورها كأداة تيسير هذه السيطرة وتعوق أية اتجاهات راديكالية في المنطقة عن إحداث تغير من شأنه التأثير على مصالحها ( ). وفيما يلي, نستعرض السياسة الأمريكية تجاه البعد المائي في حوض النيل عند دراسة السياسة الأمريكية تجاه حوض النيل فأننا لابد من دراستها خلال فترات زمنية تشهد كل فترة تغيرات في السياسة الأمريكية تجاه دول حوض النيل كالآتي :

ففي حقبة الخمسينات :
أكد " جون فوستر دلاس " على ضرورة الوجود الأمريكي في البحر الأحمر واريتريا على وجه الخصوص عندما كانت تحت الإدارة الأثيوبية, وفي عام 1952 استطاع " دالاس " أن يوقع اتفاقًا مع اثيوبيا حصل بمقتضاه على تسهيلات عسكرية وقاعدة للاتصال في أسمرة كانت من أهم القواعد العسكرية خارج الولايات المتحدة والجدير بالذكر أن أمريكا قد مهدت الطريق للكيان الصهيوني إلى أثيوبيا والبحر الأحمر. وذلك انطلاقًا من تلاقي المصالح الأمريكية والإسرائيلية والأثيوبية وكانت الولايات المتحدة ترى أن أثيوبيا بصفتها قوة معتدلة وتميز موقعها الإستراتيجي المتاخم للبحر الأحمر ودورها المائي المهم في قلب حوض النيل هو سبب كافي لاستمرار إمدادها بمساعدات عسكرية واقتصادية. ولذلك فقد تلقت أثيوبيا من الولايات المتحدة بين عامي 1953 1974 معونات اقتصادية تبلغ 350 مليون دولار ومعونات عسكرية تقدر بـ 278 مليوندولار ( ).
ومنذ ذلك الحين واستمر الوجود الأمريكي في أثيوبيا باعتبارها إحدى أهم دول منابع النيل يحاول تحقيق هذا الهدف وهو ما يرتبط بالوجود الإسرائيلي, حيث تسعى اسرائيل من خلال تحالفها مع الولايات المتحدة إلى محاصرة الأمن القومي العربي ولاسيما في امتداده المصري والسوداني.
حقبة الستينات :
    شهدت مرحلة احترام الحرب الباردة بين القطبين الكبيرين, مع اشتداد التسابق بينهما على اقتسام مناطق النفوذ في القارة واجتذاب الدول إلى فكر أي من المعسكرين, وفي إطار هذا المستوى الدولي للصراع, لعبت إسرائيل دورًا مهمًا في خدمة غايات الإستراتيجية الأمريكية كوكيل عنها في تلك البقعة المهمة وتعددت مصادر الدعم الأمريكي السياسي والاقتصادي لهذا الدور فضلاً عن المساعدات العسكرية التي قدمتها الولايات المتحدة إلى أثيوبيا وقد استخدمتها الأخيرة ضد اريتريا لمساندة أمريكية في عام 1966 في نفس الوقت الذي كان الاتحاد السوفيتي يساند فيه الجبهة الأريتيرية ( ).
    وهكذا قد أحسنت الولايات المتحدة توظيف كل من اثيوبيا وإسرائيل خلال تلك الفترة لخدمة أهدافها في منطقة حوض النيل, لدرجة أن بعض المحللين يرى أنه يمكن تقسيم الدور الإسرائيلي في تلك الحقبة إلى دور تلعبه إسرائيل لحسابها الخاص كفاعل مستقل من ناحية, ودور تلعبه لحساب أمريكا كوكيل يرعى مصالحها ( ).
    وخلال حقبة السبعينات: انطبع الموقف الأمريكي بالمساندة والدعم للتحرك الإسرائيلي في أفريقيا لإعادة علاقاتها الدبلوماسية بالدول الأفريقية في نهاية تلك المرحلة بعدما تعهدت لها الولايات المتحدة بذلك.
    ولم تكتف تحركات السياسة الأمريكية في الدائرة النيلية خلال الفترة بمجرد توثيق العلاقات مع أثيوبيا واريتريا بل امتدت إلى انجولا لمنع المد الشيوعي من الانتشار من انجولا إلى منطقة البحيرات العظمى في حوض النيل شمالاً ( ).
    وخلال حقبة الثمانينات: استمرت السياسة النيلية لأمريكا هادفة إلى تثبيت نفوذها في تلك المنطقة المهمة في الإستراتيجية الأمريكية, فضلاً عن سعيها لتثبيت نفوذ إسرائيل.
    وتجدر الإشارة أن الباحثون السياسيون الأمريكيون هم أول من التقطوا خطورة مسألة المياه على أوضاع المنطقة وذلك منذ أول الثمانينات.
    حيث صدرت تقارير وابحاث تحذر من بوادر أزمة المياه في المنطقة والبعض منها كان علميًا وموضوعيًا والبعض الأخر كان موجهًا لخدمة أغراض السياسة الأمريكية.
    ولعل ذلك الوعي بقضية المياه في المنطقة, يفسر إصرار الولايات المتحدة على الانضمام لعضوية كافة لجان المياه في المفاوضات الثنائية والمتعددة الأطراف التي انبثقت عن مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 .
    منذ بداية التسعينات يرى بعض المحليين أن أحد الأهداف غير المعلنة للسياسة الأمريكية في منطقة حوض النيل هو التأثير على الخزان المائي ولاسيما في منطقة النيل الأزرق, والنظر إلى قضية المياه باعتبارها ورقة ضغط يمكن إثارتها في إطار الترويج لمقولة " حرب المياه " في القارة الأفريقية, وربما يساعدها في تحقيق ذلك الهدف, التطورات التي شهدتها منطقة القرن الأفريقي في أوائل التسعينات والتي أفضت إلى ظهور ترتيبات إقليمية جديدة, فانهيار أثيوبيا " منجستو " وصومال " سياد برى " واستقلال اريتريا " أسياس أفوركي " قد ساهم في إعادة ترتيب ميزان القوى بين السودان وجاراتها, بما يخدم مصالح وأهداف السياسة الأمريكية في تلك المنطقة ( ).
نماذج للعلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة ودول حوض النيل:
1- العلاقات الأمريكية الأثيوبية :
    حرصت الولايات المتحدة الأمريكية على إقامة علاقات مع الدول التي تسهم بنصيب وافر في مواردها لمياه النيل, ومنها أثيوبيا التي تمثل أحد الأهداف المهمة للولايات المتحدة لكونها تشكل مصدرًا مهمًا من مصادر تغذية المياه لنهر النيل, حيث يسهم حوض أنهار هضبة الحبشة بنسبة 80 % من مياه النيل.
    ولا شك أن طبيعة العلاقات بين الولايات المتحدة وأثيوبيا, وما تتضمنه من شراكة بين الجانبين على المستوى الاقتصادي والتجاري والسياسي والعسكري وما يحتمل أن تتطور إليه هذه الشراكة في المستقبل على مستوى المفاهيم والتطبيقات.
    وهذا التدخل يمثل تحديًا أمام صانع القرار المصري, بحيث أصبح هذا التدخل واضح من منطلق الربط الواضح في الإستراتيجية الأمريكية بين المياه والصراع حيث أن الولايات المتحدة تستثمر قضايا المياه بالمعنى السياسي والاستراتيجي في منطقة حوض النيل( ).
2- العلاقات الأمريكية الأوغندية :
    كان هناك حرص من جانب الإدارة الأمريكية على اختيار الدول الأفريقية التي زارها كلينتون عام 1998 ضمن جولته الأفريقية من بينها أوغندا, والمحدد الرئيسي لهذا الاختيار كان رغبة أمريكا في التعاون المباشر مع مجموعة القادة الجدد الذين تولوا السلطة في السنوات الأخيرة ومنهم يوري موسيفني رئيس أوغندا ( ).
    واتساقًا مع ما سبق بالنسبة لأثيوبيا, قد تكون أوغندا الدولة القائد التي تستهدف الوليات المتحدة تشجيعها للقيام بالدور الإقليمي المتميز.
    وفي عهد الرئيس بوش الابن ظلت دول حوض النيل تحظى بأهمية بالغة لدى الإدارة الأمريكية ومن مظاهر الاهتمام بدول حوض النيل إعلان الولايات المتحدة إنشاء مؤتمر للعمل المشترك في القرن الأفريقي.
ثانيًا : السياسة الأمريكية تجاه السودان وأثرها على المصالح المائية المصرية والسودانية :
    بداية يمكن القول أن السودان يحظى بأهمية إستراتيجية ملحوظة في السياسة الأفريقية للولايات المتحدة الأمريكية وذلك لاعتبارات عديدة, نذكر منها الآتي :
    الموقع الجيو إستراتيجي : حيث تقع السودان في شمال شرق أفريقيا متاخمًا لدول الشرق الأفريقي (أثيوبيا اريتريا كينيا تنزانيا) التي تحتل مكانة متميزة في أولويات الإستراتيجية الأمريكية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
    النفط : اكتشفته شركة (شيفرون الأمريكية) ومن ثم تأتي أهمية السودان بالنسبة للولايات المتحدة من منظور الإستراتيجية الأمريكية تجاه " الطاقة " والتي تعطي الأولوية لزيادة الإمدادات بدلاً من ترشيد الاستهلاك( ).
     وعند دراسة السياسة الخارجية لأمريكا تجاه السودان نرى العديد من مظاهر التدخل وتطور العلاقة بين النظام السوادني والولايات المتحدة الأمريكية وسوف نركز على السياسة الأمريكية بداية من أزمة الجنوب ومعرفة التوجه الأمريكي وتأثير هذه الأزمة على المصالح المائية في مصر والسودان.
     اتبعت الولايات المتحدة سياسة ضاغطة على النظام السوداني, وذلك بالتلميح في بعض الأحيان والتصريح في أحيان أخرى, بالخروقات التي تمارس ضد شعب الجنوب السوداني( ).
وقد صدر العديد من التصريحات الأمريكية اتلي تدين النظام السوداني وتدعو إلى عزله ومن ذلك :
    تصريح د. سوزان رايس (
Susan Rice) مساعدة وزير الخارجية الأمريكية للشئون الأفريقية خلال الفترة الثانية لحكم كلينتون قائلة :
    "تهدف سياستنا إلى عزل حكومة السودان والضغط عليها لإحداث التغيرات المطلوبة وفي نفس الوقت فأننا نسعى إلى احتواء المخاطر والتهديدات التي يمكن أن تنسبها الحكومة السودانية للمصالح الأمريكية أو تلك التي تسببها للشعب السوداني ( )".
    ومع مجيء الفترة الرئاسية لبوش تغيرت السياسة الأمريكية تجاه السودان ووضعت السودان على رأس أولوياتها في القارة الأفريقية وذلك من خلال إتباع سياسة الارتباط ظاهريًا فقط بالسودان وقضاياه, وعلى رأسها قضية الجنوب وتمكينه من حق تقرير مصيره.
    وتتباين وجهات النظر والآراء الأكاديمية حول موقف الولايات المتحدة من قضية جنوب السودان والانفصال وحق تقرير المصير فهناك فريق يرى عدم وجود رغبة لدى الولايات المتحدة في الانفصال وأنه ليس في مصلحتها وفريق أخر يرى أن انفصال الجنوب هو أمر مخطط له إستراتيجيات من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.


    و ترى الدراسة أن الحكومة الأمريكية تسعى إلى تقسيم السودان وليس ذلك من ملق التحامل عليها, ولكن استنادًا إلى الأدلة الآتية :
-    يؤكد التقرير الصادر عام 2000 عن المركز الدولي للدراسات الإستراتيجية (
ICSS) في واشنطن بشأن القضية السودانية, أن السياسة الأمريكية تجاه أزمة جنوب السودان تأتي في إطار ما صاغه صانعو نطالسياسة الأمريكية منذ مطلع التسعينات من القرن المنصرم حيث كان " كسينجر " وزير الخارجية الأمريكي ( ).
يشير إلى " إن السيطرة الأمريكية على المنطقة والحفاظ على مصالحها, لن يتأتى كاملاً وسيكون عرضه للتهديدات, ما لم يتم تفتيت الكيانات القائمة في المنطقة ولبلوغ هذه الغاية لابد من تحريك التباين الأثنى والثقافي وأحيانًا القبلي داخل الوحدات الأكثر تماسكًا.
    ويعد بداية فترة رئاسة بوش تمثل مرحلة زيادة التوجهات الأمريكية للانفصال حيث كان التيار المحافظ الديني يسيطر ويمثل ضغط على الرئيس الأمريكي , وأنه يجب على الحكومة الأمريكية أن تخذ إجراءات اكثر حدة ضد النظام الإسلامي في السودان وذلك تمهيدًا لتمكين الجنوب من الانفصال عن شمال السودان ( ).
    ويكن القول أن أبرز مظاهر التدخل الأمريكي في السودان هي :
1-    تعين الرئيس الأمريكي مبعوثًا خاصًا بالسودان في 6 سبتمبر 2001 وهو " دانفورت " الذي أصبح المندوب الأمريكي لدى الأمم المتحدة بعد ذلك.
2-    قانون سلام السودان الذي أصدرته الإدارة الأمريكية في اكتوبر 2002.
3-     دور الولايات المتحدة في اتفاق ماشاكوس, الذي وقعته الحكومة السودانية والحركة الشعبية في مدينة ماشاكوس بالعاصمة الكينية نيروبي في 20 يوليو 2002 ( ).
أثر انفصال السودان عن الأمن المائي المصري :
     يثور بشأن أثر انفصال الجنوب السوداني على المصالح المائية المصرية رأيين وهما:
    الرأي الأول : انفصال السودان يؤدي إلى آثار سلبية على الأمن المائي المصري يرى أصحاب هذا الاتجاه أن دعم الولايات المتحدة لاتفاق ماشاكوس بما يتضمنه من احتمال انفصال الجنوب بعد فترة انتقالية مدتها 6 سنوات, فضلاً عن اتفاق تقاسم الثروة والسلطة يمكن أن يؤثر على أمن مصر المائي ( ).
     حيث ستكون جنوب السودان هي الشريك العاشر لمصرفي حوض نهر النيل فضلاً عن إمكانية إحياء الدعوة الأثيوبية لإعادة توزيع حصص دول حوض النيل من جديد, أو قيام مشروعات وسدود على دول حوض النيل دون موافقة بقية الأعضاء, ومما يدعم خطورة هذا التوقع ما يلي :
1-    طبيعة جنوب السودان, حيث أنه ليس مجرد منطقة تخوم هامشية, بل أنه الممر المائي لمياه النيل إلى الشمال, حيث يمر به الأزرق الذي يمد مصر بـ 85 % من مياه النيل.
2-    الصلات الوثيقة التي تربط حركة جارانج مع كل من أثيوبيا والبحيرات العظمى.
3-    اهتمام جارانج البالغ بقضية المياه, حيث عمل من قبل كمستشار عسكري في الجيش السوداني للتخطيط الزراعي والري والموارد المائية, فضلاً عما يتردد بشأن تلقيه تدريبًا عسكريًا في إسرائيل على مدى أربع سنوات.
4-    ما يراه السفير مروان بدر من أن " انفصال السودان سوف يكون له تأثير على الأمن المائي المصري, فكلما زاد عدد دول حوض النيل, كلما زادت الخلافات والمشكلات فيما بينها حيث أن المشروعات المائية المستقبلية كلها مشروعات يتوقف على استقرار جنوب السودان, مستشهدًا بتوقف العمل في قناة جونجلي ( ).
     ووفقًا لأصحاب هذا التوجه أنه إذا كان انفصال جنوب السودان سوف يؤدي إلى الانتقاص من حصة مصر المائية, فأنه من ناحية أخرى يعني تطويق الدور الإقليمي لمصر من مناطق حوض النيل, وهو ما يؤثر على مكانة مصر إقليمياً وعربيًا ( ).
الرأي الثاني : انفصال الجنوب لا يؤثر على الأمن المائي المصري :
     يرى أصحاب هذا التوجه أن انفصال الجنوب لا يؤثر على الأمن المائي المصري فبدلاً من التعامل مع تسع دول يمكنها التعامل مع عشر دول, حيث تتمتع مصر بثقل ونفوذ لدى دول حوض النيل, ولديها خبرة ممتدة في التعامل مع هذه الدول ولن يتأثر الأمن المائي المصري وذلك انطلاقًا من اعتبارين :
أولاً: الاعتبار السياسي
    حيث يرى أصحاب هذا الاتجاه أن الانفصال لن يرتب نتائج خطيرة على قضية المياه لأن مصر تتعامل حاليًا مع تسع دول ولا يهم أن يكونوا عشرة ( ).
ثانياً: الاعتبار الفني
    حيث أن مصلحة جنوب السودان في حالة الانفصال وتكوين دولة مستقلة لا يكون في حجز المياه المتجهة إلى شمال السودان ومصر, حيث أن البيئة منطقة السدود تقف حائلاً دون ذلك, وأن الاحتمال الأقوى أن إقليم الجنوب لن يكون لديه خيار إلا للاتفاق مع مصر ومع الشمال لإقامة مشروعات مائية وزراعية مشتركة شريطة توافر الإرادة لدى الأطراف الثلاثة لإقامة هذه المشروعات لمصلحة الجميع ( ).
     ويرى باحثون أن مصر لن تتأثر حصتها في مياه النيل مع احتمال وجود تفضيل لدى الجنوب للاتفاق مع الدول الأفريقية.
     فيرى" أيمن عبد الواهب "الباحث بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام أن انفصال الجنوب عن السودان لن يؤثر على نصيب مصر من المياه قائلاً " هذه الدول الوليدة سوف تتوارث جميع الاتفاقيات التي أبرمتها الدول الأم مع الوضع في الاعتبار أن الجنوب سوف يميل أكثر إلى الدول الأفريقية ومواقفها( ).
     ويرى الباحث أن الرأي الأول هو الأكثر منطقيًا وواقعيًا حيث أنه على الرغم من افتراض صحة أن مصر لديها القدرة على التعامل مع عشر دول بدلاً من تسع فأن المخاطر التي سوف تهدد مصر تكون أوسع من مجرد التعامل العددي فقط وذلك لأنه في الوقت الراهن تعاني مصر من أزمة بينها وبجانبها السودان مع دول المنابع لذلك لابد أن تسعى مصر للتعامل السريع لاحتواء الأزمة والتعاون مع السودان في مواجهة المخاطر التي تواجهها.
     وبالتالي فأن انفصال الجنوب من شأنه أن يزيد من التوترات مما يعرقل التعاون المصري السوادني ويسمح للأطراف الخارجية أن تسنح لها الفرصة لزيادة التوترات بين مصر ودول المنبع.
الـمـبـحـث الـثـالث
دور الـبـنـك الـدولـي فـي الـصـراع الـمـائـي بـيـن مـصـر ودول حـوض الـنـيـل
    إن البنك الدولي من أحدى المؤسسات الدولية الهامة والفعالة وذات التأثير في البيئة الدولية وبخاصة للدول النامية لما يقدمه من منح وقروض ودعم مشروعات ولا يستعد من ذلك مشروعات استغلال وتطوير مياه الأنهار الدولية, وفي سياق دراسة دور البنك الدولي في الصراع المائي بين مصر ودول حوض النيل فأننا نكون بصدد أمرين :
    أحدهما يجعلنا ننظر إلى ذلك الدور إلى أنه دور سلبي ومحفز للصراع.
    والآخر يجعلنا ننظر إلى أن دور البنك الدولي دورًا مثبطًا للصراع بل ومحفزًا للتعاون في بيئة حوض النيل, ومن هنا يأتي تقسيم دراسة دور البنك الدولي إلى محورين :
أ‌-    مفاهيم البنك الدولي وأثرها على الصراع والأمن المائي المصري.
ب‌-    دور البنك الدولي في تحفيز التعاون في حوض نهر النيل.
أولاً : مفاهيم البنك الدولي وأثرها على الصراع والأمن المائي المصري :
    أدت المتغيرات الدولية التي شهدها عقد التسعينات, ومن أبرزها العولمة وما نتج عنه من تداعيات إلى سيادة مفاهيم جديدة بشأن إدارة الموارد المائية الدولية وفق آليات محددة, في هذا السياق طرح البنك الدولي وروج لمجموعة من المفاهيم منها : خصخصة المياه, تسعير المياه, بورصات المياه, أسواق المياه, بحيث تندرج تحت مسمى " الفكر المائي الجديد " ( ).
1- خصخصة المياه :
    شهد عقد التسعينات دعوات عيدة انطلقت بصفة أساسية من المؤسسات الدولية وبخاصة البنك الدولي بضرورة إصلاح الموارد المائية, من خلال إتباع آلية الخصخصة بدعوى أن القطاع الخاص هو الأجدر على إدارة موارد المياه وصولها لكافة الدولة ( ).
    ومع التسليم بأهمية التوجه نحو التخصيص على مستوى العالم في أعقاب انتهاء الحرب الباردة, فأن موارد المياه لها أهمية خاصة, حيث تعتبر قضية أمن قومي تشير مثل هذه التوجهات تساؤلات, ومنها احتمال تعرض هذا المورد لتدخلات خارجية بدعوى الخصخصة. وترفض مصر هذا التوجه وإنما تقوم على خصخصة بعض الأنشطة الخاصة بالري والزراعة. ويعكس هذا الموقف المصري السابق أمرين:
    أولهما : حرص مصر على أن تظل إدارة هذا المورد مركزية نظرًا لأهميته الحيوية لكافة مظاهر الحياة في مصر.
    وثانيهما : لا تنعزل مصر عن التوجهات العالمية الداعية لإشراك القطاع الخاص في إدارة بعض المشروعات ( ).
2- تسعير المياه :
     تعني قضية تسعير المياه وفقًا لمفاهيم البنك الدولي, أن الاعتماد على آليات السوق من شأنه أن يزيد من الكفاءة الاقتصادية, كما أن الاعتماد على آليات السوق من شأنه استبعاد تأثير السياسيين وتفضيلاتهم وكذا البيروقراطيين, ويلاحظ أن تلك الأفكار حديثة على المجتمع الدولي بوجه عام والدول النامية خاصة حيث تفتقر هذه الدول إلى خبرات خاصة بكيفية إيجاد مؤسسات تختص بتسعير مياه الري وهو الأمر الذي يعزز الحاجة إلى دراسة شاملة ( ).
    وهناك مؤشرات عديدة تؤكد أن البنك الدولي لا يمكن اعتباره بمنزلة طرف وسيط بشأن قضايا المياه, حيث أنه ينحاز لطرف على حساب طرف آخر وخصوصًا في ظل شغل الإسرائيليين فيه مناصب مهمة مثل " نائب مدير البنك ". وبالتالي فأنه على الرغم من أن البنك الدولي هو مؤسسة مالية, تهدف إلى مساعدة الدول المتخلفة في مشروعات التنمية, وتقديم المعونات لتطوير المشروعات الاقتصادية الكبرى في هذه الدول, فأنه يخضع منذ نشأته للسيطرة والهيمنة الدولية من قبل الدول الكبرى من تمويل هذا المشروع.
    وبالتالي فأن البنك الدولي بمفاهيمه وبدائله التي يعرضها (أسواق المياه, الإدارة المائية, تسعير المياه) لا يمكن أن يعد طرفًا محايدًا في أزمة المياه, حيث تتبنى وجهات نظر بعض الأطراف (إسرائيل وتركيا) ويهمل الأطراف الأخرى (الدولة العربية) حيث أن تسعير المياه يحولها إلى سلعة اقتصادية, وذلك من شأنه أن يهدد الحقوق المكتسبة عبر التاريخ, حيث ستطالب دول المنابع بحقوقها المالية كثمن لكل متر مياه يذهب للدول الأخرى.
    وبالتالي فأن من شأن تسعير المياه وتحويلها إلى سلعة اقتصادية أن يشكل حرب بين دول المنبع ودول المصب, ويهدر الحقوق المكتسبة عبر التاريخ, حيث تطالب دول المنبع بحقوقها المالية كثمن لكل متر مياه يذهب للدول الأخرى وطالما اكد وزراء الموارد المائية والري في مصر أن مبدأ تسعير المياه مرفوض شكلاً وموضوعًا .
    ويمكن تباين مدى خطورة هذا الطرح في ضوء مطالبات بعض دول حوض النيل بالفعل بالتصرف في حصتها المائية بالبيع أو النقل, وهو ما أعلن عنه وزير الموارد المائية والري خلال ندوة بجامعة قناة السويس في 7 أبريل 2002 بشأن مطالبة الكونغو الديمقراطية بهذا الأمر وتكمن خطورة هذا التوجه في الدلالات التالية :
-    تعد هذه المرة الأولى التي تشير فيها وسائل الإعلام المصرية إلى طلب رسمي من دولة الكونغو بشأن هذا المطلب.
-    توجد سابقة لتسعير المياه في منطقة الساداك, التي تتمتع الكونغو بعضويتها حيث وقعت دولة جنوب أفريقيا ودول ليسوتو عام 1986 اتفاقية نقل المياه مع لسيوتو إلى جنوب أفريقيا. ويتوقع أن تتسلم الكونغو عوائد مالية عن بيع ونقل الطاقة إلى دولة منظمة الساداك. نظرًا لوجود بورصة موحدة للطاقة الكهربية المتولدة من انهار الجنوب الأفريقي ( ).
ومما قد يشجع على إمكانية تعميم هذا التوجه بالنسبة لدول حوض النيل, هو أن هناك دول أخرى بالإضافة إلى الكونغو تقوم بالفعل بانتهاج سياسة تسعير المياه. ومن ذلك كينيا التي تحصل على حوالي 20 % من قيمة المياه المستخدمة في الري.
    وبالتالي فأن فكرة تسعير المياه في حوض نهر النيل من شأنها أن تهدد حصول مصر على حقوقها التاريخية المكتسبة وبالتالي تزيد حدة التوترات بين دول المنبع إذا ما انتهجت سياسة تسعير المياه وبين مصر التي لن تستطيع الحصول على حصتها من المياه وحقها في نص النهر وما يزيد الأمر خطورة هو التدخلات الخارجية التي تدعم تسعير المياه وتشجع دول المنابع على ذلك.
ثانيًا : دور البنك الدولي في تحفيز التعاون في حوض النيل :
    يرى بعض الخبراء ضرورة إعادة النظر في دور البنك الدولي وعدم اقتصار الحديث على الجوانب السلبية له وما أطلقه من مفاهيم في عقد التسعينات, وأن هناك تحول في دوره منذ بداية القرن الحالي من حيث دوره الفعال في التنسيق لأعمال واجتماعات " مبادرة حوض النيل " وفي هذا السياق سوف يتم تحليل دور البنك الدولي في تحفيز التعاون في حوض النيل.
    لقد لعب البنك الدولي دوراً فعالاً في حل وتسوية العديد من المشكلات والصراعات المثارة بسبب الأحواض المائية الدولية, ولا يستبعد من ذلك حوض نهر النيل فقد لعب دورًا محفزًا على التعاون المائي في ذلك الحوض فقد ساند البنك التوجهات التعاونية في حوض النيل وخصوصًا منذ عام 1998 ففي شهر سبتمبر 1998 اجتمع وزراء الموارد المائية بحضور ممثلي الدول المانحة والبنك الدولي للاتفاق على قائمة المشروعات والدراسات المشتركة وقد رصد البنك الدولي (100) مليون دولار أمريكي لهذه الدراسات, بغية تدعيم التعاون المائي بين الدول النيلية .
    ويحسب للبنك الدولي أيضًا جهوده في مجال التنسيق بين الدول النيلية لتطوير الإطار التعاوني المائي الذي يجمعها والانتقال به إلى إطار تعاوني أرحب وأشمل, والذي تمثل في مبادرة حوض النيل (
NBI) .
    ويرى الباحث أن دور البنك الدولي في الإطار التعاوني للدول النيلية حتى وإن كانت له تأثير في مبادرة حوض النيل فأن ذلك قد انحصر في بداية طرح المبادرة, كما أن هناك شوائب في سياسات البنك تجعلنا نتخوف من توجهاته وذلك في ظل سيطرة الدول الكبرى ذات المصالح في دول المنبع على سياسات البنك, وإذا امعنا النظر في الأزمة الراهنة التي تمر بها دول المصب في مواجهة دول المنبع بشأن الاتفاقية الإطارية ووضع إطار قانوني لمبادرة حوض النيل فأننا نرى أن البنك الدولي لا يتضح له دورًا فعالاً في تحفيز التعاون فأننا قد نرجع ذلك لتعقد الأزمة وتشابك الاطراف الفاعلة فيها, والتدخلات من قبل قوى كبالـفـصـل الـثـالـث
تـداعـيات الـتـدخـلات الـخـارجـيـة عـلـى الـصراع الـمـائـي بـيـن مـصـر ودول حـوض الـنـيـل

    من خلال التحليل السابق للتدخلات الخارجية ودور القوى الخارجية في اختراق النظام الإقليمي لدول حوض النيل فقد وصلنا إلى نتيجة مؤداها وجود دور حقيقي لهذه القوى في تحفيز الصراع المائي بين مصر ودول حوض النيل, ومن ثم فأنه ينبغي معرفة ما مدى تأثير هذه القوى الخارجية على الصراع المائي بين مصر ودول حوض النيل وما هي حدود ذلك التأثير وطبيعته, ومن ناحية أخرى ما مدى استجابة دول المنابع لهذه التدخلات وكيفية تأثير هذه الاستجابة على أزمة المياه الحالية بين مصر ودول حوض النيل وبالتالي فأن هذا الفصل سوف يعني بدراسة جانبين يمكن من خلالهما الوصول إلى تحليل نهائي لتداعيات التدخلات الخارجية وتأثيرها على الصراع المائي بين مصر ودول حوض  وحدود تأثير  ذلك التدخل  كما يلي :
-    المبحث الأول : تداعيات التدخلات الخارجية على مواقف دول المنابع من اتفاقيات المياه.
-    المبحث الثاني : تداعيات التدخلات الخارجية على التعاون في ظل الأزمة الراهنة.



الـمـبـحث الأول
تـداعـيـات الـتـدخـلات الـخـارجـيـة عـلـى مـوقـف دول الـحـوض مـن اتـفـاقـيـات مـيـاه الـنـيـل

يرتكز تحليل هذا المبحث على ايضاح اثار التدخلات الخارجية في حوض النيل على العلاقات بين مصر ودول حوض النيل وذلك من خلال استعراض مواقف دول المنبع تجاه مصر ومدى استجابتها للتدخلات الخارجية التي تضغط عليها وتجعلها تنبني مواقف متشددة تجاه الاطار القانون والتعاوني الذي ينظم العلاقة بينها وبين دولتي المصب وبالأخص مصر.

أولا : مواقف دول المنابع من الاتفاقات
وكما ذكرنا سابقا أن الاتفاقات المنظمة لدول حوض النيل قد شكلت محددا للصراع المائي بين مصر ودول المنبع ، فأن الاطار القانوني بات يمثل المحورالاساسي للصراع وذلك لتشدد دول المنبع في عدم الاعتراف بالاتفاقات التي تحدد حقوق مصر التاريخية في حوض النيل وبالأخص اتفاقية 1929 واتفاقية 1959 ، وقد كانت مؤشرات حدوث أزمة بشأن الاتفاقيات منذ استقلال دول حوض النيل في منتصف الستينيات عند تزايد مطالبات الدول وحكوماتها باعادة النظر في هذه الاتفاقيات القديمة بحجة أن الحكومة القومية لم تكن طرفا فيها ولكن ابرمها الاحتلال نيابة عنها وأنها جزء من ميراث الفترة الاستعمارية   
وبالتالي فان اعتراض دول المنبع ليس حديث ولكنه منذ حصول هذه الدول على استقلالها وتستخدم هذه الدول حجج لتبرير عدم التزامها بهذه الاتفاقيات ولكن الشيء الذي ينبغي الانتباه إليه في هذا الشأن هو دور القوى الخارجية في اثارة مطالب هذه الدول وذلك تحقيقا لاهدافها الخاصة باستراتيجتها في منطقة حوض النيل ومحاصرة مصر اقليميا في بيئة حوض النيل والحصول على حصة من مياه النيل عن طريق دول المنبع وايضا  الحفاظ على الموارد الافريقية بسهولة ومن ثم فإن هذه التدخلات تحفز حدة التوترات بين مصر ودول المنبع ، فقد قامت اسرائيل بمساندة من الولايات المتحدة بتقوية دورها في حوض النيل بل افريقيا عموما . وسوف يتضح ذلك من خلال تحليل مواقف الدول ومعرفة مدى ارتباطها بالقوى الخارجية .

1-    الموقف الأثيوبي من اتفاقيات المياه:
كانت اثيوبيا دومًا في موقفها من مياه نهر النيل تتسم بالشك والريبة تجاه مصر وايضا السودان وتنظر إليهما بحذر شديد ، كما أنها  كانت تتقدم بالمؤتمرات  والمطالبات التي تطالب فيها بحقها من مياه النيل.1
ويمكن القول أن التوتر في السياسات الخارجية بشأن مياه النيل بين مصر وأثيوبيا يرجع إلى خمسينيات القرن الماضي ، حيث انعكست العلاقات القوية بين أثيوبيا والولايات المتحدة سلبا على العلاقات الأثيوبية المصرية لان موقف الإدارة الأمريكية كان معاديا للسياسات القومية الاشتراكية التي كان يتبناها الرئيس(جمال عبد الناصر) انذاك,وبدات الولايات المتحده بعمل دراسات مائيه لحوض النيل ، استمرت في الفترة ما بين  1958 ـ 1965 لحساب أثيوبيا ، ووضعت تحت تصرف الخبراء الاسرائيلي ـ وبناء على هذه الدراسات ، تابع الاسرائيليون عملية المسح الجيولوجي للهضبة الأثيوبية لاقتراح إقامة عدد من السدود على منابع نهر النيل ( )
وقد استمرت إثيوبيا على نفس المسار المعادي لمصر والتوتر طوال الفترة الماضية وكان التشكك والريبة ومازال هو السائد تجاه الاتفاقيات.
ومنذ بداية عقد التسعينات في القرن الماضي تجددت المطالبات والدعاوي من قبل أثيوبيا بشأن رفض اتفاقيات مياه النيل السابقة وبالتالي تستطيع القول أنه منذ ذلك الحين قد شهدت العلاقات تصعيدا للخلافات المائية وقد بلغت ذروتها في بداية القرن الواحد والعشرين وكان للقوى الخارجية دور هام في موقف أثيوبيا الرافض للاتفاقيات واتباع سياسة التشكك تجاه دولتي المصب ( مصر والسودان).
فهناك دلالات بشأن لغة الخبراء الصهاينة في مخاطبة السلطات الأثيوبية تلخص في ادعاء بقول ان حصص المياه التي قررت للدول في حوض النيل ، غير عادلة وان اسرائيل كفيلة أن تقدم لهذه الدول التقنية التي تمكنها من ترويض مجرى النيل وتوجيهه وفقا لمصالحها (  )
ومن  ثم يرى الباحث أن مطالبات أثيوبيا بإعادة تقسيم مياه النيل وعدم الاعتراف باتفاقيتي 1929 و1959 ورائه دفع من جانب القوى الخارجية . وقد يفسر هذا  أيضا إحجام أثيوبيا عن الانضمام بصفة عضوية كاملة في كل المشاريع التعاونية السابقة على مبادرة حوض النيل والالتقاء بالانضمام بصفة مراقب فقط .
وهكذا بدأت أثيوبيا تتولى قيادة دول المنبع في رفض الاتفاقيات والبدء بطلب إعادة النظر فيها وذلك لان أثيوبيا أصبحت تملك مساندة خارجية تمكنها من أقامة  السدود والمشاريع في حوض النيل ,وقد كان إعلان إثيوبيا لهذا التوجه واضحا على المستوى الرسمي وغير الرسمي وذلك مع زيادة التغلغل الإسرائيلي والأمريكي في إثيوبيا وتقديم المساعدات والمنح والخبراء في بداية التسعينيات ، وقد عبرت عن ذلك صراحة على لسان مدير هيئة تنمية الوديان في أثيوبيا ومندوبها في لندن عن مياه النيل في2-3 مايو1990 ( ) حيث عبر خلال ذلك المؤتمر السيد " دامنيا " ممثل الحكومة الاثيوبية عن موقف بلاده قالا : " أن إثيوبيا ـ شأنها شأن دول حوض النيل الأخري ـ ترفض الاتفاقيات السابقة التي وقعتها نيابة عنها الدول الاستعمارية لانها تعتبرها تنتقص من سيادتها  ولذلك فان إثيوبيا لا تعترف بالاتفاقيات التي عقدت في ظل الدول الاستعمارية أو معها ، وتعتبرها غير ملزمة للدول المستقله حديثا ، وإنه لا بد من توقيع اتفاقيات جديدة عادلة ومتوازنه بين دول حوض النيل ،بحيث لا تعمل دول المنبع حقا مطلقا في التصرف بالمنح أو المنع ، في مياه نهر النيل وفي نفس الوقت لا تعطي دول المصب حقا مطلقا في الاعتراض على مشروعات المياه في دول المنبع ( ). وفي فبرايرعام2005 ، لخص السيد " شيفرواجارسو" وزير الموارد المائية الأثيوبي خلال المقابلة التي أجرها معه د/ محمد سالمان طايع " موقف بلاده في النقاط التالية ( ).
1-    لايوجد أي اطار قانوني شامل يحدد وينظم المسائل القانونية في حوض النيل وان جميع الاتفاقيات لمياه النيل السابقة ليست ملزمة لاطرافها نظراً لانها لم تكن قد حصلت على الاستقلال
2-     أثيوبيا لا تعترف باتفاقية 1959 وهذه الاتفاقية لا ترتب أية التزامات على أثيوبيا نظرا لكونها ليست عضوا فيها ، فهي ثنائية تخص طرفها
3-    يجب أن تستفيد كل دول الحوض العشر من منافع نهر النيل ويجب اعادة توزيع الحصص المائية بين كل الدول المنتفعه به
4-    يجري حاليا في إطار مبادرة حوض النيل التفاوض بشأن الاتفاق الاطاري الذي يحكم دول حوض النيل بديلا عن اتفاقيا مياه النيل .
 واستمرت التصريحات الأثيوبية في هذا الصدد على نفس المنوال كما سيتضح في تحليل الازمة الحالية بين مصر ودول المنبع .
وتقوم اثيوبيا حاليا بإقامة مشروعات مشتركة مع إسرائيل على النيل مباشرة يفترض أنها توثر على حصة مصر بحيث تقطع منها 7 مليارات متر  مكعب ( )
2-    كينيا وتنزانيا و أوغندا :
تتمثل مواقف الدول الثلاث في عدم اعترافها باتفاقية عام 1929 والتي وقعتها بريطانيا ممثلة لهم ، وما تلا ذلك من تعهدات قدمتها حكومات المستعمرات وقد بدأت الازمة بين مصر ودول حوض النيل عندما طالبت أوغندا وكينيا وتنزانيا التفاوض بشأن حصتها من مياه النيل عام 1964 ونتيجة تجاهل مصر وقعت تنزانيا مع رواندا وبروندي اتفاقية عام 1977 تنص على عدم الاعتراف باتفاقية 1929 ( )
وقد شهدت بدايات عام 2004 المادة إثارة المطالب الكينية في مياه النيل وفي هذا الاطار صرح وكيل وزارة المياه "جورج كرودا" لصحيفة "ايست أفريكان" الصادرة في نيروبي 2004 أن اتفاقية 1929 تمنع كينيا وأوغندا وتنزانيا من استخدام مياه بحيرة فيكتوريا لأغراض تجارية دون الرجوع لمصر وأثارت تنزانيا مطالب مماثلة في السادس عشر من فبراير 2004 عندما صرح "إدوارد لوسا" وزير المياه والتنمية الحيوانية التنزاني بأن " تنزانيا غير معنية باستشارة أي دولة بشان استخدام مياه بحيرة فيكتوريا خلافا لما تنص عليه معاهدة 1929 عندما كانت البلاد تحت الإدارة البريطانية
أما بالنسبة للموقف الاوغندي ، فقد طالب الرئيس الأوغندي" يوري موسيفنى " بأنهاء احتكار مصر لاستخدام مياه نهر النيل للري وأضاف أن معاهدة 1929 بشأن النيل التي وقعتها مصر مع بريطانيا ( )
3-    موقف والكونغو وبروندي:
لم تهتم بالتوصل إلى اتفاق بشان الاستخدام المشترك لمياه النيل ، ما تتمتع به من وفرة مائية وعدم اعتمادهم على مياه النيل لأغراض التنمية ، كما أن إسهامها في مياه النيل التي تصل مصر محدود  للغاية على نحو لا يجعل للبعد المائي انعكاسات سياسية تذكر ( ) . وهكذا تضافرت المواقف الرافضة لاتفاقيات مياه النيل السابقة ، والتي عبر عنها بعض دول المنبع في حوض النيل ، وخصوصا إثيوبيا وتنزاينا وكينيا وشكلت في مجموعها  "جبهة الرفض " والدعوة إلى التغيير في الاتفاقيات . وقد جاء موقف هذه الجبهه معارضا في الرؤية والمصلحة مع "الجبهة المصرية ـ السودانية "( )
     ومع التسليم بالدوافع التي أوردتها دول حوض النيل بشأن اعتراضها على اتفاقيات  توزيع الحصص النهائية ، فان هناك اسباب اخرى وراء تلك المطالب( ) وهنا ينبغي التأكيد على أن العامل الخارجي له دور مهم في اثارة تلك المطالب فيبدو أن الدور الإسرائيلي قد بدا ينشط في السنوات الماضية إذا بدأت سلسلة نشطة من الاتصالات مع دول المنبع خصوصا أثيوبيا واوغندا لتحريضها على اتفاقية مياه النيل المبرمه عام 1929, ومع ان هناك مطالبات منذ الاستقلال لهذه الدول ( ) فإن اسرائيل بدأت تكثف جهودها في تحفيز هذه الدول على رفض الاتفاقيات وذلك من خلال تغلغلها داخل هذه الدول فإسرائيل لها علاقة حميمة مع كينيا التي  أثارت مطالب الرفض عام 2003 وايضا إثيوبيا تمثل لها محور ارتكاز في التواجد داخل النظام الإقليمي لدول الحوض وتمدها بمساعدات لإنشاء السدود والمشروعات .
     لذلك ينبغي التأكيد على أن  العامل الخارجي له تأثير ودور هام في أثارة تلك المطالب في عام 2004 وهذا ما أكده وزير الموارد المائية والري المصري بالقول " أن دول حوض النيل تتعرض لضغوط خارجية و دول لها أطماع في مياه النيل لتعديل الاتفاقيات الموقعة لتوزيع الحصص ( ).
وسوف يتضح أثر هذه الضغوط جليا في بلورة أزمة المياه بين مصر ودول حوض النيل وعرقلة مسار المفاوضات بشأن الاتفاقية الإطارية لدعم التعاون الفني والقانوني والسياسي بين مصر ودول حوض النيل كما سوف يتم توضيحه والذي يرتبط بشكل اساسي يعوق دول المنبع من اتفاقيات المياه وبخاصة اتفاقية1929 واتفاقية 1959 .
ومن خلال التحليل السابق لمواقف دول المنابع والتغير الذي طرأ علي سياستها في التعامل مع قضية مياه النيل ، نجد ثمة اسباب تبرر هذا التغير ( )
1-    الاستقرار السياسي النسبي في دول أعالي النيل خلال السنوات الماضية جعلها تطمع إلى التنمية في الموارد المائية .
2-    تحولات الرأي العام في دول أعالي النيل فيما يتعلق بقضية المياه وضرورة إعادة توزيعها بين جميع الدول فيما يتعلق بقضية المياه وضرورة إعادة توزيعها بين جميع الدول المتشاطئة للنهر
3-    عودة الدور الاسرائيلي الفاعل في منطقة أعالي النيل وعليه فإنه على صانع القرار المصري ان يأخذ هذه التحولات بعين الاعتبار أن المشهد السياسي والاستراتيجي في أعالي النيل يتطلب إعادة النظر في أدوات وتوجهات الدفاع عن أمن مصر المائي و سوف تقوم الدراسة في المبحث التالي باستعراض الأزمة الحالية واشكاليا

الـمـبحـث الـثـانـي
تـداعـيـات الـتـدخـلات الـخـارجـيـة عـلـى الـتـعاون بـيـن مـصـر ودول حـوض الـنـيـل فـي ظـل الأزمة الـراهـنـة

انطلاقا من حقيقة أن التعاون المائي بين مصر و الدول المتشاطئة لحوض النيل من شأنه أن يعمل احتواء وحل الصراعات القائمة أو المحتملة التي تنشأ حول المياه في حوض النيل ، فقد كان هناك محاولات لتدعيم التعاون المائي بين دول حوض النيل ونستطيع أن نميز من فترتين لتجربة التعاون المائي في حوض نهر النيل أولهما قبل 1997 وثانيهما بعد عام 1997 ، فقد شهدت الفترة السابقة على عام 1997 ثلاث صيغ للتعاون المائي وهي : مشروعى الدراسات " الهيدروميت" ,الاندجو ، التكونيل," ولكنها امتازت بعدم الشمول وعدم التنوع في الطرح التعاوني لذلك فشلت جميعها في تطوير مستوى التعاون المائي , أما الفترة اللاحقة لعام 1997 فقد شهدت قيام مبادرة حوض النيل((
NBIوالتي تقوم على منهج التنمية المتواصلة والعادلة لموارد النهر بهدف تحقيق النفع المشترك والمتبادل لجميع
 الدول النيلية( ).
     وهكذا كانت لهذه المبادرة أهمية كبرى حيث تمثل بداية تأسيس صيغة تعاقدية مؤسسية قانونية تقوم بين دول المنطقة على أساس تنموي اقتصادي يضم دول الحوض العشر وكان من شأن هذه المبادرة تدعيم العلاقات بين دول حوض النيل ولكن عند تتبع مسار العلاقات التعاونية المائية منذ المبادرة وحتى الآن نرى أن المبادرة لم تحقق التعاون والاستقرار المنشود في العلاقة بين مصر ودول حوض  النيل على الرغم من المشروعات الهامة التي تضمنتها هذه المبادرة عما يشير الى تعقد وتشابك هذه العلاقات التعاونية ووجود العديد  من العوامل التي تعرقل تحقيق التعاون والتوصل إلى نتيجة ايجابية ومن خلال مسار المفاوضات بين مصر ودول حوض النيل وظهور أزمة حادة بين مصر ودول حوض النيل .
وقد تم الإشارة من قبل أن الأزمة تفجرت في الأساس في عام 2004 عند تصاعد المطالبات من قبل كينيا وأوغندا وأثيوبيا وتنزانيا بالتعديل في الاتفاقيات وعدم الاعتراف بالاتفاقيات القديمة ولم تخل هذه المطالبات من وجود دور لقوي معادية لمصر تحفز هذه المطالبات إلا أن ذلك لم يحظى باهتمام كبير من قبل صانعي القرار وقد يرجع ذلك إلى عدم تعمق الخلاف . ولكن الامر قد اختلف في الفترة الراهنة خلال الأزمة الحادة بين مصر ودول حوض النيل وهذا كما سيتم التوضيح على النحو الأتي من خلال استعراض تجدد الأزمة خلال العام الماضي والحالي.

إشكالية التعاون والأزمة الراهنة بين مصر ودول حوض النيل:
لقد أظهرت المفاوضات الخاصة بمبادرة حوض النيل على مدى السنوات العشر الماضية وجود ثنائية حادة بين دول النهر بحيث اصبحنا أمام فريقين أولهما:يضم دول المنبع والثاني: يضم دول المصب ( مصر والسودان ) وتعتبر دول المصب أن مياه النيل هي مصدرها الأساسي للمياه وترفض تغيير الاتفاقيات فمياه النيل تمثل لها قضية تمس أمنها القومي بالأساس لذا تحاول الحفاظ على حقوقها التاريخية المكتسبة وفي المقابل تعتبر دول المنبع أن هذه المياه تنبع من أراضيها وملك لها ويجب أن تستفيد منها بشكل  أكبر ( )  .
      وقد تبلورت مرحلة جديدة من النزاع بين دول المصب و دول المنبع في عام 2009 (الاجتماع الوزاري في كينشاسا 23/5/2009) لتؤكد على استمرار الثنائية في العلاقة والتوتر الذي يتواصل حتى الآن بعد الاجتماع في شرم الشيخ في (14/4/2010 ) وصولا إلى توقيع دول أربع من حوض النيل على اتفاقية لإعادة تقسيم المياه.
1-    أزمة كينشاسا (23 مايو 2009 ) :
شهد مسار التفاوض بين مصر ودول حوض النيل ، منذ بداية المفاوضات التي أطلقتها مبادرة حوض النيل , العديد من المنحنيات وحالات الشد والجذب والتباين في وتيرة المفاوضات ، لكنها بشكل عام محصور بين رؤيتين للقضايا الخلافية السابق الإشارة إليها , الأولى تمثلها مصر والسودان ، والأخرى تمثلها و تعبر عنها باقي دول الحوض ، كما مثلت رؤية المؤسسات والدول المانحة محدد حاكما ودافعا في نفس الوقت لاستمرار الحوار واطار المبادرة كإطار حاكم ( ) وقد كشف الاجتماع الوزاري لدول حوض النيل الذي انعقد بكينشاسا في (23 مايو)2009 عن استمرار العديد من الإشكاليات والمعوقات التي حالت دون التوصل لاتفاقية قانونية جماعية تنظم عملية استخدام موارد نهر النيل من  خلال الرفض( المصري السوداني )لمطالب تجاوز الاتفاقيات والاتجاهات السابقة ، والأستناد على قاعدة الأغلبية والإخطار المسبق ، وإصرار غالبية دول الحوض على توقيع الاتفاقية الاطارية ( )  
وقد طرحت أزمة التوقيع إمكانية تجاوز دول الحوض لمشروعات المبادرة بكل ما تنطوي عليه من محفزات تنموية ، غلفها المسار التفاوضي عبر جولاته المتعددة وما استتبعها من أفكار ومشروعات تهدف إلى تغليب الاعتبارات الاقتصادية المحددة لقيمة قطرة المياه وقد أفرزت هذه التوجهات نتيجة رئيسية مفادها ، اصرار دول حوض النيل على تجاوز الحقوق التاريخية لمصر كما يفرضه الواقع الراهن ولذا جاء الاتفاق الإطاري الي رفضت مصر التوقيع عليه ، تأكيد لهذه النتيجة حيث  لم ينص البند " 14 ب"  الخاص بالأمن المائي ، صراحة علي عدم المساس بحصة مصر وحقوقها التاريخية في مياه النيل ، ولم يتضمن البند رقم (8) من الاتفاق و الخاص بالإخطار المسبق عند أي مشروعات تقوم بها دول أعالي النيل ( ) .
 وتشير أزمة التوقيع إلى ابعاد دولية وخاصة من جانب اسرائيل ساهمت في محاولة منع التوقيع على الاتفاق الاطاري بشكل مفاجئ وهو ما  قد يتبعه    انسحاب السودان ورفض مصر لسيناريو بدأ أنه معد سلفا نتجاوز الموقف المصري لذا يمكن القول أن المواقف في كينشاسا عبرت عن وجود رغبة للضغط على مصر ، ومحاولة من جانب بعض الدول لطرح بدائل أخرى  تمكنها من تجاوز موقف مصر السودان ، ومحاولة تضيق نطاق المبادرة وثمارها على الأطراف الموقعة عليها ( ) حيث تتواصل الضغوط الأمريكية والإسرائيلية على مصر من أجل تنازلها وقبول بعض التعديلات على اتفاقية دول حوض النيل الموقعة عام 1929 وتحاول وضع مصر امام خيارين  
الأول :  أن توافق مصر على تزويد إسرائيل بجانبها مياه النيل والثاني : انشاء سدود عملاقة في أثيوبيا وتخفيف المياه المتدفقة إلى مصر والسودان ( )  
2-  جولة الاسكندرية ( 14 ابريل2010 ) :
جاءت جولة التفاوض التي شهدتها الإسكندرية خلال الفترة مابين 26 -29 يوليو الماضي وما أسفرت عنها من نتائج ، متسقه مع مواقف دول حوض النيل السابقة في جولة كينشاسا . فقد شهدت جولة الإسكندرية حضورا مكثفا لوزراء الري في دول حوض النيل وركزت المباحثات على طرح الرؤى الخلافية التي خلفتها ازمة التوقيع في جولة كينشاسا وأن كان من الملاحظ ان أثيوبيا وإوغندا لعبتا دورالوسيط لتقريب وجهات النظر وتدعيم الموقف المصري الساعي لاستمرار الحوار والمفاوضات كما اعتمدت مصر خلال هذه الجولة علي تهدئة المواقف من خلال الإعلان عن التواصل إلى مهلة  6 أشهر لبحث  الخلافات حول بنود الاتفاقية الجديدة ( ) والعودة إلى لغة الحوار وتغليب الإبعاد والتعاونية وقد تعني هذه المهلة أن منحني  التفاوض قد فرض مزيدا من الضغوط على المفاوض المصري ، ويجب الانتباه أن جولة الاسكندرية كانت بمثابة تهدئة وليست إنهاء للازمة فهي لم تضع حدا فاصلا للخلاف وفي الفترة التالية لهذه الجولة إلى حين عقد اجتماع شرم الشيخ في 14 ابريل 2010 كانت هناك العديد من التحركات من قبل قوة معادية لمصر مع دول حوض النيل  مهدت لنشوب الأزمة من جديد مما جعل مصر غير قادرة حتى الان على تحقيق أهدافها نتيجة لتفاعلات بيئة المفاوضات, وذلك على النحو التالي :

- بيئة المفاوضات واثرها علي الازمه بين مصر ودول حوض النيل:
تشير عملية رصد وتحليل مسار التفاعلات الدولية والاقليمية في منطقة حوض النيل إلى تداخل  العديد من القضايا المعقدة المتشابكة في اطرافها وامتداداتها الاقليمية ومع قصر تناولنا على مجموعة من المؤشرات الرئيسية المحددة لبيئة التفاوض وهناك مستويين رئيسين من التفاعل ,الاول: خارجي يتعلق وضع المنطقة في الاستراتيجيات العالمية  واستراتجيات القوى الاقليمية, أما المستوى الثاني: فيرتبط بادراك مواقف دول حوض النيل من المطالب المصرية( )  بالنسبة للمستوى الأول : تشير العديد من المؤشرات إلى أن منطقة أفريقيا تعد مسرحا للصراعات الدولية و الاقليميه وهي سمة ممتدة  فترة الحرب البارد حيث مثلث هذه المنطقة أهمية كبيرة بالنسبة للغرب وهوما تطبقه الان على نحو نحو مواجهة إخطار الإرهاب وحماية حقوق الإنسان والتنافس على الموارد الطبيعيه ولاسيما النفط ولم تفتقد المنطقة أهميتها حتى الان وهو ما يظهر في دخول اطراف وقوي دولية جديدة في المنطقة مثل الصين واليابان وايران بالإضافة إلى تكثيف التواجد الأمريكي  والإسرائيلي والتركيز على مجالات تعاون بعينها(الطاقة والري والمياه ) ( )
وهنا تجدر الإشارة إلى ان التحرك الدولي في تلك الفترة  قد تركت انعكاسات على العلاقات بين مصر ودول حوض النيل .
فعقب جولة الإسكندرية قامت أحد أكبر المنظمات اليهودية الأمريكية( منظمة مشروع التبادل) التابعة للنخبة اليهودية الأمريكية بتنظيم لقاء في الفترة من 16 إلى 21/8/2009 وقام وفد من دول حوض النيل مكون من وزير الصناعة وللتجارة الروندي ومدير المعهد العالمي للتنمية البيولوجية في روندا ونائب وزير الزراعة الاوغندي وعقد هؤلاء المسئولين لقاءات مع وزير التجارة والصناعة في إسرائيل, وعن دلالات وتداعيات زيادة الوفد أكد سفير مصر السابق في إسرائيل" محمد البسيوني" أنها تمثل تهديدا لمصر حيث تشهد العلاقات بين مصر ودول حوض النيل توتر وخاصة بعد إعلان الدولتين رفضها المطالب مصر  وأكد الدكتور" عبد الله الاشعل" مساعد وزير الخارجية الأسبق إلى أن زيارة دول المنبع إلى إسرائيل في هذا التوقيت لها أهداف خطيرة تضر بمصالح مصر( ).   
وعلى صعيد أخر أقامت إسرائيل مؤتمر لعلاج مشاكل المياه في منطقة حوض النيل وقد ضم وفد 110  من 44 دولة ووزراء المياه في كينيا وأوغندا وتنزانيا وذلك في سبيل اشراك إسرائيل في المشروعات المائية في دول حوض النيل .
ومؤتمرمياه اسرائيل لتكنولوجيا المياه والبيئة الذي يحضره وزراء البيئة الثلاثة للتعرف علي أهم الانجازات الإسرائيلية في مجال تكنولوجيا البيئة والمياه وتعني هذه المشاركة ضربة قاسمة للجهود المصرية وخاصة أن ما ستقدمه إسرائيل من إغواء لتلك الدول ومسئوليها يدفعها للدخول في مشروعات تؤثر سلباً علي مياه نهر النيل وسط الأزمة المستمرة من قبل دول المنابع بتعديل الاتفاقيات
وهكذا كثفت إسرائيل من جهودها وتحركاتها لتحريض دول المنبع ضد مصر في سبيل تحقيق أهدافها من محاصرة مصر إقليمياً.
وفي ظل الجهود الإسرائيلية في تلك الفترة جاءت زيارة وجولة وزير الخارجية الإسرائيلي "افيجدوا ليبرمان" في خمس دول أفريقية من بينها ثلاث من دول حوض النيل والتي جاءت لاحقة لزيارة الوفد الأفريقي الذي ضم كبار مسئولي من أوغندا ورواندا وممهدة لجولة أخري منتظرة "لبنيامين نتانيهو" رئيس الوزراء الإسرائيلي ( ) وشملت الجولة كينينا وأوغندا وأثيوبيا.   
وزيارة لبيرمان هي مخطط للسيطرة علي مياه النيل وذلك من خلال تقديم إغراءات لدول الحوض في السنوات الماضية لإثارة القلاقل مع مصر وإعادة توزيع المياه، ويؤكد ليبرمان أن الجولة في سياق سياسة خارجية جديدة لإسرائيل( ).
وحملت في طياتها تقديم المحفزات الاقتصادية والفنية والتي انصبت جميعاً في مجال التعاون المائي والزراعة والطاقة، وقد وقع وزير الخارجية الاسرائيلي اتفاقيه مع وزير الموارد المائيه الكيني"شاريتي نجيلي" بحضور الرئيس الكيني  "ماوي كبيكي "الذي قال ان حكومته تركز علي الري باعتباره حلا لزيادة الانتاج الزراعي وتقليل الاعتماد علي الزراعه من مياه الأمطار( ).
وقد قامت إسرائيل باختيار هذه الدول الثلاث نظراً للعلاقة الوثيقة بينها وبين إسرائيل مما يسهل مهمة تحريضها علي مصر وإقناعها بالتمسك بالمواقف الرافضه.
فأثيوبيا تمثل أهم مصادر مياه النيل إلي مصر وهي أيضاً حليف هام لإسرائيل في أفريقيا، وكينيا أيضاً تعد أهم قاعدة لجهاز الموساد الإسرائيلي فضلاً عن الروابط التجارية بين كينا والشركات اليهودية العالمية النشطة، وأيضاً أوغندا كانت وربما لا تزال مركز تمارس من خلاله إسرائيل عملياتها السرية الداعمة لحركات التمرد في جنوب السودان، علاوة عن روابط إسرائيل مع كل من روندا وبروندي ( ).
وعن تداعيات تلك الزيارة علي دول حوض النيل نذكر الآتي:
كشفت صحف دول حوض النيل التي زارها ليبرمان حالة من الاحتقان تجاه مصر، فقد ذكرت صحيفة كينيه" دايلي نايشن" أن زيارة ليبرمان إلي كينيا جاءت لوعي إسرائيل إن كينيا وسيط في افريقيا ومشروعات المياه في كينيا التي ستدعمها اسرلئيل كينيا في أمس الحاجة إليها وذلك لأن كينيا كانت تواجه ظروف اقتصادية صعبة وهذه الاتفاقية ستساعد كينيا التي لجأت إلي إسرائيل لمساعدتها علي الزراعة، وذلك لأنها تعاني من الجفاف الشديد( ).
وذكرت الصحيفة الإلكترونية "سيراثيوبيا" أن الوفد المرافق للوزير الإسرائيلي في مختلف المجالات يرمز إلي مساهمات إسرائيل في العلاقات الاقتصادية والتجارية مع أثيوبيا( ).
ويستخلص من ذلك موقف.  دول المنابع تجاه رفض الاتفاقيات القديمة والمطالبة بإعادة توزيع المياه ورفض مطالب مصر عبر مسار المفاوضات  ويستضح ذلك في جولة شرم الشيخ 14/4/2010.



 3-جولة شرم الشيخ 14ابريل 2010     
    أنعقد اجتماع لدول حوض النيل في مصر بمدينة شرم الشيخ في 14 أبريل 2010 واستمر لمدة 17 ساعة وكان يهدف إلي التوصل إلي اتفاق حول الاتفاقية الإطارية بين دول الحوض في سبيل استكمال المسار التفاوض التعاوني.
جاءت هذه الجولة معبرة عن بداية خلافات جديدة بين مصر ودول حوض النيل حيث عبرت هذه الجولة عن انقسام دول الحوض إلي فريقين الأول مصر والسودان وهما دولتي المصب والفريق الثاني يمثله دول المنابع ولم تستطيع دول حوض النيل التوقيع علي الاتفاقية الإطارية وذلك لأن مصر رفضت تخفيض حصتها المائية المقدرة عند أسوان بنحو 55.5 مليار متر مكعب، وقد تمسك المفوض المصري دوماً خلال المفاوضات بثلاث مبادئ حاكمة غير قابلة للتنازل وهي:  
    أولاً: التمسك بحقوق مصر المكتسبة في مياه النيل.
    ثانياً: ضرورة الموافقة مسبقاً علي أي مشروعات تقام في حوض النيل.
    ثالثاً: حصول مصر علي حق الفيتو  في أي تجمع مائي يضم دول الحوض العشر,  ويقابل الموقف (المصري، السوداني) موقف دول المنابع الرافض لهذه البنود ولا يعترف بالاتفاقيات التي تحفظ لمصر حقوقها التاريخية المكتسبة,ويري الباحث أن هذه البنود تعيق دول المنبع (من وجهة نظر الدول) في إقامة المشروعات والسدود التي تحقق لها مصالح وبدعم من القوي الخارجية, وفي نفس الوقت تضر بحصة مصر من مياه النيل لذلك فهي تريد إلا تلتزم بضرورة الحصول علي موافقة مصر وكما تم ذكره مسبقاً فالتحركات الدولية من قبل القوي الخارجية المعادية لمصر فيما قبل جولة شرم الشيخ قد قامت ببذل جهد كبير في تحريض تلك الدول علي مصر وإغراءاها بتقديم المساعدات للتنمية في نهر النيل.
وهكذا انتهت جولة شرم اشيخ بعدم الخروج بنتيجة ايجابيه في سبيل اقناع دول المنبع بمطالب مصر أو حتي مد مهلة المفاوضات لمدة تستطيع مصر من خلالها طرح مبادرات جديدة لتحسين علاقاتها مع هذه الدول وبالتالي اقناعها بالمطالب الثلاث, الأمر الذي دفع بهذه الدول وهي: أثيوبيا وكينيا وأوغندا وتنزانيا ورواندا وبوروندي وأريتريا للإعلان عن عزمها التوقيع المنفرد علي الاتفاقية الإطارية لدول الحوض دون الأخذ في الاعتبار بمطالب مصر والسودان مما يجعل الأمر معقد للغاية ( ).
     ومن ذلك نستنتج أن الصراع لم يعد صراع علي محدودية  المياه ولكنه صراع مصالح بين مصر ودول المنبع ولا شك أيضاً في وجود تحركات خارجية في ذلك الصراع, وقد أكد علي ذلك وزير الخارجية أحمد أبو الغيط، قائلاً :
"  لاشك ان هناك مساعي اسرائيلية لدعم علاقاتها بدول حوض النيل  منذ فتره طويلة وبوجه عام الدول الأفريقية, ولكن حقوق مصر المائية هي خط أحمر لا تنازل فيه وأن مصر تمتلك الأدوات الدبلوماسية والسياسية "( ).
وتشير التحركات الدولية إلي مستجد حاكم بالغ الأهمية في العلاقات المصرية مع دول حوض النيل وانعكاساته علي المفاوضات، وهو تعاظم مفهوم" المصلحة الاحادية "علي المصلحة الجماعية لدي غالبية دول الحوض، وهذا التعاظم الذي يأتي مستنداً علي تعدد الخيارات والفرص التي تقدمها أطراف دولية متعددة,الأمر الذي نشهد انعكاساته في تعثر المفاوضات وتشدد مواقف الدول التي كانت توصف في الماضي بالهاشمية ( ).
وقد بلغ هذا التعاظم قمته في الفترة الحالية وبالتحديد منذ 15مايو2010 بعد توقيع أربع دول من حوض النيل وهي "أثيوبيا وأوغندا وروندا وتنزانيا "علي اتفاقية جديدة بدون باقي دول حوض النيل مما يرمز إلي تصاعد مؤشرات حدة الأزمة بين مصر ودول حوض النيل وفي هذا الصدد ظهرت إراء قانونية وسياسية لتفسر هذه الاتفاقية من حيث مدي قانونيتها ومدي خطورتها أيضاً علي حصة مصر وماذا تعني هذه الاتفاقية في مسار المفاوضات والعلاقات مع مصر.
     فحول مدي قانونية هذه الاتفاقية فقد أشار الدكتور محمد سامح عمرو أستاذ القانون الدولي بجامعة القاهرة إلي عدم قانونية هذه الاتفاقية قائلا ( ):
"يتصف تحرك الدول الأربع منفرده بالتوقيع علي الاتفاق الإطاري بعدم قانونيتها وذلك للأسباب التاليه: من الثابت إن مشروع الاتفاق لم ينته بعد ولم يكتمل بناؤه قانونياً بشكل نهائي فلا تزال هناك بعض النقاط العالقة وعلي رأسها المادة (14- ب) التي لم يتم الاتفاق عليها بعد، وقد اتفقت دول الحوض علي ضرورة التوصل إلي صيغة مشتركة مقبول لهم جميعاً بشان هذه المادة وهذا التصرف يمثل خروجاً عن روح التعاون الذي كان الدافع الرئيسي لعمل دول الحوض تحت مظلة المبادرة.
كما أشار مساعد وزير الداخلية الأسبق "عبد الله الأشعل" إلي خطورة مثل هذه الاتفاقيات وضرورة التحرك الدبلوماسي للتصدي لها عبر كل وسائل التفاوض وأكد علي عدم قانونية الاتفاقية لأنها وقعت بين دول دون أخري ( ).
وأكد الدكتور "مفيد شهاب "أن توقيع الدول الأربعة علي اتفاقية لإعادة توزيع حصص النيل خطوة خاطئة ما كان يجب أن تتم ولكنها ليس نهاية المطاف( ).
وزادت حدة الموقف من خلال تصريحات الدول الموقعة علي الاتفاقية والتي في مجملها تسعي إلي الضغط علي مصر بالإضافة إلي الضغط الخارجي الذي يريد أن تستلم مصر لإرادة الدول الموقعة ومن هذه التصريحات الآتي:
أكدت وزيرة المياه الأوغندية أن دول حوض النيل وافقت علي جميع بنود الاتفاقية الإطارية بما فيها مصر والسودان فيما عدا ففي، واحدة في البند (14- ب) المتعلق بالأمن المائي والمرتبط بالاتفاقيات القديمة ( ).
وحذر مدير إدارة الموارد المائية في كينيا "جون نيارو" من أنه إذا لم يتم التوصل إلي اتفاق علي إطار تعاوني بشان مياه النيل فلن يكن هناك سلام وأن غياب القانون سوف يؤدي إلي نتائج وخيمة.
وتعتبر هذه الاتفاقية تحدياً لمصر ومصالحها وفي هذا الشأن أوضح العديد من الخبراء القانونين والدبلوماسيين أن هذه الاتفاقية هدم كبير في مسار المفاوضات والعلاقات الأفريقية المصرية، وأنها تؤثر علي دور مصر الأفريقي وتكشف عن نجاح إسرائيل في تطويق مصر في المنطقة ( ).
وفي شأن الإستراتيجية والجهد الإسرائيلي فإنه قد تعهدت إسرائيل لتنزانيا في اليوم التالي لتوقيعها مع كل من أثيوبيا وأوغندا وروندا الاتفاقية الإطارية دون مصر والسودان وعن طريق وفد إسرائيلي قام بزيارة للعاصمة التنزانية بأنها ستمول إنشاء أربع سدود علي نهر النيل في تنزانيا بعد أن قامت تنزانيا بالتأكد من الجدوى الاقتصادية لهذه السدود من خلال الاستشارة الأمريكية( ).
لهذا نري هذه الدول تتبني مواقف متشددة ضد مصر نتيجة وجود قوي خارجية تساندها وتدفعها لتنفيذ مشروعات التنمية في حوض النيل ولم تعد هذه الدول هامشية ولا تمتلك قوة التصرف بل تمارس ضغوطاً فعلية علي مصر فأثيوبيا قامت بالفعل بعد التوقيع بافتتاح سد جديد بتمويل إيطاليا وإشارة رئيس قطاع المياه والأجهزة الفنية "عبد الفتاح مطاوع" أنه لم يكن لدي الحكومة المصرية أية معلومات حول السد وأنه يقع علي أحد الروافد الواردة في النيل الأزرق وسيتمد مياهه من بحيرة تانا في الهضبة الأثيوبية ( ).
     ومن ثم نستخلص أن إقدام دول الحوض علي تقديم رؤي واهتمام بمياه النيل، بقدر لم يكن مطروحاً فيما سبق يزيد من حجم التحدي الذي سوف تواجهه المفاوضات فيما بعد.

حدود تأثير التدخلات الخارجية علي العلاقات المائية في حوض النيل:        
قد تقوم إسرائيل والولايات المتحدة بالتحالف مع أحدي دول الحوض أو أكثر ضد مصر والسودان، وعندئذ تتزايد احتمالات تصاعد الصراع المائي استناداً إلي نظرية تتحول القوة ( ) (
power transition theory).
فالنظر إلي النظام الإقليمي لحوض النيل، نجد أن جميع دول أعالي الحوض، سواء الدول التي تصنف علي أنها دول قوية نسبياً (أثيوبيا- كينا - تنزانيا) أو التي تصنف علي أنها ضعيفة نسبياً( أوغندا الكونغو الديمقراطية روندا بروندي ارتيريا) نجدها جميعاً تعبر عن عدم رضاها عن الاتفاقيات القانونية الموقعة بشأن مياه النيل، وإن تفاوتت درجة عدم الرضا من دولة لأخرى، وإن تباينت في شدتها وحدتها من فترة زمنية لأخرى، إلا أنها جميعهاً غير راضية عن الوضع الراهن، ونتيجة لذلك فإن تلك الدول تسعي كل تجنب قوته ونفوذه وقدرته علي تكوين تحالفات خارجية نحو تغير الوضع الراهن وإحلاله بوضع آخر واستناداً إلي افتراضات "نظرية تحول القوة" فإن الدول القوية نسبياً وغير الراضية، والتي تمثلها في حالة نظام حوض النيل كل من أثيوبيا وكينا وتنزانيا وأوغندا، هذه الدول ستكون أكثر حرصاً علي تبديل الوضع القائم، وأكثر إثارة للصراع والتوتر، وتزداداً احتمالات لسلوك سياسي خارجي ذي طبيعة صراعية في حالة امتلاكها لمصادر قوة جديدة أو حالة التحالف مع أطراف داخل النظام الإقليمي، كأن تتحالف مع بعضها البعض، وتوحد أطروحاتها ضد دولتي المصب والمجري كما يحدث حالياً وذلك يتضح بدرجة كبيرة بعد توقيع تنزانيا وأثيوبيا وروندا وأوغندا علي الاتفاقية الإطارية الجديدة منفردة.     
وقد تتحالف مع أطراف خارج النطاق وذلك من خلال شبكة علاقات تقيمها تلك الدول مع كل من إسرائيل والولايات المتحدة.
أما الدول الضعيفة نسبياً وغير الراضية والتي تمثلها روندا والكونغو واريتريا وبورندي، هذه الدول ليس أمامها إلا أحد بديلين، إما الانزواء داخل النظام , او السعي للحصول علي رضاء الاطراف القويه والمسيطره علي هذا النظام.وعند  تبنيها البديل الثاني فإنها تكون أمام خيارين ,الأول:السعي للحصول علي رضاء الاطراف القويه والراضيه بالوضع القائم(مصر والسودان) ( ).  
الثاني: السعي للحصول علي رضاء الأطراف القوية غير الراضية عن الوضع القائم "أثيوبيا كينيا تنزانيا أوغندا"، ومن ثم التحالف معها لتكوين جبهة مشتركة تجمع كلا من الدول غير الراضية القوية  والضعيفة معاً وتعملان معاً من خلال إثارة القلاقل والنزاعات والتوترات والصراعات الهادفة إلي تغير الوضع القائم وذلك كما هو الحال في ظل الأزمة الراهنة.
     وفي هذا السياق، تأتي نظرية تتحول القوة الناتجة عن التدخلات الخارجية كأساس لتفسير التحول الراديكالي الذي طرأ علي مواقف وسلوكيات دول أعالي النيل في الآونة الأخيرة وتحديد قيامها في تحد سافر للسياسة المصرية السودانية بالتوقيع علي الاتفاقية الجديدة بين أربع دول من حوض النيل متجاهلة الرفض المصري والسودني ( ) وإعلان الدول الباقية استعداداها للتوقيع مما يشير إلي أن المرحلة القادمة هي مرحلة هامة اومن المتوقع أن تشهد العديد من التطورات التي قد تدفع إلي اشتداد الأزمة او قد تؤدي إلي التوصل إلي إطار يجمع جميع الأطراف مما ييسر المفاوضات ويحفز التعاون بين مصر ودول حوض النيل.

الـخـاتـمـة

انطلقت الدراسة بالأساس في تحليلها للموضوع محل البحث من تساؤل رئيسي وهو (ما هو أثر ودور التدخلات الخارجية في الصراع المائي بين مصر وحوض النيل؟) ومن ثم فقد فقد كان الهم البحثي لهذه الدراسة هو التحقق من مدي صحة الفرض القائل بان القوي الخارجية "التدخلات الخارجية" تلعب دوراً في النظام الإقليمي لدول حوض نهر النيل، وبالتالي سعت الدراسة إلي تحليل ما هو شكل هذا الدور في إطار الصراع وهل هو منشئ للصرع أم أنها قوي محفزة سلباً أو إيجاباً وما هي مؤشرات هذا التدخل الخارجي وتداعياته.
وسعياً لتحليل بيئة الصراع في النظام الإقليمي لدول حوض النيل فقد بدأت الدراسة بتحليل المحددات الداخلية للصراع وقامت الدراسة بتحليل محددين للصراع المائي في حوض النيل وهما:
1-    الوضع المائي كمحدد للصراع.
2-    الوضع القانوني كمحدد للصراع.
وقد قدم الفصل الأول تحليلاً لهذا أن المحدد والتوصل أيضاً إلي مجالات مؤشرات الصراع كالآتي :
1-    الصراع حول اتفاقيات المياه.
2-    الصراع حول تقاسم المياه.
3-    الصراع حول شرط الأخطار المسبق عند تنفيذ أي مشروعات مائية
وبعد تحليل المحددات الداخلية للصراع انتقلت الدراسة في تحليلها إلي دراسة دور القوي الخارجية في الصراع كقوي محفزة أو مثبطة للصراع وذلك من خلال تحليل الدور الإسرائيلي في الصراع المائي بين مصر ودول حوض النيل، ودور الولايات المتحدة الأمريكية في الصراع المائي بين مصر ودول حوض النيل، وأيضاً دور "المفاهيم التي أطلقها البنك الدولي ودوره في دعم مبادرات التعاون بين دول حوض النيل.
وبعد توضيح دور القوى الخارجية ومؤشرات وآليات التدخل الخارجي، فقد قامت الدراسة في الفصل الثالث بتحليل تداعيات التدخلات الخارجية علي العلاقات بين مصر ودول حوض النيل من خلال تحليل تداعيات التدخلات الخارجية علي موقف دول المنبع في الاتفاقيات الخاصة بمياه نهر النيل، وأيضاً بتحليل تداعيات التدخلات علي المسار التعاوني والتفاوض خلال الأزمة الراهنة.

ومن خلال تحليل هذه الفصول الثلاثة فقد توصلت الدراسة إلي عدة نتائج, هي:
 
1-    الوضع المائي في حوض النيل يعتبر محفزاً أو محدداً للصراع بين مصر ودول حوض النيل وذلك وفقاً للمؤشر الاقتصادي، أي عدم توفر الإمكانيات المادية والاقتصادية اللازمة لإقامة البني والمنشآت لتوصيل إمدادات المياه, علي الرغم من توافر المياه وجودتها النوعية مما يسهل اختراق القوي الخارجية أيضاً بإغرائها بالمساعدة في إقامة المشروعات والسدود والتأثير علي حصة مصر.
2-    بالرغم من وجود ما يزيد علي عشر اتفاقيات مائية في حوض النيل إلا أن أياً من هذه الاتفاقيات لم تكن ذات طبيعة جماعية، فهي اتفاقيات ثنائية أو ثلاثية علي أحسن تقدير ومن ثم فإن النظام الإقليمي المائي لحوض نهر النيل يعاني من غياب الإطار القانوني الجامع المانع الذي يحظي بقبول جميع الدول النيلية، لذلك فالوضع القانوني في حوض النيل يمثل محدداً وحافزاً للصراع المائي بين مصر ودول حوض النيل.
3-    ظاهرة الصراع المائي بين مصر ودول حوض النيل أنما هي ظاهرة نابعة من محددات داخلية، لذلك فإن الدور الذي تلعبه القوي الخارجية هو دور مخفز للصراع وليس منشئاً له، لذلك فلا تعد من محددات الصراع.
4-    توصلت الدراسة أن إسرائيل لها تواجد في دول حوض وذلك بشكل مباشر وغير مباشر بهدف محاصرة مصر إقليماً في حوض النيل والحصول علي جزء من حصة مياه النيل وقد استطاعت إسرائيل أن تقييم شبكة ممتدة من العلاقات السياسية والاقتصادية مع دول حوض النيل.
5-    الولايات المتحدة لها نفوذ واضح في دول حوض النيل سواء من خلال العلاقات الثنائية مع دول مثل: أوغندا وإثيوبيا، أو من خلال طرح مبادرات بشأن إقامة تكتلات، قد يترتب عليها إضعاف التعاون بين مصر ودول حوض النيل وتسعي الولايات المتحدة إلي محاصرة وتطويق السياسية المصرية في محيطها الإقليمي بما يخدم تثبي النفوذ الأمريكي سياسياً واستراتيجياً ومن ثم التمهيد لدور إسرائيلي فاعل.
وهكذا يتضح أن كلاًَ من إسرائيل والولايات المتحدة تمثلاً قوتان خارجيتان تعملان لي شد أطراف الدولة المصرية في نطاق صحيحها النيلي بما يقود إلي تحفيز الصراع المائي في ذلك الحوض.
6-    مفاهيم البنك الدولي تثيراً العديد من القضايا التي من شأنها تحفيز الصراع المائي في ذلك الحوض, علي الرغم من وجود دور للبنك الدولي في الاسهام في عمليات التنمية في حوض النيل إلا أن هيمنة القوي الكبرى عليه تعرقل من تدعيمه للإطار التعاوني.
7-    تتبني دول أعالي النيل موقفاً متشدد تجاه رفض اتفاقيتي 1929 و 1959 وذلك الموقف الرافض يتعاظم بمرور الوقت مع تحركات دول المنابع التي تمثل تحدياً للسياسة المائية المصرية.
8-    علي الرغم من الجهود التي تبذلها مصر في سبيل إدارة الأزمة الراهنة إلا أنها لم تستطيع حتي الآن التوصل إلي نتائج مجدية مع دول المنابع التي تساندها قوي خارجية وتمنحها القوة المادية والمعنوية في مواجهة مصر.
9-    أظهرت جولات التفاوض السابقة في كينيا والإسكندرية وشرم الشيخ تعقد وتشابك المصالح بين الأطراف المختلفة وغلبة النمط الاحادي للتنمية من جانب غالبية دول الحوض، وعدم توافر الإرادة الجماعية لإنجاز اتفاق ينظم مياه النيل بين كل دول الحوض، واستمرار بعض الحساسيات التاريخية الخاصة بصحة وحقوق مصر في مياه النيل وهو ما أنعكس في محاولات الضغط علي مصر والسودان للتوقيع علي الاتفاق الإطاري أو تتجاوز موقفها الرافض بالإعلان عن فتح التوقيع علي الاتفاق بدونهما وهو ما قامت به دول الحوض أثيبوبيا أوغندا تنزانيا- رزندا بالتوقيع منفردة علي الاتفاق الإطاري.
10-    محصلة تأثيرات العوامل الخارجية الدافعة نحو الصراع المائي في حوض النيل تفوق نظيرتها الدافعة نحو التعاون المائي بين دول ذلك الحوض، ويرجع ذلك إلي تزايد قابلية النظام الإقليمي لحوض نهر النيل للاختراق الخارجي خلال العقود الثلاث الأخيرة وذلك الاختراق تزامن مع زيادة التغلغل الإسرائيلي والأمريكي في حوض النيل والتي تدفع نحو تحفيز التفاعلات المائية الصراعية في ذلك الحوض.
وأخيراً تري الدراسة من خلال تحليلها للصراع أن هناك بعض الأسباب التي تؤدي إليه وذلك بإيجاز يتخلص في الآتي:
1-    نظرة دول المنبع أن مصر تحصل علي حصة أكبر من مياه النيل بينها هي التي ترفد منها مياه نهر النيل ليس لديها نصيب معقول وعادل من المياه نهر النيل.
2-    العامل السياسي والتحريض الذي تمارسه الدول المعادية لمصر.
3-    فشل دول الحوض حتي الآن في التوصل لصيغة شاملة لتقسيم المياه وتوزيعها وفقاً للقانون الدولي.

 

و انطلاقاً من النتائج التي توصلت إليها الدراسة, يمكن طرح بعض التوصيات على النحو التالي:
1-    رغم تحصن مصر بعدد من الاتفاقيات التي تضمن لها حقوق التاريخية في مياه نهر النيل إلا أن هناك حاجة إلي إنشاء إطار قانوني ومؤسسي جديد يضم كل دول الحوض وذلك لتجاوز الخلافات القائمة حالياً والتى تغذيها في كثير من الأحيان دول من خارج الحوض، وحتى يكون هذا الاتفاق بمثابة الدستور الذي يحترمه الجميع ويتعامل في ظله.
2-    أهمية عدم إغفال تأثير العامل الخارجي علي علاقة مصر مع دول حوض النيل وبالتحديد علي مشاريع التكامل المقترحة في إطار مبادرة حوض النيل.
3-    يتطلب التعامل مع ملف مياه النيل جهداً منسقاً وتعاوناً كاملين بين كافة الوزارات والمؤسسات المعينة، وقد يكون من المناسب إنشاء مكتب لشئون مياه النيل ودول الحوض يتبع رئيس الجمهورية وأن يكون له صلاحياته التي تكفل إدارة عمل مخطط ومنسق يستهدف في المقام الأول تحقيق أمن مصر المائي.
4-    يجب أن تواصل مصر مبدأ التعاون مع دول حوض النيل لتحقيق الأمن المائي واستغلال ما تملكه هذه الدول من قدرات وإمكانيات لتعظيم النفع للجميع والاستفادة من مياه نهر النيل.
5-    ضرورة إعادة النظر في سياسة مصر الخارجية تجاه أفريقيا وقيام مصر بدور فعال في تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي في دول حوض النيل حتي تتصدي لأي تدخلات خارجية تسعي لتهميش الدور الإقليمي المصري في أفريقيا وهو ما أكدته الدراسة في الفترة محل البحث.
6-    أهمية إجراء اتصالات مباشرة وغير مباشرة مع تكوينات داخلية لدول حوض النيل (مجتمع مدني قبائل مؤسسات بحثية )مما يدعم موقف مصر لدي الرأي العام الأفريقي الذي قد يؤثر علي صانع القرار وضمان عدم وجود قرارات تحقق ضرر للمصالح المصرية.
7-    أهمية التوجه المباشر إلي دول حوض النيل والسعي إلي إبرام اتفاقيات اقتصادية وسياسية وأمنية معها علي النحو الذي يقلل من التأثيرات السلبية لتدخلات القوي الخارجية في دول حوض النيل وذلك سعياً إلي تفكيك الموقف الجماعي الرافض لحقوق مصر من قبل دول المنبع.
8-    ضرورة الحرص علي استمرار التوافق بين الموقف المصري والموقف السوداني في مفاوضات مياه النيل والعمل علي الاستفادة من القدرات السودانية في التأثير علي مواقف بعض الدول.
9-    ضرورة متابعة والإطلاع علي كل ما يصدره البنك الدولي والمؤسسات الأخرى بشأن مفاهيم الخصخصة وتسعير المياه وبوصات المياه، ويقترح في أن تنشأ وحدة في وزارة الموارد المائية والري تختص بالمؤسسات الدولية وموقفها تجاه قضية المياه في حوض النيل وذلك لإمكانية تبني موقف رسمي تجاه هذه المفاهيم والتحقق من أهدافها.
10-    ضرورة توجيه مزيد من الاهتمام للتحركات الإسرائيلية في دول حوض النيل للوقوف علي مدي تقاطعها في بعض جوانبها مع مصالح مصر في هذه الدول.
11-    استخدام الحوار والقوة الناعمة في التعامل مع دول المنبع مع ضرورة سرعة التحرك المصري في التعامل مع الأزمة الراهنة واستبعادالقوة العسكرية التي ستجلب الدمار ولن تحقق إلا نتائج وخيمةوبالتالي فإنه يجب تكامل مسارات التحرك المصري وأن تشكل فيما بينها أدوات ضاغطة وفرص للتعاون، كسبل لتحقيق هدف التوصل لاتفاق نهائي لتنظيم الاستفادة من موارد النهر ومواجهة الاختراقات الخارج
 

قـائـمـة المـراجع

المراجع باللغة العربية :

أولاً : الكتب
1-     أشرف محمد كشك, السياسة المائية المصرية تجاه دول حوض النيل, (القاهرة : برنامج الدراسات المصرية الأفريقية, كلية الاقتصاد والعلوم السياسية, 2006).
2-    أيمن السيد عبد الوهاب, ثلاثية التنمية والسياسة والميراث التاريخ, (القاهرة : مركز الدراسات السياسية, 2004).
3-    صاحب الربيعي, صراع المياه وأزمة الحقوق بين دول حوض النيل, (دمشق : دار الكلمة 2000).
4-    عبد الملك خلف التميمي, المياه العربية : التحدي والاستجابة, (بيروت : مركز الدراسات الوحدة العربية, 1999).
5-     عبد الملك علي أحمد عودة, السياسة المصرية ومياه النيل في القرن العشرين (القاهرة : مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام, 1992).
6-    فتحي علي حسين, المياه وأوراق اللعبة في الشرق الأوسط, (القاهرة : مكتبة المدبولي, 1997).
7-    كمال المنوفي, مقدمة في مناهج البحث في علم السياسة, (القاهرة : كلية الاقتصاد والعلوم السياسية, 2002).
8-    محمد سالمان طايع, الصراع الدولي على المياه بيئة حوض النيل, (القاهرة : مركز البحوث والدراسات السياسية, كلية الاقتصاد والعلوم السياسية, جامعة القاهرة, 2007).
9-     محمود محمد محمود خليل, أزمة المياه في الشرق الأوسط والأمن القومي العربي والمصري, (القاهرة : المكتبة الأكاديمية, 1998).
10-    منذر خدام, الأمن المائي العربي الواقع والتحديات, (بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية, 2001).




ثانيًا : الدوريات

1-    أسامة الغزالي حرب, " حول السياسة الخارجية المصرية النيلية ", السياسة الدولية, القاهرة : مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام, العدد 178, أكتوبر 2009).
2-    أيمن السيد عبد الوهاب, " مياه النيل إشكاليات التعاون وآليات التحرك المصري ", أوراق الشرق الأوسط, (القاهرة : مركز دراسات الشرق الأوسط, العدد 46, أكتوبر 2009).
3-     أيمن السيد عبد الوهاب, " نحو إستراتيجية مصرية متكاملة في حوض النيل ", السياسة الدولية (القاهرة : مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام, العدد 178, أكتوبر 2009).
4-    أيمن سلامة, " النظام القانوني لاستغلال مياه نهر النيل ", أوراق الشرق الأوسط, (القاهرة : مركز دراسات الشرق الأوسط, العدد 46 , أكتوبر 2009).
5-    حمدي عبد الرحمن, " إسرائيل في أفريقيا في عالم متغير : من التغلغل إلى الهيمنة ", سلسلة دراسات مصرية أفريقية, (القاهرة : برنامج الدراسات المصرية الأفريقية, كلية الاقتصاد والعلوم السياسية, جامعة القاهرة, العدد 3, 2001).
6-    حمدي عبد الرحمن, " السياسة الأمريكية تجاه أفريقية من العزلة إلى الشراكة ", السياسة الدولية, (القاهرة : مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية, العدد 144, أبريل 2001).
7-     سالمان أبوسته, " إسرائيل 2020 : مستقبل إسرائيل كما تراه نخبها الرسمية ", المستقبل العربي, (بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية, العدد 292, يونيو 2003).
8-     ضياء الدين القوصي, " الاستخدام الأمثل لمياه حوض النيل ", السياسة الدولية, (القاهرة: مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام, العدد 158, أكتوبر 2004).
9-     عبد المجيد عمارة , التكامل الاقتصادي والسياسي بين دول حوض النيل : الواقع المأمول, مجلة أفاق أفريقية, (القاهرة : الهيئة العامة للاستعلامات, وزارة الإعلام, العدد 29, 2009).
10-    محمد سالمان طايع, " الأمن المائي في الخليج العربي في عالم متغير ", أوراق الشرق الأوسط, (القاهرة : المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط, العدد 40, 2002).
11-    محمد سالمان طايع, أثر التدخلات الخارجية على العلاقات المائية في حوض النيل, أوراق الشرق الأوسط, (القاهرة : المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط, العدد 46, أكتوبر 2009).
12-    محمد نبيل الشيمي, " العلاقات الاقتصادية بين مصر ودول حوض النيل ", السياسة الدولية : (القاهرة : مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية, العدد 158, أكتوبر 2004).
13-    نبيل عبد الحميد, " طبيعة علاقات مصر مع دول حوض النيل ", أوراق الشرق الأوسط, (القاهرة : المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط, العدد 46, أكتوبر 2009.
14-    نبيل عبد الفتاح, " إطار ماشاكوس : المرجعية والبيئة والدوافع ", السياسة الدولية, (القاهرة : مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام, العدد 150, أكتوبر 2002).

ثالثًا : الرسائل العلمية
1-    إيمان فريد الديب, الطبيعة القانونية للمعاهدات الخاصة بالانتفاع بمياه الأنهار الدولية والمجاري المائي الدولية في غير أغراض الملاحة مع دراسة تطبيقية للاتفاقيات المتعلقة بنهر النيل, (رسالة دكتوراه غير منشورة, كلية الحقوق, جامعة القاهرة 2007).
2-    محمد سالمان طايع ,الصراع الدولي علي المياه (بيئة حوض النيل),(رسالة دكتوراه غير منشوره,كلية الاقتصاد والعلوم السياسيه,جامعة القاهرة,2005 ).

رابعًا : الصحف
1-    حسن نافعة, " كيف تدافع مصر عن حقوقها من مياه النيل " جريدة المصري اليوم, العدد 2139, 22 أبريل 2010 .
2-    حمدي عبد الرحمن," هل أصبح النيل في خطر "؟ , جريدة الأهرام, 18 مايو 2010.
3-    " صفر المياه مع دول حوض النيل ", جريدة الوفد, العدد 7244, 16 مايو 2010.
4-    محمد سامح عمرو, " قراءة في قانونية الموقف المصري ", جريدة الأهرام, العدد 45089, 16 مايو 2010 .
5-    متولي سالم, " علام يدرس دعوة وزراء حوض النيل لاجتماع بالإسكندرية ", جريدة المصري اليوم, عدد 2163, 16 مايو 2010 .
6-    متولي سالم, " مفاجأة السد الأثيوبي " جريدة المصري اليوم, العدد 2165, 18 مايو 2010 .
7-    منى أبو سكين, " اتفاقية دون المنبع تكشف بنجاح إسرائيل في تقليم أظافر مصر ", جريدة الوفد, العدد 7244, 16 مايو 2010 .
8-    منى أبو سكين , " الاتفاقية خطوة خاطئة " , جريدة الوفد, العدد 7244, 16 مايو 2010 .
9-    " الصراع على المياه ", جريدة الشرق الأوسط, العدد 91189, 17 يونيو 2009.

مراجع باللغة الإنجليزية :
1-
Book :
1-    
African development indicators world bank (Washington, D.C 2000).
2-    
World development indicators. World , Bank (Washington, D. C 2004).
2-
Periodicals:
1-    
Adel Abd Al Razik, " Egypt's Nile Basin water strategy " African Affairs, (Vol 17, 2005).
2-    
Sally Hani, " Nile Basin initiative an insight into Egypt position ", African Affairs (Vol 17, 2005).

المواقع الإلكترونية :
1-    
http://www.aljazeera.net/nr/express
2-    
http://www.aawsat.com/details.asp?section
3-    
http://www.egyptionoasis.net/forums/showthread.php?
4-    
http://www.jar7.uae/vb/showthread/php?t=777
5-    
http://www.kassioun.org/inedx.php?/mode=org/index.phpmode=orticle8
6-    
http://www.mail.marefa.org/index.php
7-    
http://www.ikhwan.com/article.asp?article
8-    
http://www.islamonline/to.arabic/dowalia/adpitic/opoltic4.asp?htm
9-    
http://www.sis.gov.eg.storyxsid=35796
10-    
http:www.palastine.info/Arabic/palastroy/press/new/eftea.htm